“معجزة تاريخية” حقيقية اسمها الشعب الفلسطيني

المفارقة كانت سوريالية. ففيما كان أربعة من أبرز أقطاب الفكر والاستراتيجيا الفلسطينيين يناقشون بحماسة متّقدة ودافقة وسائل تطوير "الثورة الدائمة" و"المقاومة الأبدية" للإحتلال والعبودية والاستسلام لموازين القوى الراهنة، كان كاتب هذه السطور ينفصل بذهنه لاشعورياً عن المكان ويجول لا إرادياً في الزمن العربي الراهن.

كانت هذه لحظات سوريالية حقيقية حقاً: كلما أوغلت لونا أبو سويرح ومنير شفيق وصلاح صلاح وأحمد الدبش في الحديث عن كيفية تحويل المقاومة الفلسطينية الحالية في غزة ونابلس وجنين وباقي مدى الضفة إلى ثورة جديدة منسّقة ومتّسقة، كلما ازددت أنا تغرّباً وانزياحاً نحو المشهد العربي المناقض تماماً لكل ما أسمع:

– منطقة عربية مشلّعة وتائهة، أشبه برائد فضاء انقطع الحبل الذي يربطه بسفينته، فهام على وجهه يتخبّط خبط عشواء في فضاء بهيم لا قرار له.

– سيطرة مطلقة لما كان يسميه الراحل محمد حسنين هيكل “الاكتئاب الجماعي” الذي يضرب من أسف مفكرينا ومثقفينا العضويين وغير العضويين. اكتئاب يشّل القدرة على التفكّر والتفكير، ويُجمِّد الحراك التاريخي، أو يدفع إلى الهجرة إلى الخارج أو الى الله، أو إلى ما هو أغرب بكثير من كل ذلك: التنظير والتبشير بضرورة الاعتراف بـ”الحق التاريخي لليهود في فلسطين” وبيهودية الدولة الإسرائيلية (وهذا أهم شرط من شروط مبادرات السلام الإسرائيلية) وأيضاً بـ”ضرورة إبرام السلام الإبراهيمي” مع الصهيونية، كما يفعل الآن بعض الإخوة في منطقة الخليج.

وحين كان كاتب هذه السطور يستفيق من غفوته اللاإرادتية قليلاً ليعاود الاستماع إلى المفكرين الفلسطينيين الأربعة، كان يشعر وكأنه سقط في لجج شيزوفرانيا فكرية عصية على التوصيف.

ماذا قُلت بعد هذه الاستفاقة؟

سنأتي إلى ذلك بعد قليل. قبل هذا، وقفة أمام ما جرى في الندوة التي جرت في مقر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، يوم الجمعة (2 حزيران/يونيو 2023) تحت عنوان “فلسطين بين مأزق السلطة وخيار المقاومة”، والتي شارك فيها منير شفيق وصلاح صلاح وأحمد الدبش، وأدارتها فكراً وروحاً لونا أبو سويرح المديرة العامة لمركز الدراسات.

ماذا عن المحاور الأساسية في الندوة؟

أحمد الدبش: سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود، وهو الإسم الحقيقي للسلطة الحاكمة “على الورق” في الضفة، وليس السلطة الوطنية الفلسطينية أو دولة فلسطين، “تحوّلت إلى شركة مساهمة لا علاقة لها لا بالسيادة ولا بالوطنية”، وممارساتها تُشكّل “إهانة وتحقيراً للمشهد الفلسطيني”. والحل الوحيد هو دفع الكيان الإسرائيلي إلى تحمّل أكلاف الاحتلال كاملة.

لونا أبو سويرح تتدخل: “أجل. الوضع السياسي الفلسطيني من سيء إلى أسوأ، لكن المقاومة على عكس ذلك تماماً”.

منير شفيق: نعيش حالياً بؤس سلطة الحكم الإداري واتفاقات أوسلو، “لكن الوضع رائع لأنهما كليهما على حافة الانهيار والقبر”. أنا متفائل: فالسلطة تلفظ الآن أنفاسها الأخيرة، والكيان الصهيوني في أسوأ حالاته دولياً (أميركياً) وعسكرياً، وهناك الآن مقاومة جبارة في غزة وجنين وعرين الأسود في نابلس. أدعو إلى قيام تحالف ثلاثي بين حماس والجهاد والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وظيفته قيادة العمل المقاوم. النضال الفلسطيني دخل بالفعل مرحلة تاريخية جديدة، وهو غير قابل للرجوع إلى الوراء. ثم أن إسرائيل تعيش فعلاً حالة قلق شديدة، تضاف إلى اضطراباتها وصراعاتها الداخلية حول الهوية ونمط الحياة، بسبب تخوفها من انفجار كبير في المناطق الفلسطينية المحتلة سرعان ما قد يمتد إلى سوريا ولبنان ومناطق أخرى. لا حل سلمياً ممكناً مع الكيان الصهيوني. “الحل الوحيد هو المقاومة المستمرة والمنسّقة”.

نفتح هنا هلالين صغيرين لنُذكّر، وهنا الغرابة، أن هنري كسينجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، وفي كتابه ما قبل الأخير (النظام العالمي)، أشار هو الآخر إلى صعوبة الحل السياسي بين العرب والإسرائيليين لأن تل أبيب تضع “شروطاً غير وستفالية” لابرام اتفاقيات سلام، أبرزها الإعتراف الإعلامي والتربوي والثقافي العربي بـ”حق اليهود التاريخي بفلسطين” وأيضاً بـ”يهودية دولة إسرائيل”!

صلاح صلاح (الجبهة الشعبية): ركّز على ضرورة رفد المقاومة بتشكيل جبهة وطنية شاملة تلعب دور الكتلة التاريخية، داعياً أيضاً إلى جعل المقاومة المحور الرئيس مجدداً للعمل الوطني الفلسطيني. لكن، كان في جعبة هذا المناضل المخضرم ما هو أخطر بكثير: فقد كشف النقاب عن أن “كل الدول العربية كانت موافقة في العام 1955 على توطين اللاجئين وتصفية القضية الفلسطينية”، وأن ما أجهض هذا المشروع الإقليمي- الدولي هو رفض الشعب الفلسطيني له. (وهذا برسم من يتخوفون في لبنان من التوطين، لكنهم لا يعرفون من يرفض حقاً هذا المشروع).

أثبت الشعب الفلسطيني أنه القائد الحقيقي للأمة. هو ضميرها الحق. هو إرادتها التي لا تّقهر. هو الذي يعمل بالفعل على تحرير الأمة ليس فقط من الاحتلالات ومصادرة القرار القومي المستقل، بل أيضاً من اليأس والإحباطات والاكتئابات على أنواعها

نعود إلى المشهد السوريالي.

جاء دور مداخلة كاتب هذه السطور، فرفض الحديث عن الاستراتيجية والتكتيك، وعن الخطط والبرامج، مكتفياً بلفت الانتباه إلى أن ما يجري الآن بالمقارنة بين الوضعين الفلسطيني والعربي هو ظاهرة تاريخية هائلة مكتملة الفصول والمعاني والأبعاد: فها هو أكثر الشعوب العربية تعرضاً إلى السحق والقهر والحصار ومحاولات الاستعباد والتيئيس، يقاوم باللحم الحي السيوف والطائرات، والإحباط بالثورة، والاكتئاب بالانتفاض، والتشريد بمزيد من التنظيم والإصرار.

إقرأ على موقع 180  سيناريو إسرائيلي لـ"الإنتقام الإيراني": 19 ك2/ يناير!

100 عام، وهذا الشعب لم يهدأ، حتى بعد أن بات العديد منه مُشتتاً في أربعة رياح الأرض. أجيال جديدة عديدة ولدت بعد 1948 لم تطأ في حياتها أرض فلسطين، لا تزال توقف عقارب الساعة عند العام 1948، وتعلن في وجه كل العالم أنها مُصمّمة في كل لحظة وساعة على إعادة كتابة التاريخ وعلى إعادته إلى صوابه.

كلنا يعلم ما يؤكده كل علماء الاجتماع من أن التاريخ عملية سائلة كل شيء فيه يتغيّر ويتبدل. كل مياه نهر هيراقليطس تُصبح ولا تكون في كل لحظة، ومعها يتغيّر كل السابحين الذين لا يستطيعون السباحة في النهر نفسه مرتين. كلنا يعلم أيضاً ما كان يُردّده ابن خلدون بلا كلل ولا ملل من أنه “اذا ما تغيرّت الأحوال تغيّر الخلق وكأنهم ولدوا من جديد”.

حسناً. كل هذا صحيح، إلا في حالة الشعب الفلسطيني. فهذا الشعب العجيب متمرس حتى النخاع على ما يبدو في كسر القوالب والقوانين الجامدة وكأنه يسخر من التاريخ نفسه. إنه يعلن في كل حين أن تفاؤل الإرادة سيتغلّب حتماً على تشاؤم العقل (وموازين القوى الراهنة)، وأن المعنى الحقيقي للوجود يكمن في قيم الكرامة والحق والحرية. وهذا بعدٌ التقطه بدقة الفيلسوف ماينكي (Meinecke) حين قال: “الحضارة على رغم انطوائها على بعد مادي، إلا أنه لا تكون حضارة ولا تقدّماً ما لم تستند إلى القيم والأخلاق. البحث عن السببية في التاريخ. مستحيل من دون العودة إلى القيم، فخلف كل بحث عن الأسباب هناك دائماً بشكل مباشر أو غير مباشر يكمن البحث عن القيم”.

حسناً. الفلسطينيون يا سيد ماينكي لا يفعلون غير ذلك طيلة تاريخهم الحديث كما القديم. إنهم يرفضون أن يكون التاريخ شيئاَ آخر (مادياً أو انتهازياً أو استسلاماً لموازين القوى الراهنة) سوى القيم والأخلاق. سوى الضمير الذي ولد في منطقتنا قبل 2000 سنة من ظهور الأديان الإبراهيمية، وكان أعظم إكتشاف للجنس البشري الذي عاش قبل ذلك مليون سنة في حالة من التوحش والبربرية التامّين.

من أين أتى هذا الشعب العجيب بهذه القوة الخارقة والمخترقة لكل اجتهادات المحللين الاستراتيجيين وكتبة التاريخ على هواهم؟

اعتدنا أن نقول إن الشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية التي يقع على عاتقها ككل أن تحمي الجزء وتنقذه من عثراته ومآسيه. آن الأوان الآن لنُغيّر هذا المفهوم: فقد أثبت هذا الشعب أنه القائد الحقيقي للأمة. هو ضميرها الحق. هو إرادتها التي لا تّقهر. هو الذي يعمل بالفعل على تحرير الأمة ليس فقط من الاحتلالات ومصادرة القرار القومي المستقل، بل أيضاً من اليأس والإحباطات والاكتئابات على أنواعها. في حنجرة كل طفل فلسطيني، وفي يد كل طفلة فلسطينية تحمل حجراً، وفي دموع الفرح في عيون كل أم فلسطينية تحتفي باستشهاد وحيدها، هناك صرخة يجب أن تدوي في صدر كل مواطن عربي لتدعوه إلى الانتفاض هو الآخر، واستعادة كرامته كإنسان وتاريخ وحضارة، واستعادة معنى وجوده نفسه.

ثم؛ مقاومة المائة عام الفلسطينية المتواصلة ليست مجرد مادة تعليمية أو تثقيفية عربية أو إقليمية. إنها في الواقع مشعل عالمي يضيء (أو يجب أن يضيء) الطريق أمام قوافل الكتل التاريخية العالمية التي تستعد الآن لخوض “المعركة الأخيرة” بين الحضارة الإنسانية الحقة وبين العولمة التكنو-رأسمالية، رافعة شعار الضمير والقيم الأخلاقية والروح والمعنى ضد المادية المطلقة، والتسليع المطلق، والتدمير المطلق لأمنا الطبيعة ولمعنى الحياة والوجود.

***

في نهاية الندوة، رمق كاتب هذه السطور المفكرين الفلسطينيين الأربعة وهو خارج، وترقرقت سريعاً دمعتان في مقلتيه، لكنهما كانتا، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، دمعتي فرح وصلاة.

Print Friendly, PDF & Email
سعد محيو

كاتب سياسي

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  عادة التكفير.. علّة الفكر الديني (10)