الآن الآن وليس غداً، اللحظة السياسية الملتبسة

يقيم الناس، عامة ومثقفين وباحثين، في الزمن، والزمن ماضِ يُتذكر وحاضر يُعاش ومستقبل يُرنى اليه، والحاضر هو المعطى الموجود، فالماضي تحفظه الذاكرة والمستقبل يرسمه الذهن، وكل من الذاكرة والذهن يهجس بالحاضر، لا بل يقوما على وقعه.

فالعامة، أفراداً وجماعات، تعشش في ذاكرتهم أحداث الماضي ويكون الفاعل منها ما يخدم حاضرهم، وتزخر في ذهنهم تخيلات للآتي، ويكون الفاعل فيها ما يخدم حاضرهم، أيضاً.

والباحثون في كل الحقول ومنهم المثقفون، أفراداً وهيئات، يرجعون الى الماضي لخدمة الحاضر وبناء المستقبل الأكثر نفعاً لهم، ولا ينجو التاريخ، وهو الحقل الأكثر إشتغالاً على الماضي، من ذلك، فموضوعاته وتدقيقاته تخدم حاضر من بحث ومن موّل البحث، ولا تنجو الفلسفة، الحقل الأكثر إشتغالا على المستقبل، من ذلك، فتصوراتها ومناهجها تخدم حاضر من تفلسف ومن موّل.

قد يبدو ما سبق قوله بحكم البداهة، وهو كذلك الى حد كبير، لكن ما ليس بديهياً هو ضعف حضور الحاضر في حقل السياسة، فاعلين ومفعول بهم ومحللين، فكيف ذلك؟

الفاعلون في السياسة فئتان: القيمون على السلطة (الحاكمون والطامحون للاقامة في السلطة) والمعارضون، وكلٌ يعمل لتحقيق مصالحه في اللحظة الراهنة، فكيف يتعاملون مع ذلك؟

يتناسى القيمون على السلطة اللحظة الراهنة في خطاباتهم، فيعودون الى الماضي يشحذون الهمم للدفاع عن تاريخ جماعاتهم/ طوائفهم/ مناطقهم/ احزابهم ويرنون الى المستقبل لرفع الحيف عن جماعاتهم، أما الحاضر فمغيب في الخطابات، وهو الحاضر الأكبر والأفعل في ممارساتهم.

وقد يكون هذا التناسي للحاضر مقصوداً، فمصلحتهم ومصلحة كل منهم أن لا يكشف الراهن المتردي، وهم شركاء فيه وبعض مسببيه، فيغطونه بالتذكير بماضٍ سلف، كانت جماعتهم مغلوبة أو منتصرة، وبمستقبل واعد يستعيد الإنتصار أو يزيل الغبن من جهة وبإثارة غير مأمونة النتائج، عمداً، لقضايا شكلية من جهة ثانية.

فئة غير المستفيدين من الوضع الراهن، عمالاً ومستخدمين وموظفين وصناعيين ومزارعين، لا يذكرون من الوضع الراهن سوى ترديه المباشر، غلاءً وفقدان أمن صحي وتعليمي، ويقبعون في الماضي تذكراً لأيام خلت ويحلمون بخلاص من كل المسؤولين عن الراهن، ولو بمعجزة توافق دولي أو عودة دعم خارجي أو على طريقة تدفق الغاز من حقل قانا!

ويتناسى الطامحون للإقامة (في السلطة/ المعارضة) اللحظة الراهنة في خطاباتهم، فيستعيدون ماضٍ انقضى ويعتبرونه افضل من الحاضر ويرنون الى مستقبل تتحقق فيه سيادة الدولة، كما حين نشأت في القرن 19، واصبحت مستحيلة في يومنا هذا أو الى دولة مدنية أو الغاء الطائقية، أما الحاضر فهو حاضر بحدود الشكوى من جهة وبحدود تطلب الأمثل والأفضل من جهة ثانية.

وقد يكون هذا التناسي مبرراً، فهذه القوى لم تبلغ قوتها مستوى الحضور الفاعل في حقل توازن القوى فتنشد الأرقى والأفضل لكسب جمهور يعاني ويحلم بجنة أرضية، وبذا تزداد قوته، وهو لا يملك من وسائل القوة سواه، فلا موقع إقتصادياً فاعلاً ولا طائفة يتكئ عليها ولا دولة، هكذا افترض، تدعم، وينسى أو يتناسى تجارب أسلافه أو نظرائه الذين رفعوا العلم نفسه أو ما يشابهه وحين تعذر التحقق أصيبوا وجمهورهم بالإحباط.

والمفعول بهم فئتان، أيضاً:

فئة المستفيدين من الوضع الراهن، وفي كل وضع مهما تردى يستفيدون، وهم على تفاوت طبقي بين كبار المستفيدين، تجاراً ومضاربين على الدولار والسلع الإستهلاكية، وصغار المستفيدين أو خُيّل لهم ذلك بوظيفة لم تعد تقي جوعاً ووساطة لم يعد من يُتوسط معه قائماً.

ويتناسى هؤلاء الوضع الراهن، وبخاصة الصغار منهم، بإستحضار أيام عزّ ولت ونشدان آتٍ يستعيد فيها الزعيم/ الحزب/ الحركة/ التيار قوته، ولا يرون من تردي الوضع الراهن سوى مسؤولية الآخر، دولة أجنبية أو قوة طائفية داخلية، عن هذا التردي.

أما فئة غير المستفيدين من الوضع الراهن، عمالاً ومستخدمين وموظفين وصناعيين ومزارعين، الذين يكتوون بوطأته، فلا يذكرون من الوضع الراهن سوى ترديه المباشر، غلاءً وفقدان أمن صحي وتعليمي، ويقبعون في الماضي تذكراً لأيام خلت ويحلمون بخلاص من كل المسؤولين عن الراهن، ولو بمعجزة توافق دولي أو عودة دعم خارجي أو على طريقة تدفق الغاز من حقل قانا!

وقد يكون تناسي الوضع الراهن مبرراً، فالفهم الشائع يعنى بالمحسوس والملموس وسائل اعلام القوى المتحكمة بالوضع والمستفيدة منه، وكل منها يحمل المسؤولية للآخر، فيقيم المتضررون في موقع الإنحياز لإحداها، وينحاز كل منهم لطائفته ورموزها ووسائل اعلامها، ولا تصل رسالة المعارضين الى كل المتضررين، لضعف في قواها، وإذا وصلت تُمنّي بالجنة (الغاء الطائفية والدولة المدنية) فيركن اليها بعض من تصله ويصطفّ، موضوعياً، بين المنظرين للجنة السماوية وعودة المسيح والمهدي.

واذا كان تناسي الوضع الراهن مبرراً للمستفيدين منه، فاعلين ومفعولاً بهم، فإنه غير مبرر للمتضررين، فاعلين ومفعولاً بهم، ففي السياسة، كما في كل الأمور، مواجهة اللحظة الراهنة هي القضية وهي المطلوبة، وكما في الحياة اليومية لأي فرد، تدبر أمر معيشته هو شغله وهمه الدائمين وخياره افضل المتاح، بغض النظر عن طائفته ودينه، فهكذا يفترض بالمعارضين، أياً كانت هويتهم الفكرية وأيا كان إنتماؤهم المذهبي، وأمر اليوم هو مواجهة تحلل الدولة، أولا والإنهيار الإقتصادي الإجتماعي ثانياً، بجبهة عريضة تتجاوز الهويات وتتواضع في المطالب وتشرك كل المتضررين، صناعيين وتجارا وعمالا وفلاحين، لا بل وطوائف.

إقرأ على موقع 180  ألم يحن الوقت لتعريب الحلول لأزماتنا وحروبنا؟

فالسياسة، وبخاصة العمل السياسي، هو فعل في اللحظة الراهنة، سواء أكان الفاعل زعيماً أو حزباً أو هيئة مدنية، وسواء أكان الحزب اشتراكياً او شيوعياً أو ليبرالياً او عروبياً أو اسلامياً أو مسيحياً، وعندما تخرج القوة السياسية عن فهم اللحظة الراهنة والفعل بها تصبح دعوة أو مذهباً، والفرق كبير بين الحزب وكل من الدعوة والمذهب، دون القطع بينهم. فالحزب فعل في اللحظة الراهنة والدعوة فعل مؤجل الى ما بعدها ومفتوح على المدى اللامتناهي والمذهب إنغلاق على لحظة ولّت.

ولا يعني القول باللحظة الراهنة حقلاً للعمل السياسي قطعاً مع الماضي ومع المستقبل وإنما وصلاً بالملّح والمكثف منهما، فالماضي موجود في البيئة المجتمعية، بشراً وعلاقات وانتاجاً، والمستقبل موجود في الهدف.

واللحظة الراهنة في العمل السياسي هي البرنامج الذي يواجه مقتضياتها، وهو في اللحظة الراهنة مواجهة انحلال الدولة والإنهيار الاقصادي الاجتماعي بوسائل وأساليب مماشية لها.

Print Friendly, PDF & Email
فارس اشتي

أستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  تجنيس لبنان.. وتدليس أنبياء الطوائف