بايدن على أرض الدماء.. أنا صهيوني!

جرّبتُ كتابة مقال يغطي كافة أو معظم جوانب قمة جدة. جرّبتُ وفشلتُ. فشلتُ لأنها قمة لا أول لها ولا آخر. لا أقصد أن مؤتمر القمة مرّ بمراحل إعداد كثيرة ومعقدة، فالمؤتمرات كافة تمر بمراحل إعداد كثرت أم قلت، بعضها صعب ومعقد وبعضها بسيط وسلس.

ما قصدتُ هو أن ما كنا نظن أنه من علامات مراحل الإعداد للقمة تأكد لنا أنه انتهى جزءاً أصيلاً من جوهر أعمالها وحقق أهدافاً لم تكن على جدول أعمالها المعلن والمتفق عليه صراحة أو ضمناً. بمعنى آخر، انعقدت القمة بعد أن طرأت على ظروف انعقادها ظروف والتزامات لم تكن في حسبان معظم أعضائها. اجتمعت متفرقة وبينها إسرائيل دول من أعضاء القمة قبل أسابيع من انعقادها الرسمي واجتمعت مجتمعة الدول العربية المدعوة للقمة اجتماعاً تشاورياً كشف عن عدم رضا بعض المجتمعين عن أهداف لم تعرض بعد على القمة التي لم تنعقد. هنا راجت أقاويل عن حيرة بعض الدول المدعوة للقمة أمام أهداف أو استنتاجات غير دقيقة تضمنتها مسودات وثائق نهائية سوف تصدر باسم قمة لم تناقشها.

بهذا المعنى كنت أقصد أن مقالاً واحداً لا يمكن أن يغطي كافة أو معظم أبعاد هذه القمة التي تعدّدت تسمياتها الإعلامية مع تعدد مراحل الإعداد لها وتعدد وجهات النظر حولها عندما أوشكت على الانعقاد وتعددت أكثر عندما انعقدت في أشكال تعددت هي الأخرى. أعرض أمثلة ربما أوضحت بدرجة مناسبة ما قصدت بهذه المقدمة غير القصيرة.

***

سمعنا في البداية، بداية الاستقبالات في جدة، سمعنا كلمة وسمعها معنا مراقبون من كافة الأعمار والتوجهات جعلتهم يحكمون مبكرين، منفردين ثم مجتمعين، بالفشل على قمة قبل أن تنعقد، وقبل أن يستعد المبادرون إليها لاتخاذ مواقف تمنع انهيارها المبكر. كان الرئيس الأمريكي جو بايدن ما يزال منغمساً في الانبهار بحفاوة استقبال الإسرائيليين به حين زايد على دونالد ترامب بالإعلان بشكل أقرب إلى الهزل عن هويته الصهيونية. أعلنها بحماسة تلفت أسماع وأنظار مستقبليها في أمريكا وفي إسرائيل، ولا يهم رد الفعل في العالم العربي. أظن أن قليلين على هذه الناحية من الصراع العربي الإسرائيلي في حاجة لرئيس أمريكي يُذكرهم بأنه صهيوني الهوية. لم يكتف الرئيس بالإعلان بل أضاف بكل فخر تأكيد أنها هوية تسبق الانتماء الديني، حين قال ما معناه أنه لا الدين ولا المذهب يغير من حقيقة هويته الصهيونية التي يعتز بها، ويكاد، بالهزل أيضاً، يطلب من العرب تبنيهم لهذه الهوية والجهر كما فعل هو نفسه بنوايا الدخول في التزامات عسكرية لحمايتها.

حاولت بكل تواضع ممكن أن أضع نفسي مكان رئيس أمريكي يزور الشرق الأوسط للمرة الأولى. يأتي وعنده ما يطلبه من الدول العربية المنتجة للنفط، يأتي ويقف على أرض ما تزال محل نزاع وصراع دموي امتد لقرن من الزمان، وفي جوهر هذا الصراع الكلمة التي أطلقها بكل الاستهتار غير المناسب والغفلة غير اللائقة، أنا صهيوني. ألم يدرك وهو على رأس وفد من مواطنين أمريكيين أن النطق بهذا الانتماء أمام مستمعين عرب إنما يمكن أن تعني لبعضهم أن الرجل يستهين بحقوقهم وتاريخهم ويسخر من انتماءاتهم ويحط من كرامتهم وهو القادم من بلاده يحمل عار هزيمته أمام مضخات بنزين رفعت أسعارها وإحصاءات يومية تكشف تدهور حال التضخم ومدفوعاً بضغوط قواعد الحزب الديموقراطي التي سوف تُحمله مسئولية فشل الحزب في الانتخابات النصفية المقبلة.

***

أظن أن قليلين على هذه الناحية من الصراع العربي الإسرائيلي في حاجة لرئيس أمريكي يُذكرهم بأنه صهيوني الهوية. لم يكتف الرئيس بالإعلان بل أضاف بكل فخر تأكيد أنها هوية تسبق الانتماء الديني، حين قال ما معناه أنه لا الدين ولا المذهب يغير من حقيقة هويته الصهيونية التي يعتز بها، ويكاد، بالهزل أيضاً، يطلب من العرب تبنيهم لهذه الهوية

ترددتُ فلم أخصص مقالي لكلمة واحدة اعتقدت أنها ساهمت في اجهاض قمة. كلمة نطق بها الرئيس الأمريكي وهو يعلم ما تعنيه لدى المواطن العربي ولأعضاء القمة ومع ذلك نطق بها وكرر النطق بها غير مبال. لم يخفف من وقعها أنه لم يحسن حتى النطق بها ولا بغيرها من الكلمات الحساسة التي راح يرددها كاشفا عن قلة إدراك بالمنطقة وهوياتها وثقافتها وتطلعاتها.

كانت هناك الكلمة وكانت هناك الصورة التي عززت ردود الفعل للكلمة سيئة الطالع والواقع. صور الرئيس الأمريكي وهو ينزل من سلم الطائرة أو يصعد وصوره وهو يمشي ملتزماً توصيات المشي المنضبط بالمبالغة وصوره وهو يحيي ولي العهد السعودي تحية الكورونا الشهيرة. صور تكشف حال رجل أنهكته السياسة والعمر الطويل ومتاعب حكم عام ونصف قضى بعض شهورها في خضم أزمة لعلها الأخطر في حياة العالم المعاصر منذ انتهت الحرب الباردة. أنهكته أيضاً ولا شك متاعب وقف انحدار دولة كانت الأقوى، هي متاعب أصعب وأشد انهاكاً من أي متاعب أخرى في الحكم بسبب أن التاريخ منتصب ليحكم بدوره على الرجل الذي رشح نفسه ليتحمل مسئولية التصدي للانحدار واستعادة المكانة. فشل من سبقه ولن أكون أول ولا آخر كاتب سياسي يعتقد وبصدق أن نهضة أمريكا تستحق رجلاً أفضل وأكفأ وأصغر من هذا الرجل المنهك. تستحق أيضاً سلة مبادئ وقيم متناسقة وأصيلة تنافس بها غيرها من الأمم الناهضة أو العائدة إلى أداء دور ونشر رسالة.

إقرأ على موقع 180  دراسة في مظاهر التعصّب اللبناني.. تويتر نموذجاً

لا براعة أو قدرة فائقة جعلت مفكرين عديدين من جنسيات مختلفة يعتقدون أن الولايات المتحدة تواجه بالفعل تهديداً بزوال مكانتها. بعضهم راح بالفعل يفسر مواقف الرئيس بايدن في إسرائيل وجدة ويحكم عليه وعلى صف مستشاريه الجالسين خلفه من خلال هذا السياق، سياق دولة عظمى تتغير مكانتها. ضمن هذا السياق، يُفسر هذا النفر من المفكرين التعقيدات التي ألمت بالعلاقات الأوروبية ـ الأمريكية وبخاصة الخلافات التي اتسمت بها مرحلة دونالد ترامب في تطور الغرب. يفسرون أيضاً، الآن، حال التوتر التي سادت في أجواء مؤتمر قمة جدة. صحيح أن الدول العربية توقعت ضغوطاً من الوفد الأمريكي ومن بايدن شخصياً، وتوقعت حرجاً بتأثير من فهم مغلوط لدى الرئيس بايدن للتطور الذي حدث في العقل الخليجي سواء في سياق الموضوع الإيراني أو في التزام تفاهمات مجموعة “أوبك +”. فات أيضاً على مجموعة المستشارين الأمريكيين حقيقة أنهم في قمة جدة سوف يتعاملون مع دول اكتسبت من عضويتها في جامعة الدول العربية خبرة ثمينة في أساليب مقاومة مبادرات وأفكار وخطط التكامل الاقتصادي. لن تشترك دول الخليج في خطة تكامل جديدة بضغط أمريكي في المنطقة تحت اسم التنمية أو ما شابه. ستظل كالعهد بها أمينة على التزامها القومي بأن تبقى مساهماتها في التنمية الاقتصادية العربية ضمن إطار العلاقات الثنائية بين الدول العربية. لا أظن أن مستشاري بايدن انتبهوا لقوة هذا الالتزام الخليجي عندما راحوا يُخططون لبرنامج تنمية إقليمي وحصلوا على موافقة نظرية في المؤتمر.

***

لم يكن خافياً على أحد هدف إدماج إسرائيل في المنطقة، أياً كان اسم المنطقة. وليس خافياً على أحد أن الهدف المتجدد لدى معظم أو كل الدول غير العربية المتاخمة بالموقع أو بالثقافة أو بالقوة المسلحة أو بها مجتمعة هو إدماج الدول العربية في مجالها الحيوي. أقصد الإدماج النوعي أو الجزئي أو الأيديولوجي في كل من مساحات نفوذ إيران وتركيا وإسرائيل. لم تتوقف إسرائيل عن التوسع والإدماج بصورة أو أخرى وإيران لا تنكر وتنفذ وفي الوقت نفسه تتفاوض لتحقق دمجاً عربياً أوسع في ساحة النفوذ الفارسي وكذلك تركيا وإن بأساليب مختلفة. هي الأخرى لم تتوقف عن السعي لاستعادة وضع اندماجي لا يختلف كثيراً عن المعلن من طموحات رجب طيب أردوغان العثمانية. لذلك أدعو، وكثيراً ما دعوت، الزملاء الباحثين والمفكرين إلى ابتداع شرق أوسط بقلب عربي نابض بالقومية وقادر بفضلها على مواجهة آليات وسياسات الدمج المنبعثة من قوميات توسعية في كافة دول الجوار. الواضح لنا حتى الآن وبخاصة خلال الشهور الأخيرة التي شهدت الإعداد الأمريكي والإسرائيلي لمؤتمر جدة أن أمريكا سوف تلقي بكل ضغوطها لدمج المنطقة في إسرائيل المتوسعة بآليات وخطط الأمن المشترك وتبادل التكنولوجيا والهيمنة المشتركة على البحر الأحمر.

كانت غريبة أو مستهجنة ويبدو أنها لم تعد هكذا. سمعت أو لعلني قرأت لمن يدعو إلى الاستغراق جدياً وبعمق سعياً وراء دمج إسرائيل في المنطقة باعتبار أن دمج إسرائيل أقل تهديداً للمستقبل العربي من السير في ركاب الدعوة لإدماج المنطقة في إسرائيل أو في شبكة تحالفات تنسجها إسرائيل مع الولايات المتحدة أو بدونها.

***

لم تتوقف إسرائيل عن التوسع والإدماج بصورة أو أخرى وإيران لا تنكر وتنفذ وفي الوقت نفسه تتفاوض لتحقق دمجاً عربياً أوسع في ساحة النفوذ الفارسي وكذلك تركيا وإن بأساليب مختلفة. هي الأخرى لم تتوقف عن السعي لاستعادة وضع اندماجي لا يختلف كثيراً عن المعلن من طموحات رجب طيب أردوغان العثمانية

أتصور، من قراءة تطورات اللقاءات وتغير السياسات خلال المرحلة الأخيرة، أن كل البدائل أو الغالبية العظمى منها، طرقها غير سالكة. العراقيل كثيرة ومفهومة. حتى مصر المأزومة مالياً وربما اقتصادياً عادت في عرف بعض المفكرين العرب تلعب برغبتها حيناً ورغماً عنها في أحيان كثيرة دور الرقم الصعب في لعبة الأمم في الشرق الأوسط.

***

كثيرة هي الموضوعات التي أثيرت أو تستحق الإثارة عند الحديث عما أنجزته ولم تنجزه مؤتمرات القمة الأخيرة التي نظم لانعقادها البيت الأبيض الأمريكي وشارك فيها الرئيس جوزيف بايدن. ومع ذلك نبقى حائرين أمام التساؤل السلمي والبريء عن التهرب المتواصل من جانب القوى الغربية الكبرى ومنها الولايات المتحدة عن ترداد مقولة أن بند القضية الفلسطينية تحت أسمائه العديدة ومنها ما يعرف بـ”حل الدولتين” صار يمثل لمنظمي المؤتمرات والسياسات الدولية “مضيعة” لوقت الساسة وبخاصة وقت المؤتمرين.

انفض مؤتمر جدة. لم يُضف جديداً، حتى ما قيل عن عودة أمريكا إلى الشرق الأوسط لن يمثل إضافة معتبرة. ومع ذلك فالمؤتمر بنوادره وظروف انعقاده ولفضله على انكشاف تغيرات في توازن القوى الإقليمية وبنوعية أداء كثير من القادة نجح في أن يفتح شهية شعوب المنطقة ومفكريها لتجرب حظها مرة أخرى مع مشروع عربي جديد للتكامل الاقتصادي والتنمية الشاملة يعتمد على اندماج كافة الطاقات العربية.

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  "السخرية السوداء" في مواجهة "الموت الأسود"