“نيڤالياشكا روسيا”.. نير التتار وارتدادية الهوية (2)

بعد استقرار وضع روس الكييڤية، ككيان دولة ذات موقع على الخريطة، لها مصالح وتضاربات مع بقع أخرى على أطلس العالم، كما عرضت في الجزء الأول؛ ما لبث التاريخ أن استدعى الأزمات لتمتحن تماسك هوية هذا الكيان وقدرته على البقاء وإعادة التشكل إن لزم الأمر، وقد لزم. والتركيز هنا على فترة الاحتلال المغولي لروسيا، أو كما أسماه الروس، نير التتار.

بدأ احتلال المغول لروس الكييڤية في العقد الثاني من القرن الثالث عشر. فكانت معركة نهر كالكا، تلاها بعقد ونصف الغزو الشامل على يد باتو خان، القائد المغولي ومؤسس الأورطة الذهبية، تحولت بعدها ولمدة فاقت القرنين، كل إمارات الروس، إلى مناطق خاضعة للحكم المغولي (أو كما أسماهم الروس، التتار Tartars). إنهار بعدها كيان روس الكييڤية، وقسّم السلاڤيين بين ثلاث دول تسمى حالياً، أوكرانيا، بيلاروسيا، وروسيا.

حضرت روح نيڤالياشكا، فبرزت الهوية الروسية، في طور جديد يسمى، دوقية موسكو العظمى، التي استمرت في صراع مرير مع نير الاحتلال المغولي، لاستعادة انتصاب الهامة والاستقلال. بعد قرنين من الضرائب، الإتاوات، التعذيب، التجنيد الإجباري والاستعباد، كان فيه أكثر الروس احتراماً، حتى رجال الدين الأرثوذوكس، يعاملون في بعض الأحيان، وكأنهم أدوات شفاء وأصحاب تماتم سحرية، يستخدمون في شفاء أفراد الأسرة الحاكمة. وتحول فيها أمراء المقاطعات التابعة للكيان الروسي الكييڤي، إلى مجرد مدراء أقاليم بلا حول ولا قوة، يجمعون الضرائب ويقدمونها مع فروض الولاء لحكامهم المغول في السراي على نهر الفولجا، أو السراي الجديد على نهر أختوبا، وإلا فالويل والثبور. فصك تولي هؤلاء الأمراء المحليين مهمة القيادة الصورية لمقاطعاتهم، لم يكن يصدر إلا عن الحاكم الحقيقي، المغول.

انظروا كيف أنه عبر عشرات العقود من تشابك هذه الخطوط، استمرت هذه النيڤالياشكا الروسية، التي قد تلطم، تهان، تحتل، تلطخ، تستعبد، تنهب، تمرض، تنقسم على نفسها وتترنح. لكنها في نهاية الأمر، تستعيد توازنها في الوضع المنتصب

مقاومة الكيان الروسي الجديد، نجحت في إنهاء حكم المغول عام 1480، لكن الصراع استمر بعدها لما يقارب 100 عام. وقد عومل الروس بأعراقهم التي تعددت وتمازجت مع مرور السنين، معاملة العبيد والخدم، حيث كانوا يؤدون أسوأ المهام والوظائف، على رأسها، أعمال المجاري اليدوية. كما تفشت حملات اصطياد العبيد السلاڤ Slavs، برعاية الإمبراطورية العثمانية.

بقي في المغول نبع هويتهم الرحالة، واستمرت روح هوية الروس التي شابهت في بداياتها قصة المغول، ولكنهم اختاروا صنع دولة تستقر وتعيش طويلاً، بينما لم يتخل المغول عن عشقهم للحقول البرية وحياة التنقل وحملات الإغارة. ومع مرور الوقت، تغلبت روح نيڤالياشكا الساعية للإستقرار لكن ليس بأي ثمن، على روح البادية المغولية التي لا تستريح إلا بالتنقل، ولا تنتظم صفوفها إلا بالعسكرة، حتى بعد الاحتلال والاستقرار المؤقت. 

ليس من البشر من هم شر مطلق، أو ملائكة بجناحين، فقد أسس المغول مراكز وطرقا تجارية مزدهرة، اعتنقوا ديناً سماوياً، وزرعوا الأراضي الخصبة، واستفادوا من موارد هذه الأرض الغنية، ولكن من تظنه استفاد من هذه الثروات وإلى أين ذهبت؟ لا يحتاج الجواب للتفكير، والإجابة بالطبع لن تكون الروس.

وبرغم مرور ما يزيد على مائتي سنة، انتصبت هامة موسكو مرة أخرى، إلا أن التغيرات المناخية أضعفت خصوبة الأراضي وقللت من مساحات رعي المواشي ورفعت نسبة ملوحة التربة، نتيجة للارتفاع المضطرد لمنسوب بحر قزوين، فكان أن دُمّرت تربة الأراضي الزراعية المحيطة به، ما دفع المستقرين بها إلى هجرها نحو المراكز الحضرية المستطيلة التي نشرها المغول بالمئات في هذه المناطق.

وبعد موت أوزبك خان، تفشى الطاعون الأسود Black Death في مناطق عديدة بالعالم، منها مناطق روسية تحت حكم المغول في منتصف القرن الرابع عشر.

ومع نشوب الخلافات والتنافس بين أمراء المغول، تجرأت ليتوانيا على السيطرة على الجانب الغربي من سلطنة المغول، وتجرأ أمراء الأراضي الروسية على حكامهم التتار. وبرغم فشل تمرد الدوق ديمتري دونسكوي، أمير موسكو في صراعه مع المحتل المغولي، إلا أن كفاحه ضد الحاكم المغولي ماماي، وحتى فشله أمام القائد الذي تلاه المسمى توقتمش خان، رسّخ مركزية موسكو، كمنبت لروح المقاومة لاستعادة الانتصاب الروسي ثانية. وفي نهاية الأمر، كان الأمير ديمتري، أول من ورّث الحكم لإبنه الأمير ڤاسيلي الأول، بلا صك سماح أو حتى استشارة الحاكم المغولي. ولم تكن موسكو وحدها، فجمهورية نوڤوجرود، دوقية ليتوانيا، ومدينة تڤير، وغيرهم، مثلوا مراكز متعددة للتخلص من نير حكم التتار.

وحينما اصطدم وتحارب توقتمش مع تيمورلنك فيما بينهم، قضت الأورطة الذهبية نحبها على أيدي مغول تيمورلنك الذي دانت له السيطرة على كل مدن توقتمش الروسية الهوية. ثم بعد وفاته، دانت السيطرة للقائد التتري المسلم إدغاي مانجيت من الأورطة المغولية البيضاء، الذي لم يحصل على لقب خان، لعدم انتمائه لسلالة جنكيز خان.

وبعد سيطرة إدغاي غلى مساحات واسعة بين نهر الأورال ونهر الڤولجا، الواقعة اليوم بين غرب روسيا وكازاخستان، انتهى الحال بإدغاي الذي عمل على نشر الإسلام بين البدويين المغول، بالقتل على يد أحد أبناء قائده السابق الذي كان قد انقلب عليه، توقتمش. وانتهى الحال بسلالة إدغاي التي حكمت بعض المناطق الروسية تحت اسم أورطة توغاي، باعتناق المسيحية الأرثوذكسية والاستقرار في مدينة موسكو.

مثل إدغاي آخر نموذج لخان مغولي، حكم سلطنة متسقة ومتواصلة. طيلة هذه التقلبات والصراعات بين الإلخانات المغول، استمر خضوع الروس لحكمهم في مناطق مختلفة تحكمها أورطات (قبائل) مغولية متصارعة، وطال انتظار لحظة استعادة انتصاب الهامة، التي ربما تسبب في تعطيلها تنافس وتصارع مراكز المدن الروسية مع بعضها البعض في ما سمي بالحروب الأهلية.

حتى برز اسم إيڤان الثالث، دوق موسكو الذي حافظ لفترة معتبرة على علاقات دبلوماسية مع مختلف الإلخانات المغول بصراعاتهم التي لا تنتهي، حتى امتنع نهائياً عن دفع الضرائب للحاكم المغولي أحمد خان، الذي سكب الكثير من الحبر على رسائل بعثها لإيڤان الثالث، يأمره فيها باستئناف دفع الضرائب والإتاوات، طالباً من الدوق إيڤان القدوم إليه شخصياً بالسراي لإعلان تجديد فروض الولاء والخضوع والطاعة.

كان أمير بولندا كاسيمير الرابع حليفاً وثيقاً لأحمد خان، الذي قرر في نهاية الأمر تأديب موسكو بمساعدة حليفه البولندي، في حملة عسكرية معروفة باسم “المواجهة العظيمة على نهر أوجرا”. تخلى فيها الحليف البولندي عن أحمد خان. وقعت بعض المناوشات بالأسهم والمقذوفات على ضفتي النهر بين الروس والمغول، ومع انتهاء الصيف وحلول الخريف، زادت خشية إيڤان من تجمد النهر، الذي قد يعطي أحمد خان فرصة للعبور السهل. لكن أحمد خان انسحب بعد فترة من الترقب والمعاناة ومحاولة الثبات، وانسحب إيڤان على الجانب الآخر أيضاً في مشهد تاريخي غرائبي، اختلف في تفسيره المؤرخون. لكنهم لم يختلفوا على أن هذه المواجهة العسكرية/النفسية كانت نهاية الوجود المغولي المستقر في المناطق الروسية، وبعد مباراة تحديق بين الطرفين على جانبي نهر أوجرا، أطفأت نيفالياشكا موسكو نير التتار.

تحالفت دوقية موسكو بعدها مع أمراء مغول القرم، المتنافسين مع شيخ أحمد خان (ابن أحمد خان) الذي كان في حلف مع دوقية ليتوانيا، وياللفارق بين موسكو وليتوانيا، حيث أن شيخ أحمد خان بعد هزيمته أمام مغول القرم، حاول التحالف مع دوقية موسكو، وطلب اللجوء من الامبراطورية العثمانية، لكن الأمر انتهى به في النهاية إلى اللجوء إلى حليفته، دوقية ليتوانيا. ففاجأته ليتوانيا بأن سجنته لما يزيد عن 20 عاماً، بهدف استخدامه كأداة تهديد لأعدائها من مغول القرم وحلفائهم الموسكوڤيين. وكأنها حرفياً تقول “إن لم تلتزموا الأدب مع، ليتوانيا، سنطلق عليكم شيخ أحمد من سجنه ليحاربكم ثانية”!

مع انتهاء الصيف وحلول الخريف، زادت خشية إيڤان من تجمد النهر، الذي قد يعطي أحمد خان فرصة للعبور السهل. لكن أحمد خان انسحب بعد فترة من الترقب والمعاناة ومحاولة الثبات، وانسحب إيڤان على الجانب الآخر أيضاً في مشهد تاريخي غرائبي، اختلف في تفسيره المؤرخون

وبعد فترة، سقط التحالف الروسي مع خانات القرم، ودار الصراع بينهم، وسقط فيه خاناتهم أمام قوات إيڤان الرابع (إيفان الرهيب).

استمرت المناوشات بين الروس وخانات القرم حتى سبعينيات القرن السادس عشر، حين نجح الخان دولت كراي، في تخطي الدفاعات الروسية، والسيطرة على أجزاء من موسكو، بالتعاون مع حلفائه في هذه المرحلة من الأتراك العثمانيين والانكشاريين. يعرف هذا الحدث تاريخياً باسم “حريق موسكو”.

لكن، لم يفت أكثر من عام، حتى نجحت القوات الروسية ثانية تحت قيادة إيڤان الرهيب، في هزيمة التتار، الأتراك والانكشاريين في معركة بالأسلحة، والتحركات، والحصارات المتبادلة والبروباجندا، انسحب في نهايتها دولت كراي بعد أن منيت قواته بخسائر فادحة في مواجهة عرفت باسم “معركة مولودي”، من معارك الحرب الروسية-القرمية.

حرباً بعد حرب، أنهكت القوات المغولية المتشرذمة في خانات متصارعة، فدانت السيطرة عليها لدوقية موسكو التي استمرت في التوسع جنوباً، غرباً وشرقاًً حتى سيبيريا. لتستقر قاعدة نيفالياشكا على مساحة تراوح رقعة الاتحاد الروسي المعاصر.

الهدف من هذا السرد التاريخي ليس تمجيد روسيا ولا إهانة آخرين. هو فقط جهد متواضع بعرض نماذج ولقطات تاريخية سريعة، توضح كيف ترسم الهويات، وكيف يكتب البشر تواريخهم وخطوطهم الدرامية. انظروا كيف أنه عبر عشرات العقود من تشابك هذه الخطوط، استمرت هذه النيڤالياشكا الروسية، التي قد تلطم، تهان، تحتل، تلطخ، تستعبد، تنهب، تمرض، تنقسم على نفسها وتترنح. لكنها في نهاية الأمر، تستعيد توازنها في الوضع المنتصب. 

(*) الجزء الأول: “نيڤالياشكا روسيا”.. منبع الهوية ونشأة الدولة  

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  السويد تنتقم من بطرس الأكبر.. وفنلندا من ستالين
تامر منصور

مصمم وكاتب مصري

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ماذا عن سيناريوهات وإحتمالات ما بعد الحرب الروسية ـ الأوكرانية؟