“فورين أفيرز”: على بايدن رفع البطاقة الحمراء بوجه بن سلمان!

منى فرحمنى فرح26/10/2022
يرى مراقبون أميركيون أن قرار "أوبك +" الأخير بخفض إنتاج النفط قد حطّم الثقة الأميركية بالنظام السعودي، وهو محاولة "لحشر واشنطن في الزاوية، وإجبارها على قبول شروط شراكة لا تقدم الكثير لمصالحها"، وبالتالي لا بد من إعادة تقييم هذه العلاقة "الأحادية الجانب"، كما يقول ريتشارد بلومينثال وجيفري سوننفيلد في هذا التقرير في "فورين أفيرز" (*).

في الأسبوع الماضي، صوَّتت السعودية، إلى جانب روسيا والدول الأخرى المنتجة للنفط والمنضوية في منظمة “أوبك بلاس”، لصالح قرار خفض إنتاج النفط مليوني برميل يومياً. جاء ذلك فيما أسعار الطاقة والتضخم يشهدان إرتفاعاً غير مسبوق. ويبدو أن توقيت هكذا قرار لم يكن مُصَمَّماً فقط من أجل تغذية الحرب التي يقودها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، بل وأيضاً للإلتفاف على الإجراء المشاكس والعدواني الذي قام به الكونغرس الأميركي وإدارة الرئيس جو بايدن لمواجهة معدلات التضخم المرتفعة وخفض أسعار المحروقات.

ومع ذلك، كان لقرار خفض إنتاج النفط، الذي اتخذه أصدقاء واشنطن المفترضون في الرياض، جانب إيجابي أيضاً: كان مناسبة للتذكير بأن للولايات المتحدة ما يكفي من القوة والنفوذ لتصحيح علاقة لم تكن متوازنة في الأساس. فالرياض نكثت بوعودها لواشنطن مراراً وتكراراً، سواء عن طريق السماح بقتل المدنيين في اليمن بأسلحة أميركية، أو بتصفية الصحافي السعودي- الأميركي جمال خاشقجي، أو بارتكاب انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان. وقد حان الوقت للتوقف عن دعم ومساندة كل سلوك سيئ، وإعادة ضبط هذه العلاقة حتى لا تبقى “أحادية الجانب” كما هو حالها الآن.

في أعقاب قرار خفض إنتاج النفط، الذي يعرّض الاقتصاد العالمي للخطر؛ قدَّم السناتور الديموقراطي عن ولاية كونيتيكت، ريتشارد بلومنتال، اقتراح قانون يطالب بتجميد جميع مبيعات الأسلحة الأميركية إلى السعودية لمدة عام واحد. فإذا تراجع السعوديون عن قرارهم وأعادوا إنتاج النفط إلى المستويات الموعودة، تُعيد واشنطن النظر في إستئناف مبيعاتها من الأسلحة (الأقل حساسية) والأنشطة ذات الصلة، مثل دبابات “أبرامز M1A2” وصيانة الطائرات الحربية. في الأثناء، وحتى تتم إعادة تقييم العلاقة الأميركية-السعودية بالكامل، يجب تجميد عمليات نقل أنظمة الأسلحة الحساسة، مثل أنظمة الدفاع (THAAD) وأنظمة صواريخ باتريوت. أما إذا مضت الرياض في تعزيز تحالفها مع موسكو، فيجب على واشنطن وقف جميع مبيعات الأسلحة بشكل دائم. ولا ننسى أن حاجة السعودية لأسلحة أميركا أكثر من حاجة الأخيرة إلى النفط السعودي. وإذا استمرت الرياض في سياسة أخذ الكثير مقابل تقديم القليل، يجب على واشنطن أن تتعامل مع عواقب قبولها بمثل هذا الوضع.

ليس بـ”تحالف”

لا يمكن القول إن ما يجمع بين الولايات المتحدة والسعودية هو “تحالف”، لأن البلدين لم يوقعا معاهدة أو إتفاقية دفاع مشترك. ما كان يجري، وعلى مدى عقود مضت، أن واشنطن كانت تؤمن حماية أمنية كاملة للرياض في مقابل النفط. وحتى سبعينيات القرن الماضي ظلَّت حقول النفط السعودية تحت سيطرة الشركات الأميركية، مما ساهم في تمكين الحكومة السعودية وتحويل المملكة إلى واحدة من أغنى دول العالم.

إذا ما أرادت واشنطن إعادة تأكيد سيطرتها، فعليها أن توقف بيع أسلحتها للسعودية فوراً وقبل فوات الأوان

لطالما استفادت الرياض، لا بل استغلت هذه العلاقة التاريخية، وحققت مكتسبات أمنية تفوق احتياجاتها وكفاءتها. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أنه منذ العام 2017 باعت أميركا للسعودية صفقات من أكثر تقنيات الدفاع الوطني حساسية، وعلى نطاق تجاوز كل ما تم بيعه إلى الحلفاء الأكثر موثوقية (أستراليا وكندا وإسرائيل والمملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي). فبالإضافة إلى أنظمة صواريخ الدفاع الجوي “ثاد” (THAAD) و”باتريوت”، يمتلك السعوديون الآن طائرات هليكوبتر هجومية متطورة وطائرات ثابتة الجناحين، وأسلحة أميركية متطورة أخرى. وربما يكون لدى الرياض خطة لتصنيع أجزاء كبيرة من أنظمة الدفاع الحساسة هذه محلياً باستخدام التكنولوجيا الأميركية المنقولة، وهذا أمر مقلق للغاية.

إن قرار الرياض بالتراجع عن إلتزاماتها بزيادة إنتاجها النفطي فرصة لإعادة النظر في الصفقات المتهورة والخطيرة لبيع الأسلحة. وإذا ما أرادت واشنطن إعادة تأكيد سيطرتها، فعليها أن توقف عمليات نقل التقنيات العسكرية الحسَّاسة وأنظمة الأسلحة إلى السعودية فوراً وقبل فوات الأوان. وحتى لو تراجع السعوديون عن قرار خفض إنتاج النفط، يجب على واشنطن تجميد مبيعاتها من الأسلحة لحين الإنتهاء من إعادة تقييم العلاقة المشتركة. أما إذا مضى السعوديون في قرارهم، فيجب أن تتوقف جميع هذه المبيعات إلى أجل غير مسمى.

وقف مبيعات الأسلحة الأميركية سوف يُضعف الدفاعات السعودية، ويشل عمل أسطول القوات الجوية السعودية بأكمله في غضون أشهر، لأن أنظمة الأسلحة الأجنبية عموماً غير قابلة لمبادلتها مع الأنظمة الأميركية. “فالانتقال من الطائرات الأميركية والبريطانية، على سبيل المثال، إلى الطائرات الروسية أو الصينية سوف يستغرق عقوداً. والأمر نفسه ينطبق على الدبابات والاتصالات وغيرها من المعدات عالية التقنية”، كما يوضح خبير الأسلحة، بروس ريدل، في حديث لصحيفة “واشنطن بوست”. بمعنى آخر، سيكون من المستحيل على الرياض العثور على مصادر أسلحة جديدة بين عشية وضحاها.

إن وقف مبيعات الأسلحة الأميركية إلى السعودية بشكل مؤقت لن يصب في صالح الصين أو روسيا. فالرياض تشتري من واشنطن 79% من أسلحتها العادية، وحوالي 100% من أسلحتها المتقدمة عالية الجودة. ويتكون جزء كبير من نسبة الـ21% المتبقية من إجمالي مشترياتها العسكرية من أسلحة صغيرة منخفضة الجودة عفا عليها الزمن (قاذفات قنابل يدوية وبنادق وذخيرة) من الحقبة السوفيتية، فضلاً عن طلبيات متواضعة من الطائرات المسيَّرة الصينية. ببساطة، تبقى الأسلحة الأميركية هي الأكثر تقدماً في العالم، وتسبق بتطورها الأسلحة العتيقة التي تنشرها روسيا في ساحة المعركة في أوكرانيا.

يعتقد القادة السعوديون أن بإمكانهم حشر الولايات المتحدة في الزاوية للقبول وإجبارها على قبول شروطهم في شراكة لا تقدم الكثير للمصالح الأميركية

لا شك أن السعوديين يفضلون شراء الأحدث والأكثر تطوراً، ولديهم أسباب أخرى لتفضيل الأسلحة الأميركية. مثل أن روسيا والصين لديهما علاقات عسكرية وثيقة مع إيران، وبالتالي لا تستطيع السعودية شراء أسلحة أو طائرات حربية أو حتى عقد اتفاقيات دفاعية مع أي من البلدين، لأن ذلك سيشكل خطراً أمنياً محتملاً عليها. لهذا السبب، لم تشتر الرياض أبداً طائرات عسكرية من مورد غير غربي.

إقرأ على موقع 180  التقارب الأميركي التركي في الشَّمَال السوري: تحدِّيَاتُ، تهديدات.. وفُرَص

أضف إلى ذلك أن وجود المملكة القوية والمسؤولة يعزز المصالح الأميركية من خلال العمل كحصن إقليمي ضد إيران التي تركز بشكل متزايد على النووي. لكن على السعوديين أن يتصرفوا بمسؤولية لضمان كبح جماح إيران والحد من نفوذها في المنطقة. لذلك يجب فرض قيود صارمة تمنعهم من استخدام الأسلحة الأميركية بشكل سيء. إن قصف المدنيين في اليمن بأسلحة أميركية وبشكل عشوائي، مثلاً، عزَّز من موقف إيران في العراق ولبنان وسوريا وساعدها في كسب المزيد من الدعم الشعبي في هذه المناطق.

يمثل تأثير مبيعات الأسلحة الأميركية إلى المملكة جزءاً صغيراً من الإيرادات والوظائف المحلية التي تولدها صناعة الدفاع الأميركية، وهو جزء سيصبح أصغر من خلال تراكم الطلبات الطويلة على أنظمة الأسلحة الأميركية من دول أخرى في الخليج العربي وحول العالم، خصوصاً على أنظمة صواريخ “ثاد” و”باتريوت”.

أخيراً، فإن وقف مبيعات الأسلحة لن يدفع السعوديين إلى سحب إمدادات النفط الإضافية من السوق. فعلى الرغم من إدعاءاتها غير الصحيحة بعدم امتلاكها طاقة فائضة، فإن السعودية تضخ نفطاً أقل بنسبة 33% مما كانت تفعل قبل عامين فقط. وخفض الإنتاج أكثر من ذلك يعني المخاطرة بخسارة حصة منتجين آخرين في السوق، خاصة وأن مرافق التخزين في الرياض تفيض بالفعل، لأنها رفضت الإفراج عن أي احتياطيات استراتيجية هذا العام.

ثقة محطمة

في عهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حاولت السعودية إعادة تشكيل صورتها من دولة بترولية يطغى علها الإستبداد وتنتهك حقوق الإنسان، إلى واحة من الإستقرار والحداثة والقدرة على التنبؤ بالمستقبل. فقد صدرت قرارات تقضي بتخفيف القيود المفروضة على ملابس النساء، ومنحت المرأة حق قيادة السيارة. كما أطلقت مشروعاً ضخماً بقيمة 500 مليار دولار لبناء مدينة صحراوية “نيوم”، مزودة بشبكة من الطاقة المتجددة، ويحكمها نظام قانوني جديد.

لكن الجهود لإعادة رسم العلامة التجارية للسعودية تم تقويضها باستمرار، بسبب ممارسات النظام، بما في ذلك قمعه القاسي للمعارضة، والانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان في الداخل والخارج، واستمرار استخدام التعذيب وتطبيق عقوبة قطع الرأس بحق المعارضين. ففي تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان في العالم، صنَّفت منظمة “فريدوم هاوس” المملكة في أدنى مرتبة، ووضعها “المنتدى الاقتصادي العالمي” في المرتبة الأدنى بين البلدان عندما يتعلق الأمر بالمساواة بين الجنسين. حتى بعد أن انتزع الرئيس بايدن من محمد بن سلمان تعهدات جديدة باحترام حقوق الإنسان (خلال رحلته إلى المملكة في تموز/يوليو 2022) أصدرت محاكم سعودية العديد من الأحكام المشددة ضد معارضي النظام. يبدو أن السعوديين يأخذون تعهداتهم بتحسين سجلهم في مجال حقوق الإنسان بنفس الجدية التي يأخذون بها تعهداتهم بالحفاظ على استقرار النفط العالمي!

السعوديون استخدموا الأسلحة الأميركية بشكل غير مسؤول في اليمن.. فعزَّزوا موقف إيران في العراق ولبنان وسوريا

لقد أدَّى قرار الرياض الأخير، بالتعاون مع موسكو إلى تشويه صورتها أكثر. حتى قبل قرار “أوبك بلاس” الأخير، كانت السعودية تتقرب من بوتين، على الأقل في ما يتعلق بقضايا الطاقة. فمنظمة “أوبك +” نفسها هي نتاج تطوير التعاون السعودي-الروسي، وبموافقة شخصية من محمد بن سلمان وبوتين (على هامش قمة شنغهاي الاقتصادية في العام 2016)، كما أنها المرة الأولى التي تدخل فيها الرياض وموسكو في تعاون بشأن قضايا النفط. ومنذ ذلك الحين، عزَّز الزعيمان شراكتهما من خلال مكالمات هاتفية متكررة وتنسيق علني، وهو انتهاك صارخ تم تجاهله منذ فترة طويلة لتعهد “منتج للنفط موثوق به”.

يعتقد القادة السعوديون أن بإمكانهم حشر الولايات المتحدة في الزاوية، وإجبارها على قبول شروطهم في شراكة لا تقدم الكثير للمصالح الأميركية. هذه الغطرسة والافتراضات والخداع حطّمت الثقة التي وضعتها واشنطن ذات يوم في النظام السعودي. لذلك يجب وقف مبيعات الأسلحة، فهذا وحده سيكون بمثابة رسالة قوية إلى الرياض مفادها أن عليها العمل بجهد لإستعادة ثقة واشنطن. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تستمر في التسامح مع أوجه القصور هذه، فالتستر على التهور السعودي سيعرض مصالحها للخطر.

– النص بالإنكليزية على موقع “فورين أفيرز“.

(*) ريتشارد بلومينثال، عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية كونيتيكت. جيفري سوننفيلد، أستاذ في كلية ييل للإدارة.

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  سنة لبنان.. والخطأ السعودي الاستراتيجي