ليس بالإحتواء تنتصر أمريكا.. أين “صُنّاع” قرارها؟

قبل ثلاثين عاماً يوم كانت واشنطن تُصنّع السياسات وتُصنّع أنظمة إقليمية حول العالم، صاغت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب أحد أهم السياسات في تاريخ العلاقات الدولية، وهي سياسة "الإحتواء المزدوج" لصاحبها ريتشارد هاس، مدير السياسات ورئيس مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف كتاب "عالم في حالة من الفوضى: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم".

كانت سياسة “الإحتواء المزدوج” عبارة عن مزيج من العقوبات الاقتصادية والرقابة العسكرية على دولتي إيران والعراق. جاء ذلك على مسافة قريبة من سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء حرب تحرير الكويت. الحدث الأول أذّن بولادة نظام دولي جديد برئاسة أمريكا. الثاني أعلن بداية النظام الشرق أوسطي الجديد المتماهي مع النظام الدولي.

عندما وصل الرئيس جو بايدن الى البيت الأبيض، وكعادة الرؤساء الجدد، تتبدى أمامه الصورة الحقيقية للعالم. كان من الطبيعي أن يستند هذا الرجل المنتمي إلى القرن الماضي إلى الخبرة في تحليله تاريخ الحرب الباردة. ومن المنطقي أن يلجأ في نظرته الى الصراعات الدولية المستجدة من منظور سياسات القوة وتوازناتها. كل ذلك طبيعي. لكن ألم يهمس أحدهم في أذنه أن سياسة “الاحتواء المزدوج” قد فشلت؟

على طريقة الرئيس الفرنسي شارل ديجول تعالوا نلقي نظرة على خريطة الكوكب. هو من قال يوماً إنه إذا أردنا التكلم في السياسة علينا النظر إلى الخريطة. أنظروا إلى قارة آسيا التي تغطي العقوبات الاقتصادية الأمريكية 65% من مجموع مساحتها، وهي دول روسيا والصين وإيران وسوريا ولبنان والعراق وكوريا الشمالية (حوالي الملياري نسمة). وأكثر من 75% إذا ما أضيفت إليها عقوبات على مؤسسات منتشرة. ناهيك عن القلق الذي يسكن الكتلة السكانية الأكبر عالميا في آسيا تجاه المستقبل. نهرٌ من القلق الإنساني يتصل بالقيادة العسكرية المركزية حسب خريطة البنتاغون: منطقة الشرق الأوسط. منطقة تضع دول العراق وسوريا ولبنان تحت مجهر الرقابة الأمريكية. قانونا قيصر وماغنتيسكي وغيرهما.

لم يخضع كوكب الأرض يوماً تحت هكذا مظلة من العقوبات الأمريكية. يعزو البعض اتساع رقعة العقوبات الأمريكية الى المغامرة العسكرية الفاشلة للعم سام في أفغانستان والعراق والتي جلبت الفوضى للنظام العالمي. كانت النتيجة قرار واشنطن بالانسحاب من البر الآسيوي إلى البحر واستبدال سلاح المدفع بسياسة الاحتواء. المبدأ ذاته. فالمدفع والاحتواء كلاهما يستند إلى منطق القوة وتوازناتها في صياغة السياسات.

أضافت الحرب الروسية الأوكرانية زخماً قوياً يصب في تعزيز منطق القوة، وبيّنت أن العضلات السياسية للمجتمع الدولي ضعيفة أمام خيار الحرب. فتم تعميم سياسة الاحتواء الأمريكي. يمكن تلمس آثار هذا الإحتواء الأمريكي المتعدد الأطراف على دولة مصر. نقطة التقاء قارة آسيا مع قارة أفريقيا بوجود كتلة سكانية تتخطى المائة مليون. معها تسعى دولة مصر جاهدة صباح كل يوم لتأمين أكثر من أربعمائة مليون رغيف من الخبز لسكانها في ظل مخاطر تعطل سلاسل امداد القمح جراء الحرب الروسية الأوكرانية. هذا الجهد في تأمين الدولة للقمة عيش المواطن المصري المدعومة حكومياً دونها تحديات اقتصادية معقدة. منها أن السلعة المدعومة من الدولة المصرية تئن في ظل تذبذب أسعار القمح عالمياً، وبالتالي تُعرّض الميزان التجاري للخسارة.. ولكن الأهم أن الرغيف يصبح في صلب الأمن القومي لهكذا دولة مهمة.

أين صُنّاع السياسة الأمريكية؟ أين توماس جيفرسون وجون آدامز وهنري كيسنجر وبرنت سكاوكروفت؟ وما هي درجة تأثيرهم في صناعة القرار؟ أين هو جيمس بيكر الذي جمع العالم العربي وإسرائيل تحت مبادرة للسلام؟ ثم لماذا ترتاح واشنطن إلى سياسة الإحتواء بدلاً من الإنخراط في بناء نظام دولي جديد؟

ليست كل مشاكل العالم هي بسبب الإحتواء الأمريكي المتعدد الأطراف. لكن السؤال هو لماذا تُعمّم واشنطن هذه السياسة حول العالم؟ والأهم هل لهذه السياسة من استثناءات؟

هكذا سؤال قد نجد الإجابة عليه في متابعة أحداث الزلزال الكبير الذي ضرب دولتي تركيا وسوريا في السادس من شباط/فبراير الماضي. هول الكارثة وتصاعد عدد الوفيات وتكلفة الأضرار المادية الكبيرة سيُحتّم على واشنطن مراجعة سياساتها. لعل تجميد تنفيذ “قانون قيصر” لمدة معلومة (180 يوماً) يُمكن البناء عليه في المستقبل. ثم من يجزم أن انتهاء هذا التجميد يعني وقف دخول المساعدات؟ ثم ما الذي يوقف شبكة الفساد المستفيدة من سياسة الإحتواء وتعليقها لأغراض إنسانية؟ أتذكرون برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق وقضايا الفساد التي لاحقت أقرباء مسؤولين في بريطانيا وبينهم ابن رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر؟

صحيح أنه لا يمكن حل قضية من دون التأثير في أخرى. وكأنما أصبحت كل القضايا متشابكة. مثلاً الإتفاق النووي الإيراني الأمريكي وضع في الثلاجة إلى حين تبيان نتائج الحرب الأوكرانية ـ الروسية. هذه الحرب التي حوّلت القارة الأوروبية من لاعب الى ملعب للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. وما يزال الوجدان الأوروبي متعلقا بسردية انقاذ الولايات المتحدة الأمريكية القارة في يوم إنزال النورماندي الشهير. ناهيك عن الصراع المتنامي في شرق آسيا. كل ذلك والأزمات تتوسع وتتداخل مع الانتشار السريع لخذلان السياسة الدولية من إيجاد الحلول المناسبة.

إقرأ على موقع 180  هل نشهد "ربيعاً إيرانياً" أم ضياع "أندلس" جديدة؟

الدول والأمم والمصالح لا تنام لتستيقظ في اليوم التالي، على حد وصف الكاتب العربي محمد حسنين هيكل. هذه الحركة مستمرة بزخمها لا بذاتها. هذا ليس تمنياً بل مهمة تقع في صلب إرادة صُنّاع السياسة وليس أولئك الذين يكتسحون عالم السوشيل ميديا بفقرات إرشادية.

على أرض هذا الكوكب المريض لا يمكن الركون إلى سياسة الإحتواء فقط. عالم اليوم يتطلب سياسة أعمق من الازدواجية التي تطرحها إدارة الرئيس بايدن. إدارة تريد انتاج غاز شرق البحر المتوسط لإطالة الحصار على روسيا وفك ارتباطها الطاقوي مع أوروبا. تريد أن تستدرج الصين إلى الحرب في تايوان لإدخالها في معركة استنزاف اقتصادي. ثم تبحث عن شريك عربي لحصار عربي آخر.

أين صُنّاع السياسة الأمريكية؟ أين توماس جيفرسون وجون آدامز وهنري كيسنجر وبرنت سكاوكروفت؟ وما هي درجة تأثيرهم في صناعة القرار؟ أين هو جيمس بيكر الذي جمع العالم العربي وإسرائيل تحت مبادرة للسلام؟ ثم لماذا ترتاح واشنطن إلى سياسة الإحتواء بدلاً من الإنخراط في بناء نظام دولي جديد يليق بقوة عظمى؟

يبدو أن واشنطن تنظر إلى أحوال هذا الكوكب الحزين بعين قرن مضى وعقل صبي أرعن ليس جاهزاً لدخول القرن الجديد. هذه الازدواجية تُعرّض النفوذ الأمريكي إلى التآكل حول العالم.

يبدو كوكب الأرض اليوم متكئا على عكاز طبي بعد أن خذلته عضلات السياسة الوحيدة لواشنطن. كل مؤشرات هذا الانسان الحيوية مريضة: الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية والأخلاقية. حتى الرأي العام العالمي (إنْ وُجِدَ) بات مريضاً. يكفي متابعة الصحافة والإعلام والسوشيل ميديا لنجد خطابات غارقة بالعشوائية والتفاهة. كوكب الأرض كأنه يعيش اليوم فقط بفضل أجهزة التنفس الاصطناعية والأطباء يعالجون أعراض الكوكب بالقطعة لا بالجملة. ليس من المبالغة في شيء لو قلنا إن واشنطن بصفتها كبير الأطباء المقيمين أصبحت تُحبّذ سياسة الإحتواء وتركن إليها بدلاً من إبداع السياسات التي تتفق مع العصر الجديد والعصر الآتي.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  عالم ما بعد أميركا وحرب أوكرانيا.. إنّه "فخّ توسيديدس"!