آليات السوق تتجاوز صوت “البوق”.. هوكستين!
عموس هوكستين وجو بايدن

نقلت وكالة "رويترز" في 11 كانون الأول/ديسمبر 2022، تصريحاً أطلقه عاموس هوكستين، المستشار الأول في مجال الطاقة للبيت الأبيض، حين عبّر عن غضبه من رفض المستثمرين في مجال النفط الصخري (Shale oil)، أن يقوموا برفع معدلات الحفر لاستخراج الزيت، واصفاً توجههم بأنه موقف "غير أميركي"!

كانت “رويترز” قد نقلت هذا الوصف على لسان هوكستين، في سياق لقاء أجراه مع جريدة فايننشال تايمز (Financial Times) البريطانية، قال فيه: “أعتقد أن فكرة أن يطلب الممولون من الشركات في الولايات المتحدة بألا يزيدوا الإنتاج، وبأن يعيدوا شراء أسهمهم ويزيدوا حصص الأرباح، في وقت تبلغ فيه الأرباح أعلى مستوياتها على الإطلاق، هو أمر شائن”. وأضاف: “هذا الأمر ليس فقط غير- أميركي، بل هو غير عادل للجمهور (المستهلك) الأميركي”.

دائماً ما يفكر واحدنا، ممن ينطبق عليهم مسمى الشخص العادي غير المتخصص Layman، في أي مجال وليس فقط في مجال الطاقة، بطريقة ثنائية الأبعاد على أقصى تقدير. ولنا عذر عدم التخصص من ناحية، ومن ناحية أخرى عذرنا هو آليات السوق الليبرالي التي “يزنّون” على رؤوسنا بثنائياتها على مر العقود. السوق والحكومة، الحكومة والمواطن، المنتج والمستهلك، القطاع الخاص والقطاع العام، وعلى رأسها جميعاً: “العرض والطلب”. أليست هذه روح آليات السوق؟

حقيقة الأمور أكثر تعقيداً، ولا تنطبق عليها هذه الثُنائيات التبسيطية، ليس فقط في مجال الطاقة، بل حرفياً في كل شيء. دعونا نأخذ هذا النموذج الخاص بتصريح هوكستين، الذي لا يمكن لواحدنا تصديق أنه متفاجىء بأي حال، من حرص شركات الطاقة التي تعمل في مجال استخراج النفط الصخري على رفع أسعار أسهمها، لتحقيق حصص أرباح مغرية لحملة الأسهم، أرباح صافية لميزانية الشركة، وعلاوات للمدراء.

فهذا الرجل الإسرائيلي-الأميركي، يمكننا وصفه، إن شئنا، بما “قذع وشان” من ألفاظ وصفات. لكن لن تكون إحدى هذه الأوصاف هي السذاجة بأي حال. فلم هذا التصريح إذن؟

توقعات تولد قرارات

يتضح الغرض من وراء هذا السؤال “البريء”، حين نبدأ بربط الأخبار والأحداث، بعضها ببعض. فبادىء ذي بدء، هوكستين لم يقرر من عنده، أن المصلحة الأميركية في مجال الطاقة الآن، تقتضي بالضرورة الملحة، زيادة نسبة الحفر والاستخراج لخام النفط الصخري. إن هو إلا توجه تدفع باتجاهه الإدارة الأميركية الحالية. فقد أظهر تقرير لشبكة “سي إن إن” CNN الأميركية، بتاريخ 22 كانون الأول/ديسمبر 2022، أن ثمة توقعات بهبوب نوبة عواصف ثلجية شتوية لا تحدث إلا “مرة كل جيل”، قد تؤثر على جميع الولايات الأميركية بلا استثناء، وتعرقل التسوق، والسفر والسياحة في موسم “الكريسماس”.. والأهم تلك التوقعات بأن تهدد هذه العواصف الحياة اليومية للأميركيين في 37 ولاية مختلفة، يصل مداها حتى حدود ولاية تكساس مع الجارة الجنوبية المكسيك.

كان من الطبيعي أن يرتفع سعر برميل النفط نتيجة الطلب المتزايد من جانب الحكومة الأميركية لشراء ما يعيد الاحتياطات إلى حدودها الآمنة. أضف إلى ذلك توقعات الطقس الشتوي العاصف، وكذلك الانخفاض النسبي لسعر الدولار

هذا الطقس الذي لم تجابهه أميركا منذ 40 عاماً كما ذكر التقرير، ناهيك عن تسببه في انقطاع خطوط التيار الكهربائي. فمن البديهي أنه سيوجب استهلاكاً أكبر لمصادر الطاقة بهدف التدفئة. فحتى لو أجبر السكان على التزام بيوتهم، وبالتالي قلَّ استهلاكهم لوقود السيارات، فكيف نتجاهل أن بقاءهم بالمنزل في حد ذاته، سيعني بالضرورة، زيادة استخدام الأجهزة المنزلية التي تعتمد على الكهرباء، إلى جانب زيادة درجات التدفئة في أنظمة التكييف المنزلية لمعادلة انخفاض درجات الحرارة بالخارج، التي من المتوقع أن تنخفض إلى أقل من 30-45 درجة سيلزية تحت الصفر في بعض المناطق. كما أنهم سيضطرون على أي حال للذهاب إلى أشغالهم، مستخدمين سياراتهم الخاصة أو وسائل النقل العامة إن توفرت ظروف الخروج من المنزل، ناهيك عن حلول موسم احتفالات “الكريسماس” التي ستزيد من استهلاك الكهرباء، لزيادة وحدات الإضاءة المستخدمة في الزينة الموسمية ولزوم حفلات البيوت والمطاعم إلخ..

المطلوب إعادة الاحتياطات إلى حدودها الآمنة

على جانب آخر، كان إعلان “إدارة معلومات الطاقة الأميركية EIA”، عن ارتفاع في معدلات السحب من إحتياطات الطاقة بشكل “أعلى من المتوقع”، سبباً آخر لإثارة القلق، ليس فقط عند هوكستين، فهو مجرد “بوق” لمصالح وتوجهات. وهذا الأمر ليس بخافٍ علينا، فالرجل كان في السنوات الأخيرة، ضيفاً ثقيل الظل والحِّل علينا، خاصة كلبنانيين ومصريين، بل وعلى القبارصة واليونانيين بدرجات متفاوتة.

لقد أظهر تقرير EIA، معدل السحب من الاحتياطات الأميركية للنفط الخام Crude oil، عند 5.9 مليون برميل، في الأسبوع الذي انتهى عند تاريخ 16 كانون الأول/ديسمبر/ 2022. ليعلن التقرير أن المتبقي (418.2 مليون برميل)، يظل عند معدل أقل بنسبة 7%، من متوسط الاحتياطات التي توفرت في الوقت نفسه من العام، خلال الخمس سنوات الأخيرة. هذه النسبة الخاصة بالنفط الخام، صاحبتها نسب أخرى ليست بذات السوء لمنتجات طاقة أخرى أقل أهمية كالجازولين والبروبيلين.

كان من الطبيعي أن يرتفع سعر برميل النفط نتيجة الطلب المتزايد من جانب الحكومة الأميركية لشراء ما يعيد الاحتياطات إلى حدودها الآمنة. أضف إلى ذلك توقعات الطقس الشتوي العاصف، وكذلك الانخفاض النسبي لسعر الدولار مؤخراً، وهو الأمر الذي يدفع بالطبع الأسواق العالمية للاندفاع لشراء براميل النفط بالعملات الأخرى، حين ينخفض سعر الدولار الأميركي، فتصبح الأمور مؤاتية.

السوق ذي الآليات

هذه الأسباب، هي بعض ما دفع الحكومة الأميركية، للتعبير عن حنقها لعدم استعداد شركات الطاقة الأميركية، الاستجابة لطلباتها بخصوص زيادة الاستثمار في عمليات الحفر والاستخراج. وهو ما عبرت عنه الإدارة الأميركية عبر “بوقها” هوكستين.

إقرأ على موقع 180  من تواطأ مع "الغوغاء" لإقتحام الكابيتول وما هي النتائج؟

ورسالة هوكستين للشركات كانت واضحة، حين قال عبر صحيفة “فايننشال تايمز”:

“إن أردتم دفع حصص الأرباح، فادفعوا. إن أردتم أن تدفعوا لحملة الأسهم، فادفعوا. إن أردتم الحصول على مكافآت، افعلوا ذلك أيضاً. يمكنكم فعل كل ذلك تزامناً مع الاستثمار بشكل أكبر. نحن نطالبكم بزيادة الإنتاج واستغلال اللحظة المواتية”.

كان هذا الرد الذي تفتقت عنه قريحته، في مواجهة تمنّع شركات الطاقة عن الاستمرار في الاستثمار في الحفر والإنتاج. ولِمَ يندفعوا في الاتجاه الهوكستيني وسط هذه الظروف؟، إذا كانت أسهم شركاتهم في أعلى سعر لها منذ عقود، وحصص أرباح حمَلتها مغرية، ومكافآت مديريها تستمر بالتحول لحساباتهم البنكية؟

على رأس الشركات التي خصها البوق هوكستين باللوم والتقريع، تجيء شركة إكسون موبيل Exxon Mobil. التي كانت قد أعلنت في الأسبوع ذاته عن اعتزامها تنفيذ “خطة إعادة شراء Buyback Scheme” لأسهمها، بالإضافة إلى زيادة الرواتب الأساسية – ناهيك عن المكافآت والبدلات والمميزات الأخرى – لمدراء الشركة وقمم أقسامها التنفيذية.

ما يعني ببساطة، أن الأموال التي يريد هوكستين لـ “إكسون موبيل” وأخواتها أن تقوم بإعادة استثمارها في عمليات الحفر والإنتاج، تفضل هي ومثيلاتها أن تذهب في صورة سيولة لجيوب حملة أسهمها، ومديريها وحملات إعادة الشراء لذات أسهمها. وهو مبلغ قُدر مجموعه بحوالي 30 مليار دولار!

لم تضف “إكسون موبيل” دولاراً واحداً منهم، لمعدل الاستثمار في نشاطها الإنتاجي، الذي حددته مسبقاً ما بين 20-25 مليار دولار، مقررة الحفاظ على المعدل ذاته حتى عام 2027. جدير بالذكر أن “إكسون موبيل”، هي أكبر شركات الطاقة الأميركية تحقيقاً للأرباح في الربعين الثاني والثالث لعام 2022، وقد ارتفع سعر سهمها هذا العام باضطراد، بنسب مجموعها 65%.

هذه الأرباح التي تحتفظ بها شركات الطاقة، وتتمنّع عن إعادة استثمارها في عملية الإنتاج، حتى حين تضغط عليها الحكومة الأميركية في هذا الاتجاه، وتزعق في وجها عبر “بوقها”، ربما هي التي دفعت الرئيس جو بايدن لأن يتهم قطاع الطاقة بـ”الإكتساب من الحرب”. مختصاً “إكسون موبيل” بأنها تحقق “أموالاً أكثر مما يحققها الإله”، على حد قوله!

من وجهة أخرى، توقع الخبير الأميركي دانييل يرجين، نائب رئيس شركة إس آند بي جلوبال S&P Global، أن يصل سعر برميل النفط خلال عام 2023، إلى 121 دولاراً. خصيصاً مع منظور يتوقع إزدياد الطلب النابع من السوق الصيني، إذا ما تقدمت الدولة الصينية باتجاه إنهاء الجحر الصحي الخاص بجائحة كورونا، حال عدم ازدياد حالات الإصابات المتجددة بالفيروس لمستويات تدعو للحجر ثانيةً.

فماذا يستطيع البوق هوكستين فعله، في آليات مثل هكذا سوق؟

هل يعتقد هو، ومن وراءه الإدارة الأميركية، أن “سقف سعر”، أو “تفجير أنبوب غاز” و”عقوبات” على صادرات روسيا للطاقة، ستفعل الأفاعيل لتقلب آليات سوق “تعشش” في كل أرجاء الكوكب، حتى وإن اختفت روسيا بكليتها من الوجود؟

هل يظن البوق، أنه يمكنه أن يجبر شركات الطاقة الأميركية على التوقف عن تسريب الأرباح الطائلة التي حققتها، إلى خزائن مستثمريهم، ملاك أسهمهم ومدراءهم، لتوجهها إلى حيث تشير لهم الإدارة السياسية؟

كيف تتلاشى فجأة ثُنائية العرض والطلب؟ وأين “حرية السوق” في ذلك أدون هوكستين؟

هل تظن أن عملية استبدال الغاز الروسي، بمتفرقات حقولية هنا وهناك، ستمنع الصين عن الاتفاق مع روسيا، لشراء غازها بأسعار تفضيلية مثلاً، وربما بالرنمينبي وليس بالدولار؟ وهل مهما علا صوت بوق الإدارة الأميركية، سيمنع ذلك زيادة طلب سوق “تنيني” الحجم مثل السوق الصيني على منتجات الطاقة، حين يتوارى الكابوس الكوفيدي؟

أخيراً وليس آخراً، كيف سيشرح البوق الأمر للدول الأوروبية؟

الأموال التي يريد هوكستين لـ “إكسون موبيل” وأخواتها أن تقوم بإعادة استثمارها في عمليات الحفر والإنتاج، تفضل هي ومثيلاتها أن تذهب في صورة سيولة لجيوب حملة أسهمها، ومديريها وحملات إعادة الشراء لذات أسهمها

ربما للرد على سؤالي “البريء”، أطرح أمنية مازحة و”بريئة” أيضاً. تخيل معي هوكستين وهو يحاول مناقشة جورجيا ميلوني في موضوعات الطاقة، وهي ترى دولتها تعاني، ومواطنيها يتأملون منها الحلول، وهم ينتظرون أمام أرفف المنتجات الاستهلاكية، يتمنون استمرار توافرها، ويراقبون أسعارها القافزة لأعلى. الآن تخيل مدى حمرة وجه ميلوني التي نعرفها جميعاً، وصفرة وجه عاموس!

فبينما يزعق هوكستين في شركات الطاقة الأميركية، وتزعق الإدارة الأميركية في وجه فلاديمير بوتين وشي جين بينج. لمحاولة موازنة ما اقترفته أيديهم، وضبط أسواق هم أنفسهم من زعزعوا استقرارها، في أهم قطاعاتها وعلى رأسها الطاقة والتكنولوجيا؛ يجد المواطن الروسي، البضائع ذاتها على أرفف محلاته التجارية المفضلة لم تتغير أسعارها، منتظراً نتيجة العملية العسكرية في أوكرانيا، مستعجلاً الانتصار لبلاده. بينما يتمترس نظيره الصيني بشراءه الهاتف الذكي الجديد Huawei Mate 50 Pro، وكله أمل في نجاح خطة حكومته في دفع الاستثمار في اتجاه “توطين” الصناعات التكنولوجية المتطورة، التي “زعقت” أميركا لتحرم الصين منها.

وما طرحنا إلا نماذج بسيطة، لكن لها دلالات.. عن السوق ذي الآليات.

هذا هو حال الدنيا أدون هوكستين، وهكذا هي طبيعة السوق.

له “آليات”، قد لا تعبأ بصراخ.. البوق!

فماذا أنتم فاعلون؟

Print Friendly, PDF & Email
تامر منصور

مصمم وكاتب مصري

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الحلف الأنغلوسكسوني يتحدى العالم.. "المستقبل لنا"