الأنبياء في القرآن.. زكريّا ويحيى (4)

يذكر القرآن في ثلاثة مواضع النبي زكريّا والنبي يحيى، ويربطهما سويّاً من دون إعطاء تفاصيل توضّح دورهما كنبيين، كما نجد في قصص معظم الأنبياء الآخرين.

لنبدأ من عند قصّتّهما التي وردت في سورة مريم (الآيات 2-15) والتي هي، حسب التقليد الإسلامي، من الحقبة المكيّة في حياة النبي محمّد:

“ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً. قَالَ: رَبِّ، إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً. وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً. يَا زَكَرِيَّا، إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً. قَالَ: رَبِّ، أنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيّاً؟ قَالَ: كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ “هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً.” قَالَ: رَبِّ، اجْعَل لِّي آيَةً؟ قَالَ: آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً. فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فَأوْحَى إلَيْهِمْ أن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً. يَا يَحْيَى، خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً. وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً. وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً. وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّا”.

كما نرى في هذا النصّ، يبدأ القرآن سورة مريم مباشرةً بالكلام عن تضرّع زكريّا إلى الله من أجل أن يهبه وريثاً. لكن في سورة آل عمران (الآيات 39-41)، والتي هي مدنيّة، تتكرّر القصّة ذاتها، لكن في إطار مختلف:

“فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا. كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً، قَالَ: يَا مَرْيَمُ، أنَّى لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ: هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ، إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ. هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ، قَالَ: رَبِّ، هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء؟ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ أنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ، وَسَيِّداً وَحَصُوراً، وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ. قَالَ: رَبِّ، أنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ؟ قَالَ: كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء. قَالَ: رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً؟ قَالَ آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ إلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ وَالإبْكَار”.

تعطينا قصّة زكريّا ويحيى القرآنيّة، كمعظم قصص الأنبياء الآخرين، مثلاً جديداً عن أسلوب السرد القرآني وأهدافه والأطر التي أثّرت فيه، ومحاكاته للسرد التوراتي عامّةً، والإنجيلي خاصّةً

الإطار لقصّة زكريّا ويحيى في سورة آل عمران هو قصّة مريم. يبدأ النصّ القرآني بها، ويستطرد ليروي لنا قصّتهما، ثمّ يعود ليكمل قصّة مريم وولادة عيسى. ولا نجد بين هاتين القصّتين في سورتي مريم وآل عمران أي خلاف آخر يستدعي التساؤل. لذلك يمكن تفسير النصّ في سورة آل عمران على أنّه إعادة رواية لقصّة زكريّا ويحيى التي نجدها في سورة مريم ووضعها في إطار جديد.

(فضوليّاً، هناك فرق آخر. في سورة مريم، يأخذ النصّ شكل قصيدة شعريّة، وهو ما نجده عامّةً في المادّة القرآنيّة من الحقبة المكيّة. بينما في سورة آل عمران، نجد نصّاً نثرياً من دون تسجيع، وهو ما نجده إجمالاً في معظم المادّة القرآنيّة من الحقبة المدنيّة).
ولكي تتوضّح هذه الفكرة عن استخدام القرآن للقصّة نفسها في إطار مختلف وكيف يؤثّر ذلك على طريقة إعادة سردها – بتطويل أو تقصير، وبإضافة أو حذف تفاصيل – لننظر في طريقة سرد سورة الأنبياء (الآيتان 89-90) لقصّتهما:

“وَزَكَرِيَّا، إذْ نَادَى رَبَّهُ: رَبِّ، لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأنتَ خَيْرُ الوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ، إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ“.

 النقاط الأساسيّة هي ذاتها، لكن لا يدخل القرآن هنا في أيّ من التفاصيل الأخرى التي يذكرها عن زكريّا ويحيى في سورة مريم (أو في سورة آل عمران)، كون مقصد سورة الأنبياء (وهي مكّيّة، أتت بعد سورة مريم) هو إعطاء خلاصة موجزة جدّاً عن كلّ نبي من الأنبياء.

الملفت للإنتباه في كل ما نجده في هذه الآيات القرآنيّة عن زكريّا ويحيى هو التركيز على معجزة خلق يحيى. ولا نجد أي معلومات عن حياتهما أو المهام التي أوكّلت إليهما كنبيّين، إلاّ إذا كانت نبوّة زكريّا أنّ الله وكّله بمريم، ونبوّة يحيى أنّه صدّق بـ”كَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ” والتي يعتقد المفسّرون المسلمون أنّه عيسى المسيح (وفقاً لما تذكره الآية 45 من سورة آل عمران: “يَا مَرْيَمُ، إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ، اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ”).

إذاً، لا يقول لنا القرآن أنّ زكريّا، مثلاً، كان رئيساً للكهنة في المعبد في مدينة أورشليم القدس ولا يروي لنا أي معلومة إضافيّة عن حياته وخدمته. وكذلك الأمر مع يحيى: لا نجد أي ذكر إلى أنّه أسّس فرقة دينيّة وعمّد المسيح، أو كيف قُتِل، إلخ. تقودنا هذه الملاحظة إلى القول إنّ القرآن يأخذ بالتعريف المسيحي لنبوّة زكريّا ويحيى، والذي يختزل دورهما بما قاما به تجاه مريم والمسيح.

يمكن أن نستخلص هنا أنّه في الحقبة المكيّة، لم يربط القرآن قصّتهما مباشرةً بمريم وعيسى، كما نجد في ما بعد في سورة آل عمران.

إقرأ على موقع 180  تكون هنا.. أو لا تكون أبداً!

هل يدلّ ذلك على أنّ ضروريّات الحقبة المدنيّة والتحوّلات التي شهدتها الحركة التي أسّسها النبي محمّد بعد الإنتقال من مكّة إلى المدينة (وعوامل جديدة أخرى) تطلّبت إعادة سرد قصّة زكريّا ويحيى في إطار جديد؟

يبدو أنّ هذا بالتحديد ما حدث، ويمكن أن يفسّر لنا الإختلاف الذي نجده في السرد القرآني لقصص الأنبياء الآخرين.

ما يلفت نظرنا أيضاً هو أنّ النصّ في سورتي مريم وآل عمران يحاكي ما نجده في إنجيل لوقا (الإصحاح 1، الآيات 5-20):

“كَانَ فِي أيَّامِ هِيرُودُسَ مَلِكِ إقْلِيمِ اليَهُودِيَّةِ، كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا، وَهُوَ مِنْ مَجمُوعَةِ أبِيَّا الكَهنُوتِيَّةِ، وَزَوْجَتُهُ ألِيصَابَاتُ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ… فَظَهَرَ لَهُ مَلَاكٌ مِنْ عِندِ الرَّبِّ وَاقِفاً عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ البَخُورِ. فَلَمَّا رَأى زَكَرِيَّا المَلَاكَ، اضطَرَبَ وَخَافَ خَوْفاً شَدِيداً. فَقَالَ لَهُ المَلَاكُ: لَا تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لَقَدْ سَمِعَ اللهُ صَلَاتَكَ، وَسَتَلِدُ لَكَ زَوْجَتُكَ ألِيصَابَاتُ ابناً، فَسَمِّهِ يُوحَنَّا. سَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابتِهَاجٌ، وَسَيَفْرَحُ كَثِيرُونَ أيْضًا بِمَولِدِهِ. سَيَكُونُ عَظِيماً فِي نَظَرِ الرَّبِّ. لَنْ يَشْرَبَ نَبِيذاً وَلَا شَرَاباً مُسْكِراً، وَسَيَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ حَتَّىْ قَبْلَ وِلَادَتِهِ!.. فَقَالَ زَكَرِيَّا لِلمَلَاكِ: كَيْفَ لِي أنْ أتَيَقَّنَ مِنْ هَذَا الكَلَامِ، فَأنَا عَجُوزٌ، وَزَوْجَتِي فِي شَيخُوخَتِهَا؟ فَأجَابَهُ المَلَاكُ: أنَا جِبْرَائِيلُ الَّذِي أقِفُ فِي حَضْرَةِ اللهِ، لَقَدْ أُرسِلتُ لِأُكَلِّمَكَ وَأنقُلَ إلَيْكَ هَذِهِ البُشرَى. لَكِنِ انتَبِه لِهَذَا، سَتَكُونُ صَامِتاً، وَلَنْ تَقْدِرَ عَلَى الكَلَامِ إلَى أنْ يَتَحَقَّقَ كُلُّ هَذَا، لِأنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلَامِي الَّذِي سَيَتَحَقَّقُ فِي وَقْتِهِ”.

الفرق الوحيد بين المادّة القرآنيّة (في سورتي مريم وآل عمران) وبين إنجيل لوقا أنّ الأخير يُفسّر صمت زكريّا كعقاب له لأنّه لم يصدّق كلام الله الذي نقله له الملاك. بالمقابل، في القرآن، ليس هناك أي عقاب، بل الصمت هو آية من الله يراد بها تأكيد حقيقة المعجزة (أنّ زكريّا سيأتيه وريث). ويدخل هذا الإختلاف في الأمور التي “صحّحها” القرآن وأعاد من خلالها سرد قصص الأنبياء وفقاً لمعتقدات ذلك الزمان والتي حتّمت تنزيه الأنبياء عن المعاصي، بما في ذلك الشكّ بكلام الله أو اقتراف أخطاء ومعاقبتهم عليها.

إذا تقبّلنا الشبه بين القرآن وإنجيل لوقا في قصّة  النبي زكريّا والنبي يحيى، لا نجد تفسيراً مقنعاً أنّ القرآن تقصّد تغيير معنى كلمة حصور إلى شيء غير الإمتناع عن شرب الخمر. لكن الأهمّ من ذلك هو أن القرآن يختزل نبوّتهما بما قاما به تجاه مريم وعيسى، وهي أساساً مقاربة مسيحيّة لهما أرادت تسليط الضوء حصريّاً على هذا الدور

وهناك تفصيل آخر في الآية 39 من سورة آل عمران أريد أن أتطرّق له، وهو استخدام كلمة حصور كوصف ليحيى: “سَيِّداً وَحَصُوراً، وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ”. فما هو معنى الحصور؟

في كتب التفسير، نجد خلافاً حول معنى العبارة. بعض الآراء المنسوبة إلى صحابة وتابعين تُفسّر كلمة حصور بمعنى “من لا يأتي النساء”. ويقول البعض الآخر أنّها تعني العجز عن التوليد أو قصر فادح في العضو الذكري (ونجد هذه الآراء في تفسير الطبري وتفسير الثعلبي مثلاً). لكن هل من الممكن أن يكون معناها غير ذلك، أي معنى موافق لما نجد عن وصف يحيى في إنجيل لوقا: “لَنْ يَشْرَبَ نَبِيذاً وَلَا شَرَاباً مُسْكِراً”؟

الجواب هو نعم. كلمة حصور تعني إجمالاً من يمتنع عن عمل الشيء. لكن لها استخدام في الشعر العربي القديم بمعنى “من يمتنع عن شرب الخمر”، كما نجد في قصيدة منسوبة إلى الأخطل (ت. 708)، حيث يقول:

وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نَادَمَنِي/ لا بِالَحصُورِ وَلا فِيهَا بِسَوَّارِ.

يبدو أنّ المفسّرين المسلمين لم يفقهوا لمعنى هذا البيت والذي يصف فيه الأخطل نديمه بأنّ صحبته في شرب الخمر ممتعة، إذ هو ليس “بِالَحصُورِ”، أي لا يحجم عن شرب الخمر، ولا “بِسَوَّارِ”، أي لا يسكر بسرعة. وعادة المفسّرين المسلمين الأوائل أنهم كثيراً ما أعطوا آراء من دون علم والتي أسّس أكثرها لخلافات وتكفيرات داخل الإسلام وأيضاً بين المسلمين وأصحاب الديانات التوحيديّة الأخرى.

في الخلاصة، إذا تقبّلنا الشبه بين القرآن وإنجيل لوقا في قصّة  النبي زكريّا والنبي يحيى، لا نجد تفسيراً مقنعاً أنّ القرآن تقصّد تغيير معنى كلمة حصور إلى شيء غير الإمتناع عن شرب الخمر. لكن الأهمّ من ذلك هو أن القرآن يختزل نبوّتهما بما قاما به تجاه مريم وعيسى، وهي أساساً مقاربة مسيحيّة لهما أرادت تسليط الضوء حصريّاً على هذا الدور. لكن في الإطار الأكبر، تعطينا قصّة زكريّا ويحيى القرآنيّة، كمعظم قصص الأنبياء الآخرين، مثلاً جديداً عن أسلوب السرد القرآني وأهدافه والأطر التي أثّرت فيه، ومحاكاته للسرد التوراتي عامّةً، والإنجيلي خاصّةً.

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  "فقه الرجال" في الإسلام.. إفتئات على المرأة والقرآن (2)