أحدث تغيير النظام السوري تحولات استراتيجية كبرى في الإقليم، أكثر مما أحدث في داخل سوريا نفسها. تحولاتٌ أرست معادلات جديدة، أضعفت موقع إيران الإقليمي، وأتاحت لإسرائيل شن حرب مباشرة عليها في حزيران/يونيو، والمضي في توجيه ضربات لحلفائها في المنطقة، وخصوصاً “حزب الله” والحوثيين في اليمن، مثلما أدت في المقابل إلى انتعاش الدور التركي الذي تولى هندسة التحول السوري بالتنسيق مع الأميركيين والبريطانيين. كما تقدمت أدوار لاعبين إقليميين مثل السعودية وقطر في المشهد السوري.
قبل الخوض في الانعكاسات الإقليمية والدولية للتغيير في سوريا، لا بد من التطرق إلى عدم الاستقرار الذي تتسم به الخريطة الداخلية، برغم الاحتضان الغربي للنظام الجديد ورئيسه الانتقالي أحمد الشرع.
بأية صيغة تُحكم سوريا الجديدة؟
بعد 12 شهراً على التغيير، لا يوجد تعريف دقيق للنظام الجديد في سوريا: هل هو نظام ديني متشدد؟ أم نظام ديني معتدل؟ وتجعل الخلفية الجهادية للنظام والفصائل المنضوية تحت لوائه، من الصعب تصور قيام دولة مدنية، تفصل السياسة عن الدين.
هذه المعضلة، أوقعت أحمد الشرع المنفتح على الغرب والمحافظ في الوقت ذاته على عصبية فصائلية تضفي على الدولة طابعاً دينياً يمكن تلمسه في أكثر من ميدان. مثل هذا الطابع أدى إلى الاصطدام بالواقع التعددي للمجتمع السوري. هناك الأكراد والعلويون والدروز والإسماعيليون والمسيحيون.
والمفارقة، هي أنه إذا كان الصدام بين الفصائل التي تحكم سوريا حاليا والعلويين في الساحل، يتغذى بروح انتقامية تعود إلى تمركز السلطة في يد النظام العلوي السابق في العقود الماضية، فإن غير المفهوم هو اندلاع الصدام مع الأكراد والدروز، الذين كانوا في طليعة القوى التي ناهضت هذا النظام منذ العام 2011.
لا يكفي اتهام قوى خارجية أو “فلول” النظام السابق، بافتعال الأزمات الداخلية، من أجل تفتيت سوريا وتقسيمها. لا بد من الإقرار بأن منطق الدولة لم يسد بعد، وأن الفصائل المتشددة، التي تضم أيضاً مقاتلين أجانب، ترى بأن الغالبية الطائفية هي التي يجب أن تحكم بمعزل عن الآخرين.
وهذه هي خلفيات أحداث الساحل والسويداء والاحتكاكات الجارية مع الأكراد في شمال شرق سوريا.
هذه الأحداث الدلالية، تقود إلى استنتاجات مُشوشة، حول ما إذا كان في الامكان العودة بسوريا، بلداً شديد المركزية، على غرار ما كانته قبل العام 2011، أم الذهاب نحو صيغة أكثر مرونة بما يلبي مطالب الأقليات العرقية والدينية.
هذه مسألة غير مرشحة للحسم قريباً. يدل على ذلك، أن التصفيات الجسدية والأعمال الانتقامية ما تزال مستمرة في مدن الساحل أو حيث يقيم علويون في أحياء من دمشق وحمص وحماه. وهناك اشتباكات متقطعة في محافظة السويداء “المستقلة” من الداخل، والمطوقة من الخارج. بينما اتفاق “دمج” المقاتلين الأكراد المنضوين تحت لواء “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) في الجيش السوري الناشىء، يواجه الكثير من العقبات مع حلول المهلة المحددة لذلك في أواخر العام الحالي.
لا يتطابق الموقفان الأميركي والإسرائيلي تماماً إزاء سوريا. من جهة، ينظر دونالد ترامب إلى دمشق في سياق أوسع. أي من خلال رؤية شاملة للشرق الأوسط، ترى أن سوريا هي الآن سد منيع أمام النفوذ الإيراني، كما أن الاتفاق الأمني مع إسرائيل قد يُشكّل مقدمة لانضمامها إلى الاتفاقات الإبراهيمية لاحقاً. وهذا من شأنه أن يزيد الضغط على لبنان لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ومحاصرة “حزب الله” أكثر فأكثر. يضاف إلى كل ذلك حصول الولايات المتحدة على قاعدة جوية في مطار المزة
وتتجه الأقليات إلى تنسيق خطواتها عبر اتصالات واجتماعات دورية، تطالب بنظام فيديرالي أو لا مركزي على الأقل. وتصطدم هذه المطالب برفض النظام الجديد، وبرفض تركيا التي تعتبر الداعم الأساسي له.
لا يواجه النظام الأقليات فحسب. فقد سلطت محاولة السلطات الجديدة، اقتحام مخيم حارم للمقاتلين المتشددين الفرنسيين في “لواء الغرباء”، الضوء على مشكلة بين دمشق وبعض الفصائل الجهادية، التي سارعت إلى نجدة المخيم. ويبدو أن هذا فصل أخر من الصراع الفصائلي المؤجل.
سوريا وسط مثلث أميركي إسرائيلي تركي
تغيير النظام، أدى إلى انبعاث الصراع الإقليمي بقوة على سوريا. وسارعت إسرائيل إلى استغلال الواقع الجديد، لتُدمّر أصول الجيش السوري السابق، وتتوغل براً لتتجاوز المنطقة العازلة المقامة بموجب اتفاقية فصل القوات لعام 1974، واحتلت قمة جبل الشيخ وتتقدم بين الحين والآخر إلى ريف دمشق، على غرار بلدة بيت جن، التي شهدت اشتباكاً مع قوات الاحتلال ليل الخميس الماضي سقط خلاله عدد من الشهداء والجرحى.
وفي موازاة ذلك، تعرقلت المساعي الأميركية الهادفة لإبرام اتفاق أمني سوري-إسرائيلي، بعدما رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانسحاب إلى خط 1974، وأصر على البقاء في الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وطالب بجعل الجنوب السوري كله منطقة عازلة خالية من المعدات العسكرية الثقيلة للسلطات الجديدة، علاوة على المطالبة بممر إلى محافظة السويداء، تحت ذريعة حماية الأقلية الدرزية.
ولا يتطابق الموقفان الأميركي والإسرائيلي تماماً إزاء سوريا. من جهة، ينظر دونالد ترامب إلى دمشق في سياق أوسع. أي من خلال رؤية شاملة للشرق الأوسط، ترى أن سوريا هي الآن سد منيع أمام النفوذ الإيراني، كما أن الاتفاق الأمني مع إسرائيل قد يُشكّل مقدمة لانضمامها إلى الاتفاقات الإبراهيمية لاحقاً. وهذا من شأنه أن يزيد الضغط على لبنان لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ومحاصرة “حزب الله” أكثر فأكثر. يضاف إلى كل ذلك حصول الولايات المتحدة على قاعدة جوية في مطار المزة. ومع ذلك، لا يظهر أن إسرائيل في عجلة من أمرها لتوقيع اتفاق مع سوريا، ومواقف مسؤوليها تنم عن حذر شديد إزاء أحمد الشرع وماضيه.
كما رسمت إسرائيل بالنار خطوط حمراء أمام تركيا، في صراع تأجج على خلفية تدهور العلاقات بين الجانبين بسبب حرب غزة. وفي المقابل، تنظر أنقرة إلى “قسد” كتهديد أمني على الحدود الجنوبية لتركيا، وتمارس ضغوطاً من أجل نزع سلاح التنظيم الذي تعتبره امتداداً لـ”حزب العمال الكردستاني”، وترى أن دعوة الزعيم التاريخي للحزب المسجون عبدالله أوجلان لحل الحزب ونزع سلاحه تسري على “قسد” أيضاً. وتعتبر تركيا أن توسيع نفوذها في سوريا، يُعزّز وضعيتها كدولة إقليمية كبرى.
ودخلت أميركا على خط المعالجات والحلول الوسط. وتنظر باهتمام بالغ إلى انضمام النظام السوري الجديد إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، كخطوة تؤدي لاحقاً إلى تسلم دمشق الإشراف على السجون التي تؤوي مقاتلي “داعش” في شمال شرق سوريا، والتي يحرسها المقاتلون الأكراد منذ سنوات.
وحتى الاحتضان الأميركي للشرع، لا تزال تشوبه شوائب عدة، في مقدمها معارضة سناتورات نافذين في مجلس الشيوخ الغاء “قانون قيصر” من دون ربطه بشروط العودة للعمل به، في حال لاحظوا أن النظام الجديد لا يفي بتعهداته.

ومن دون الغاء هذا القانون، ستبقى الشركات الأجنبية مترددة في الاستثمار في سوريا، مما يبقي الضائقة الاقتصادية قائمة، برغم تلقي مساعدات من دول الخليج العربية.
وماذا عن روسيا وأوروبا والصين؟
وفي السياق ذاته، اتخذ الأوروبيون خطوة أكثر تقدماً برفعهم كامل العقوبات، وعدم الاكتفاء بتعليقها، واستأنفوا اتصالاتهم بسوريا على نطاق واسع، وأبرمت بعض دولهم اتفاقات اقتصادية مع دمشق. لكن الاندفاع الأوروبي وحده لا يكفي للنهوض الاقتصادي بسوريا.
وروسيا، التي بدا في الأشهر الأولى لسقوط بشار الأسد، أنها بعد إيران، ستكون الخاسر الأكبر من تغيير النظام السوري السابق، تلمست طريقها إلى التطبيع مع السلطات الجديدة، واستقبلت الشرع في 16 تشرين الأول/أكتوبر. وينصب اهتمام روسيا على الاحتفاظ بالقاعدتين العسكريتين في طرطوس واللاذقية، على أمل استعادة بعض من النفوذ السياسي.
ولم تبقَ الصين بعيدة عن المجال السوري، باستقبالها وزير الخارجية أسعد الشيباني، الأسبوع الماضي، وهي تربط الانفتاح على النظام الجديد، بتسليمها المقاتلين الإيغور.
وفي خضم هذا المشهد الجديد، تلتزم إيران والنظام السوري الجديد الحذر، ولا توجد مؤشرات حول احتمال حصول تقارب في المدى القريب.
في المحصلة، ثمة خريطة من التعقيدات الداخلية والخارجية المتشابكة التي تشي بأن سوريا الجديدة تحتاج إلى وقت حتى تستقر هي أولاً وتستقر علاقاتها الإقليمية والدولية ثانياً، وبالتالي تستطيع قيادتها أن تضع رؤية سياسية خارجية تُحدد من خلالها الممكن.. والمستحيل.
