أسمِعْني صوتك لأعطيك صوتي‏..!

"فرنسا لم تعد فرنسا. انظروا مَن بات يتنافس على الرئاسة فيها. فلقد خلت البلاد من رجال السياسة، الذين كنّا نحتار مَن نختار من بينهم. لما يتحلّون به من خصالٍ حميدة. أمّا اليوم، فصار منبع التردّد في الاقتراع، هو أنّنا مضطرّون للاختيار بين السيّء والأسوأ".

هذا ما يقوله مواطنٌ فرنسي ستّيني في voxpop ضمن ريبورتاج عن الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة. تلك التي ستُخبرنا دورتها الثانية، يوم الأحد المقبل، مَن سيكون رئيس فرنسا التاسع في الجمهوريّة الخامسة: إيمانويل ماكرون أو مارين لوبان؟ لا شيء واضحاً أو محسوماً بعد. فكلٌّ من المرشّحيْن يحتاج إلى توسيع نطاق الدعم له قبل التصويت في 24 نيسان/أبريل. إذْ إنّ أحدث استطلاعاتٍ للرأي و”فعاليّات” المناظرة التلفزيونيّة التي دارت رحاها، ليل أمس، لم يستطيعا حسم اسم الفائز بقلوب وعقول الناخبين الفرنسيّين، ولا سيّما منهم، المتردّدون والممتنعون الذين تجاوزت نسبتهم 26 % في الجولة الأولى. وكذلك ناخبو اليسار المُعتبَرون الحَكَم في هذه المبارزة الشرسة. فالكثيرون منهم، يقولون إنّهم ما زالوا لا يعرفون ما إذا كانوا سيتوجّهون إلى مراكز الاقتراع أم لا!

بعد أن طغت هالة ماكرون عليها في الدقائق الأولى مع فتح الملفّات الاقتصاديّة، عادت لوبان والتقطت سريعاً أنفاسها. ونزلت إلى الساحة منافساً قديراً في التحكّم بالحوار

وفي ذروة الحملة الانتخابيّة الرئاسيّة، تناظر الرئيس إيمانويل ماكرون مع منافسته اليمينيّة المتطرّفة مارين لوبان، على مدى أكثر من ساعتيْن. وداخل ستوديو خالٍ من الجمهور وضُبِطَت حرارته على 19 درجة، جلس المتنافسان على طاولتيْن مستقلّتيْن فصلت بينهما مسافة متريْن ونصف المتر. فالكورونا لا تزال في الأجواء. كما جلس الصحافيّان اللذان أدارا الحوار (ليا سلامة وجيل بوليو) على بُعد أربعة أمتار من ماكرون ولوبان. كلّ تفصيلٍ، في مجريات المناظرة، تمّ التدقيق فيه. فهذا مهمّ جداً وله دور، برأي المختصّين في الاتصال السياسي والإعلام والإخراج التلفزيوني وعلم النفس الإعلامي. لوبان، التي عزلت نفسها قبل المناظرة، جلست على اليمين. وماكرون، الذي صال وجال في عددٍ من المناطق وعقد جلسة لمجلس الوزراء، استقرّ في جهة اليسار. لوبان بدأت الحديث وهي أنهته. ماذا في التفاصيل؟

صحيحٌ أنّ قائمة المعايير التي استندت إليها مبارزة ماكرون – لوبان لم تتمكّن من تظهير صورة سيّد الاليزيه المقبل بوضوح. غير أنّ لوبان نجحت، كما يبدو، خلال السنوات الخمس الماضية في تضييق الفجوة الكبيرة في مستوى الأداء بينها وبين ماكرون. وبعد أن طغت هالة ماكرون عليها في الدقائق الأولى مع فتح الملفّات الاقتصاديّة، عادت لوبان والتقطت سريعاً أنفاسها. ونزلت إلى الساحة منافساً قديراً في التحكّم بالحوار. فهي التي وصفت مناظرة 2017 بـ”أكبر فشل” في حياتها المهنيّة السياسيّة، كانت قد اشترطت على المخرج، في مناظرة الأمس، بضع وضعيّاتٍ لتحريك الكاميرا. تلك التي التقطتها في السابق تائهة. مرتبكة. تبحث عن إجاباتٍ بين سطور الأوراق التي تراكمت أمامها.

البارحة، تحدّت لوبان ماكرون في أكثر من موقفٍ وقضيّة. وركّزت على جذب الناخبين الذين يحملون مشاعر معادية للرئيس الفرنسي وينتقدون سجلّه. وبعد أن كرّرت مواقفها “الكلاسيكيّة” المعروفة، عزفت على أوتار الإسلاموفوبيا ومحاربة الهجرة والعواطف الشعبويّة المعادية للوحدة الأوروبيّة. وقدّمت نفسها، كـ”ربّة أسرة” تحمي المواطنين “الأكثر هشاشة”، محاولةً، إثبات أنّها تتمتّع بقدرات رئيسٍ محتمل، والترويج لما تقول إنّها مقترحات واقعيّة.

أمّا ماكرون، فظهر، وكما في المناظرة السابقة، أكثر ثباتاً ودراية بملفّاته، ولا سيّما الاقتصادية والماليّة منها. دافع عن سياساته المنتهَجة في ولايته الأولى. وسأل منافسته ساخراً (بعض الشيء) عمّا كانت فعلته، هي، لو واجهت التحدّييْن الاستثنائيّيْن اللذيْن واجههما: جائحة كورونا والحرب الروسيّة في أوكرانيا. ظهر ماكرون في بداية المناظرة وكأنّه مراقِبٌ “ضجِر”. لكن سرعان ما اندفع في الحوار. جادّاً وقادراً على التعمّق في التفاصيل. دافع ماكرون عن آرائه المؤيّدة لأوروبا باعتبارها السبيل لتعزيز مكانة فرنسا على الساحة العالميّة. وتعهّد، هو الذي يُنتقَد بسبب سجلّه البيئي، بأن تكون السياسة التي سينتهجها خلال السنوات الخمس المقبلة “مراعية للبيئة”. وحاول هزيمة منافسته من خلال الإضاءة على مواقفها المتناقضة، في أكثر من مجال. وكاد ينساق وراء لهجة لوبان وشططها اللفظي، أحياناً. وحاول أكثر من مرّة إظهار الجوانب المتطرّفة التي تتضمّنها حملة لوبان الانتخابيّة. وركّز على مصدر تمويلها. وبعد؟

جاءت مناظرة البارحة من دون مفاجآت. كرّرت المكرَّر. وأكّدت المؤكَّد. كانت امتحاناً، لم يُكرَّم فيه مرشّحٌ ولم يُهَن. بل إنّ المناظرة عزّزت قول المواطن الفرنسي الذي بدأنا به هذه السطور. فهو تحدّث عن “الرداءة” التي حلّت في كلّ المناصب والمطارح في فرنسا. فأزاحت رياحها “النوعيّة” التي لطالما انعكست في “الوقار الرئاسي” لأسياد الاليزيه. لا وقار ولا مَن يُوَقَّرون! ذهب الوقار إلى غير رجعة، كما يبدو. ومذْ انتخب الفرنسيّون مرشّح اليمين التقليدي الرئيس السابق نيكولا ساركوزي. فساركوزي هذا، هو مَن افتتح عهود الرداءة الرئاسيّة. بحيث جاء فوزه (عام 2007 على مرشّحة الحزب الاشتراكي سيغولان رويال) بمثابة نهاية حقبة جيل ما بعد الحرب العالميّة الثانية الذي خاض غمار العمل السياسي. متسلّحاً بشعاراتٍ إنسانيّة نبعت من واقع معاناة البشريّة التي عاشت كوارث تلك الحرب. وظهر ساركوزي كرمزٍ لجيلٍ أطلسيٍّ جديد. لا ينظر إلى مشاكل فرنسا والعالم، من الزاوية نفسها. فلن ينسى الفرنسيّون، بالتأكيد، “أفضال” ساركوزي في إرساء أُسس الفساد في الحياة السياسيّة الفرنسيّة. بدءًا بضرب أخلاقيّات مهنة الصحافة. مروراً بتجاوز القضاء. وانتهاءً بتقهقر منظومة حقوق الإنسان.

إنّها الرداءة بعينها. في عصر التفاهة المعمَّمة. تفاهة، ربّما لا سبيل لتظهيرها إلاّ عبر المناظرات التلفزيونيّة. فالمناظرات تُعتبَر مرحلة متقدّمة في الممارسة الديمقراطيّة. وباتت، منذ العام 1960، تقليداً تلجأ إليه الديموقراطيّات القويّة، لضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشّحين

حتّى أنّ هزيمته عام 2012 أمام خصمه الاشتراكي (الرئيس السابق) فرانسوا هولاند، اعتبرها بعض المحلّلين بمثابة ثأرٍ لفرنسا “دولة المؤسّسات”. وذات الإشعاع الخاصّ. لكنّ ساركوزي لم يكن ليتوقّع تلك الخسارة. وعشيّة مناظرته التلفزيونيّة مع هولاند توعّد أمام مقرّبين منه، بأنّه “سيطحن هولاند الرخو والمتردّد والرمادي بمنتهى السهولة”. مكرّراً التوعّد ذاته الذي أطلقه فاليري جيسكار ديستان قبله بثلاثين عاماً ضدّ منافسه اللدود، يومذاك، فرانسوا ميتران.

إقرأ على موقع 180  "رعد موسكو" و"سعد روما".. ولبنان المُهدد!

إنّها الرداءة بعينها. في عصر التفاهة المعمَّمة. تفاهة، ربّما لا سبيل لتظهيرها إلاّ عبر المناظرات التلفزيونيّة. فالمناظرات تُعتبَر مرحلة متقدّمة في الممارسة الديمقراطيّة. وباتت، منذ العام 1960، تقليداً تلجأ إليه الديموقراطيّات القويّة، لضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشّحين. بخاصّة عندما تشتدّ المنافسة في ما بينهم. وهي تستهدف، بشكلٍ خاص، الناخبين المتردّدين في اختيار المرشّح الذي سيمنحونه صوتهم.

ترتكز المناظرة على فكرتيْن رئيسيّتيْن. تتعلّق الأولى، بمشاركة الناخبين في الشأن العامّ ودفعهم لاكتساب الدراية السياسيّة. أمّا الفكرة الثانية، فهي إسهام هذه المناظرات في تعريف الناخبين على البرامج الانتخابيّة للمرشّحين. أي، وكأنّ الناخب يقول للمرشّح الطامح إلى السلطة “أسمعني صوتك لأعطيك صوتي‏..”!‏ لكن هل من دورٍ حاسم للمناظرات التلفزيونيّة في العمليّة الانتخابيّة؟

باتت المناظرات التلفزيونيّة إحدى أبرز السبل للتغطية الإعلاميّة للسياسة. وواحدةً من أدوات السياسة المعاصرة الأكثر إثارة، على مستوى الممارسات التواصليّة للديموقراطيّة. وبرأي خبراء الاتصال السياسي، فإنّ وظيفة هذه المنازلة التقليديّة للمرشّحين، ما بين الدورتيْن الانتخابيّتيْن، هي وظيفة رمزيّة ليس إلاّ. ويصفها كريستيان ديلبورت المتخصّص في تاريخ وسائل الإعلام (والذي أصدر كتاباً بعنوان “المناظرات السياسيّة الكبرى”) بالمباراة الاستعراضيّة التي تنطوي، دائماً، على مخاطر بالنسبة لكلا المرشّحيْن. لكنّه يردف قائلاً “إنّ أيّ مناظرة لم تغيّر، يوماً، المعطيات بشكلٍ جوهري. وليس هناك ما يثبت تأثيرها على الناخبين المتردّدين. فالفرنسيّون يسمعون ما يريدون سماعه. ويعتبرون أنّ مرشّحهم هو الأفضل”.

كلمة أخيرة. بينما أنا أشاهد مناظرة ماكرون- لوبان، تخيّلت لو إنّنا في لبنان قرّرنا أن نتبع هذه “الموضة” الديموقراطيّة. لما لا، ونحن أسياد مَن استنسخ وسرق وقلّد تجارب الآخرين. تصوّروا كيف سيكون شكل المتناظرين. وكيف سيكون مضمون خطابهم وحججهم واستراتيجيّتهم. تصوّروا، مثلاً، جبران باسيل وسمير جعجع وسليمان فرنجيه يتناظرون حول طاولةٍ واحدة. يا إلهي..! سنشاهد فيلماً كوميديّاً يستحق أكثر من أوسكار. إقتضى أن نضحك ونبكي ونلطم و…، في آن.

 

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  أميركا "السيدة".. وما عداها مستعمرات!