قتل “الأب الرمزي”.. وأزمة الهوية

تماشيًا مع أُسطورة قتل "الأب الرمزي"، التي قالها عالم النفس "سيغموند فرويد" في كتابه "الطوطم والمحرَّم"، تلك الأسطورة الافتراضيّة في أساس ونشأة المجتمع البشري، والتي لم تزل البشرية تحمل مأساة تلك الأسطورة المغروسة بشكلها الخفيّ، وقد توارثتها الأجيال على المستوى النفسي - الجمعي - اللاواعي.

الطوطمية هي نظام تقسيم عشائري للشعوب الأسترالية القديمة، وكان لكل عشيرة طوطم يفرض سلطته، ويستحوذ على المقدرات والنساء، بينما يُحرّم على أي من أبناء القبيلة التمتع بتلك الامتيازات. ولهذه الأسباب ثار أبناء القبيلة واتفقوا على قتله، وعلى هذا المنوال كانت عمليات القتل.

وبالرغم من أنّ أسطورة “قتل الأب الرمزي” أسطورة افتراضيّة، إلا أنها حاضرة في يومياتنا، أي قبل عصر الحداثة والتطور التكنولوجي وبعده، حتى بات ينطبق على جيل الشباب رواية مضافة “قتل الأبناء”، وهي على النقيض من مقولة “قتل الأب”، وذلك من أجل مصالح لا حصر لها (سياسية وسلطوية واقتصادية..)، وتقع حيثياتها بشكل كبير على مجتمعنا ونخص في هذه المقالة من هم في مرحلة الشباب الأولى.

والجدير بالذكر إن تشكّل الهوية الشخصية للفرد لا تتوقف على مرحلتي الطفولة والمراهقة، إنما هي قابلة للتّشكل والهدم ثم التشكّل والتعديل من جديد، وذلك بحسب الظروف والتحولات التي تحيط بالفرد، ومنها تلك التحولات الاقتصادية والإجتماعية والسياسية عامة.

 وبطبيعة الحال يصاحب مرحلة الشباب الأولى نضج عقلي واجتماعي ونفسي وجسماني؛ إذ يواجه فيها الشاب صراعًا بين الحاجات والرغبات غير المشبعة من جهة، والمحرمات المتأتية من السلطة المجتمعية الواقعة عليه، المتمثلة بقوانين الممنوع والمسموح من جهة أخرى.

ولتأكيد فردانيته وآرائه ولا سيما توقه للتحرر من مكابح السلطة، ما على الشاب في الحالات الطبيعية، سوى إطلاق العنان للآليات الدفاعية لحفظ أناه، وأهمها آلية التماهي بـ”الرموز المحيطة”، كون هذه المرحلة هي مرحلة مُكمّلة لسابقاتها من تبنٍ وتحقيق للهوية الذاتية؛ فيستدخل أجزاءً يتأثر بها؛ ليجعل أناه جزءاً من كلِّ يحيط به في صورة مفاهيمية وظيفية شاملة تتشكل في وحدة نمطية من التفاعل بينه وبين المحيط، ويكون إما أمام نموذج الموضوع المحبوب، أو نموذج الموضوع غير المحبب مثل “السلطة ورموزها”. ويستمر في حالة صراعية مع هذه المرجعيات “التقليدية” عامة إلى حين تشكّل هويته الخاصة به.

يكفي أن يشهد تحطيم صور ورموز “أبوية” يفترض أن تشكل مظلة حماية، كالتصويب مثلًا على رؤساء ومرجعيات ومتبوئي مراكز السلطة. يكفي أن يُعايش سلطة أضاعت حقوق والديه، وحرمته وإخوته من كل ما ادخرت العائلة من ودائع مُحتجزة أو مُبددة في المصارف

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ إختيار الهوية الذاتية هو اختيار معقد تحكمه محددات وراثية وبيئية وجينيّة ودينية وخصائص بيولوجيّة وتربويّة، وبعض الطقوس والمعتقدات “المشوَّهة” أحيانًا التّي يمتثل إليها الشاب وتعود لتتملكه وتتحكم في مدركاته وأحكامه وسلوكه في ما بعد.

وتتشكل خلال مرحلة الشباب الميول والإستعدادات العلمية والبنائية، يجاورها صراعٌ تقليدي للإستحواذ على المكانة والدور وأخذ المبادرة.

بالإضافة إلى ما سبق، يواجه الشباب اللبناني المحاصر اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا اليوم صورًا بأبعاد مشوشة، وعدم قدرة على ضبط واستساغة تلك الصور أو تبني النموذج الأصح.

عمليًا، لقد أصبح الشاب أمام جداريات ممزقة لنماذج أبوية من حوله؛ إذ يعايش غياب العدل والمساواة، وفرص التحلق خارج السرب، نماذج سلطوية بـ”الوراثة السياسية” لا تصلح أن تكون المحتذى بها. يكفي أن يشهد تحطيم صور ورموز “أبوية” يفترض أن تشكل مظلة حماية، كالتصويب مثلًا على رؤساء ومرجعيات ومتبوئي مراكز السلطة. يكفي أن يُعايش سلطة أضاعت حقوق والديه، وحرمته وإخوته من كل ما ادخرت العائلة من ودائع مُحتجزة أو مُبددة في المصارف. سلطة كان ينبغي لها أن تُشكل الضمانة وخيمة الأمان وتنسجم مع ما حفظه في الكتب المدرسية عن التربية والمواطنة ومفهوم الدولة والمؤسسات وغيرها من مفردات ومفاهيم تتنافى كليًّا مع الواقع المَعيوش.

ومع تراجع الثقة بالهوية الوطنيّة نتيجة الأزمات السياسيّة المتلاحقة، ومع دخولنا في دوامة اقتصادية ـ اجتماعية غير مسبوقة في تاريخ لبنان، لعل أبرز مظاهرها تنامي الهجرة بمعدلات قياسية، تزداد الأمور تعقيدًا، وما على اللبناني المحاصر اجتماعيًّا واقتصاديًّا إلا الولوج إلى العالم الآخر- اللاواقعي؛ ألا وهو مواقع التواصل “اللاجتماعي” كأحد أبرز الحلول التعويضيّة لحالة القهر والإذلال، فيختار الاحتماء بالمتاريس التخيلّية الإلكترونية، (التي بدورها قد تعود لقتله من جديد)؛ متماهيًا مع المحتويات والنماذج العابرة والمرمّزة؛ ما يدفعه بالضرورة إلى تبني “هوية ذاتية رقمية” عابرة للقارات، ليس بالضرورة أن تكون سلبية بالكامل لكنها تكون في أحيان كثيرة عبثية وغير واقعية.

إذًا نحن أمام يوميات من مشهديات القتل الرمزي للصور الأبوية، والمصيبة الأكبر تقع على من هم في مرحلة الشباب كونها مرحلة تهيئة لهذا “الإرث الأبوي”.

خلاصة القول، لا تعير السلطة “الطوباوية” كيف يُمكن أن يؤثر قتل “الأب الرمزي” موضوع التماهي على الشباب في لبنان وعلى تشويه هويتهم المستقبليّة وقتلهم من جديد؛ وبينما يمضي أهل السلطة في حروبهم العبثية؛ حروب تقاسم الحصص وتناتش الصلاحيات؛ هناك مئات الالآف من الفتية تُدمَّر هويتهم أو تنحرف.. والأسوأ عندما يجدون من يدفعهم من أهلهم دفعًا لترك بلدهم وعدم التفكير بالعودة إليه!

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  رفيق وسام.. أحسبها مزحة منك  
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  إلى نواب لبنان: حاسبوا قبل سن تشريعات جديدة