القدريّون والله.. الرقص بين المتناقضات (4)

"إسعَ يا عبدي وأنا أسعى معك" و"المكتوب ما منهُ مَهروب"، عبارتان يردّدهما كثير من الناس من دون الخوض في التناقض بينهما. القول الأول يُعبّر عن الإيمان بأنّ الإنسان هو من يقرّر مصيره، بينما نجد في الثاني عكس ذلك: لا يمكن للإنسان أن يهرب من المصير المُقدّر له.

لم يتوقف النقاش حول القدرية منذ القرن الإسلامي الأوّل. هل الإنسان يكون مسؤولاً عن أعماله أم هي مقدّرة عليه من الله وهو مجبور على فعلها؟ بدأ هذا النقاش بين المسلمين بفعل اتّساع خلافاتهم في العقود الأولى التي تلت وفاة نبيهم محمد ونشوب “حروب أهليّة” وصراعات على السلطة وقتلهم بعضهم البعض (مقتل عثمان بن عفّان على يد عصابة قادها محمّد بن أبي بكر الصدّيق؛ مقتل علي بن أبي طالب على يدّ جماعة من أنصاره؛ معركتا الجمل وصفّين بين الصحابة، والصراع بين ابن الزبير وعبد الملك، إلخ..).. بالمقابل، كانت هناك عوامل خارجيّة نتجت عن تأثّر المسلمين بالنقاشات الدينيّة والفلسفيّة.

من المستحيل تعريف الفرقة التي سمّيت بالقدريّة كون مفهوم القدر نفسه غير واضح بالنسبة إلى معظم الباحثين، أي هل تعني قدرة الإنسان على خلق أعماله أم تقدير الله لعمل الإنسان؟ نجد التأكيد على ذلك في حقيقة أنّ الفرق الإسلاميّة اتّهمت بعضها البعض بأنّها قدريّة؛ خصوصاً التراشق بين مفكّري التراث السنّي التقليدي وبين من نسمّيهم بالمعتزلة، كل فرقة تتّهم الأخرى أنّ أتباعها هم جماعة القدريّة.

أنا من الذين يميلون للقول إن القدرية تعبير عن جدليّة يستحيل حلّها بين الإيمان بعدالة الله من جهة وعلم الله من جهة أخرى، وأي منهما يجب أن تكون الأساس لكل ما عداها من المعتقدات. الإيمان بأنّ علم الله لا يحدّه شيء يؤدّي إلى قبول أنّ الله يعرف الأشياء حتّى قبل أن تحصل، وينتج عنه لازمة أنّ الله قدّر الأقدار وليس على الناس إلاّ قبول المُقدر لهم من دون أن يكونوا قادرين على القيام بعكسه. أمّا الإيمان بعدل الله، فهو يؤدّي إلى رفض فكرة أنّ الله قادر على عمل الشر أوّ أنّه يجبر الناس على عمل المعصية ويحاسبهم عليها. إذاً، يقود الإيمان بعدل الله إلى الإعتقاد أنّ البشر منتجون ومسؤولون عن أعمالهم، تحديداً المعاصي، وأنّ الله ليس له قدرة على معرفة ما يفعلونه إلاّ بعد أنّ يفعلوه.

لكن ماذا إذا آمن مفكّر بأنّ الله عادل وعارف في الوقت نفسه، وأنّهما (العدل والمعرفة) بالدرجة نفسها من الأهميّة؟ ينتج عن ذلك معضلة كبيرة، حلّها بعض علماء الكلام، مثل ضرار بن عمر (ت. نحو 805) وجعفر بن حرب (ت. 850)، اللذين يعتبرا تقليديّاً من المعتزلة، باقتراحهما مفهوم “الكسب”، والذي يعني أنّه في وقت عمل المعصية، يكتسب الإنسان قدرة تحصل فيه وتساعده على عمل الأشياء وتحمّل مسؤوليّة ذلك. مفهوم الكسب هو نوع من التحايل الفكري نجده كثيراً عند الفلاسفة والمفكّرين، يساعد على الإعتقاد في الأضدّاد التي لا يمكن قبولها منطقيّاً.

الآيتان 178 و179 من سورة الأعراف هما من أهمّ الأمثلة حول هذا النقاش. نبدأ بالآية 178: “مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ”. يقول الشيخ الطوسي (ت. 1067) – وهو جمع بين الإثني عشريّة والإعتزال – نقلاً عن شيخ المعتزلة أبو القاسم البلخي (ت. 931): “المهتدي هو الذي هداه الله فقبل الهداية وأجاب إليها. والذي أضلّه هو الضال الذي اختار الضلالة فأضلّه الله بمعنى خلّى بينه وبين ما اختاره..”. يفسّر الطوسي هذه الآية – التي تشير إلى أنّ الله يُهْدي ويُضْلِل – على عكس ظاهرها، تحديداً أنّ الضال إختار الضلالة بملء إرادته وأنّ الله لم يتدخّل ليقيه من ذلك.

وعن الآية 179 – “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا، أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” – يقول الطوسي:

“معنى “ذرَأْنَا” خلقنا، يقال: ذرأهم يذرأهم. واللام في “لِجَهَنَّمَ” لام العاقبة، والمعنى أنّه لمّا كانوا يصيرون إليها بسوء اختيارهم وقبح أعمالهم جاز أن يقال إنّه ذرأهم لها. والذي يدلّ على أنّ ذلك جزاء على أعمالهم قوله: “لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا”، وأخبر عن ضلالهم الذي يصيرون به إلى النار. وهو مثل قوله تعالى: “إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً” (آل عمران 178).. ومثل قوله عزّ وجلّ: “فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً (القصص 8)، وإنّما التقطوه ليكون قرّة عين كما قالت امرأة فرعون عند التقاطه: “قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً” (القصص 9). ومثله قول الشاعر: وللموت تغذو الوالدات سخالها / كما لخراب الدهر تبنى المساكن. وقال آخر: أموالنا لذوي الميراث نجمعها / ودورنا لخراب الدهر نبنيها”.

ما نجده أيضاً في قول الثعلبي والماتريدي هو نوع من التهرّب من تحميل الله المسؤوليّة الكاملة عن أعمال البشر، لذلك نجدهما  يستخدمان عبارات مثل “يصيرون إليها بكفرهم بربّهم” و”يختارون فعل الكفر والأعمال الخبيثة التي يستوجبون بها النار”، وهذا نوع من الرقص بين التناقضات التي عجز الفكر السنّي الكلاسيكي عن حلّها

إذاً، رفضُ الطوسي فكرة أن الله خلق بعضاً من الناس لجهنّم قاده إلى تعريف اللام (في عبارة “لِجَهَنَّمَ”) كـ”لام العاقبة” (بدل أن تكون لام التعليل) وأعطاه ذلك مخرجاً لكي يؤكّد على عدل الله (ورأيه هنا موافق تماماً لما نجده عند كثير من مفكّري “المعتزلة”، لذلك عُرِفوا بأهل العدل).

إقرأ على موقع 180  في ماهيّة الإسلام.. قرآنٌ خارج القرآن؟ (12)

للتوضيح، قبل منتصف القرن العاشر، ومن أجل تأكيد شرعيّة أئمّتهم، كان معظم مفكّري الإثني عشريّة يؤمنون بأنّ الله قدّر الأقدار. ونجد مثل على ذلك في تفسير القمّي (ت. 940) للآية 179 من سورة الأعراف (بعكس الطوسي)، إذ يقول: “أي خلقنا”، أي أنّ الله خلق لجهنّم كثيراً من الجنّ والإنس، وأنّ الآية ليست بحاجة لأي تعليق آخر. لكن مع حصول الغيبة (تحديداً الغيبة الكبرى بعد سنة 940)، أصبح الإيمان بالقدر الإلهي عائقاً أمام مفكّري الإثني عشريّة، بل شكّل خطراً كبيراً لفكرهم الديني، إذ أصبح وكأنّه يبرّر الغبن الذي حصل لهم وقتل أئمّتهم، لذلك تركوه وانتقلوا إلى مفهوم العدل، والذي يضع مسؤوليّة ذلك على عاتق البشر، بدل أن يكون ذلك على عاتق الله.

أمّا عند مفكّري المذهب السنّي التقليدي، فإننا نجد مثلاً أبو إسحاق الثَعْلَبي (ت. 1035) يقول في تفسير الآية 179 (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ): “إنّما قال ذلك لنفاذ علمه فيهم بأنّهم يصيرون إليها بكفرهم بربّهم”. ويضيف الماتُريدي (ت. 944):

“وأما قولهم إنه إخبار عمّا آل إليه عاقبة أمرهم واستشهادهم بقوله: “فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ…”، فهو يصلح لمن يجهل عواقب الأمور… فأما اللَّه – سبحانه عالم السر والعلانية وما كان ويكون في الأوقات التي تكون – لا يحتمل ذلك.. وأما التأويل عندنا على ما ذكر في ظاهر الآية أنه خلق لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لما علم في الأزل أنهم يختارون فعل الكفر والأعمال الخبيثة التي يستوجبون بها النار خلقهم لجهنم؛ لما علم منهم ذلك في الأزل أنهم يختارون الأعمال الخبيثة فذرأهم على ما علم منهم أنهم يختارون ويكون منهم..”.

النقطة الرئيسيّة في رأي الثعلبي والماتريدي هو أنّ علم الله أزلي ولا يحتمل قول أنّ الله لا يعلم بالأمور إلاّ بعد أن تحصل، وحتّى لو عنى ذلك أنّ الناس ليس لهم قدرة على عمل عكس ما عَلِمه الله. لكن ما نجده أيضاً في قولهما هو نوع من التهرّب من تحميل الله المسؤوليّة الكاملة عن أعمال البشر، لذلك نجدهما  يستخدمان عبارات مثل “يصيرون إليها بكفرهم بربّهم” و”يختارون فعل الكفر والأعمال الخبيثة التي يستوجبون بها النار”، وهذا نوع من الرقص بين التناقضات التي عجز الفكر السنّي الكلاسيكي عن حلّها.

في الخلاصة، النقاش حول القدر هو نقاش تُعرف نتيجته من الثوابت التي ينطلق منها المفكّر الديني والتي تحتّم عليه خلاصة معيّنة تلزمه، ولا يمكنه أن يتهرّب منها إلاّ بالتحايل اللفظي..

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  جهل وتجهيل، آلة ذكية.. نهاية أبوكالبتية!