“طوفان الأقصی”.. من يحفظ ماء وجه إسرائيل؟

يبقی عنصر “المفاجأة” أو ”المباغتة” هو العنصر الأهم الذي ميّز عملية "طوفان الأقصى" التي لم يشهد تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي مثيلاً لها منذ العام 1948 حتى الآن.

هذا العنصر أزاح الستار وأظهر الكيان الإسرائيلي علی حقيقته؛ فلا “القبة الحديدية” التي أوهمونا بها؛ ولا “الموساد” ولا “الشاباك” ولا “بيغاسوس” صمد أمام الإرادة التي تحلّی بها المقاومون في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. هذا التاريخ سيبقی حاضراً في الذاكرة السياسية، بوصفه يُشكل منعطفاً مهماً ليس في تاريخ الصراع مع الكيان الإسرائيلي وإنما علی صعيد الشرق الأوسط الجديد.

الفشل الأمني والسياسي والعسكري الذي مُنيت به إسرائيل في “طوفان الأقصی” لم يعد خافياً علی أحد وإنما أصبح حقيقة يُقر بها الداخل الإسرائيلي، كما الإقليم والعالم برغم الموقف الظالم الذي تتعرض له “حماس” عبر محاولة شيطنتها وتصويرها أمام الرأي العام العالمي بأنها “نسخة طبق الأصل عن داعش”!

ثمة سيناريوهات عديدة للمواجهة المفتوحة على إحتمالات شتى، ولا سيما أن الضربة التي تلقاها الكيان العبري ليست عادية؛ كما أن الظروف الإقليمية والدولية ليست كما كانت سابقاً؛ وبالتالي ستترك عملية “طوفان الأقصی” بصماتها بالتأكيد على مستقبل القضية الفلسطينية بما ينسجم مع إرهاصات النظام العالمي الجديد والشرق الأوسط الجديد الذي تحدثنا عنه في مقالة سابقة بعنوان: “من يصنع الشرق الأوسط الجديد” في 29 أيلول/سبتمبر الماضي.

ومن الواضح أن الدوائر الإسرائيلية تسعى لتحريك الرأي العام العالمي من خلال تشويه مجريات “طوفان الأقصی” لكن يغيب عن بال هذه الدوائر أن هذا “الرأي العام” وبرغم إنشغاله بقضايا أخری، بدأ يتحرك في إتجاه مضاد بدليل التظاهرة الكبيرة التي شهدتها بريطانيا في الساعات الأخيرة وتحرك العديد من الشوارع الأوروبية، وهي ظاهرة ستزداد إتساعاً في ظل القتل اليومي المجاني للفلسطينيين، أطفالاً وشيوخاً ونساء.

الإدارة الأمريكية لا تريد أن تنخرط في حرب مفتوحة في الشرق الأوسط ولا تريد راهناً فتح عدة جبهات مع إسرائيل لخطورة الوضع العسكري الذي يرسمه الخبراء لهذه المنطقة في حال فتح الساحات وتوحدها، ناهيك عن إستمرار إنشغالها بحرب أوكرانيا

أميركياً؛ من الواضح أن الإنتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في خريف العام 2024، بدأت تضغط على الحزبين الجمهوري والديموقراطي، بدليل المزايدات في الدعم والتحشيد لإسرائيل، فيما يشهد الداخل الأمريكي “حرباً أهلية” سواء داخل الحزب الجمهوري بدليل إزاحة رئيس مجلس النواب الجمهوري؛ أو من خلال جرجرة رئيس الولايات المتحدة السابق دونالد ترامب أمام المحاكم؛ أو داخل الحزب الديموقراطي الذي يشهد تنافساً بين رموزه على الطريق المؤدي إلى البيت الابيض الذي لم يعد يتسع للعجوز جو بايدن؛ زدْ على ذلك أن الديموقراطيين كانوا يُخطّطون لترتيب أوراق الشرق الأوسط ووضع إسرائيل في مكانة تستطيع أن تكون ورقة رابحة بأيديهم في الانتخابات الأمريكية لأنها مؤثرة علی موقف اللوبي اليهودي (الايباك). غير أن “طوفان الأقصی” بعثر هذه الأوراق وأثّر علی مسار التطبيع مع إسرائيل كما انه “فركش” الممر الهندي ـ الخليجي ـ الإسرائيلي ـ الأوروبي الذي أراده بايدن عربون شكر لإسرائيل ولـ”الايباك” علی حد سواء.

واستناداً إلی ذلك، فإن الإبتزاز التي تمرّست به إسرائيل في هذه المناسبات بات قليل الزخم والفعالية. ناهيك أن الإدارة الأمريكية لا تريد أن تنخرط في حرب مفتوحة في الشرق الأوسط ولا تريد راهناً فتح عدة جبهات مع إسرائيل لخطورة الوضع العسكري الذي يرسمه الخبراء لهذه المنطقة في حال فتح الساحات وتوحدها، ناهيك عن إستمرار إنشغالها بحرب أوكرانيا.

أوروبياً؛ يتأثر الوضع الإقتصادي والسياسي والأمني بشكل كبير بتداعيات الحرب الأوكرانية. ولعل أوروبا حالياً أبعد ما تكون عن إسرائيل وعن الصراع العربي ـ الإسرائيلي لأن أولوياتها في هذه المرحلة في مكان آخر. في الإقتصاد والأمن واللاجئين وما شاكل ذلك؛ فمن المستبعد أن تدخل أوروبا نفسها في أزمة جديدة في الوقت الذي تعمل لاستيعاب تداعيات الأزمة الأوكرانية خصوصاً علی أعتاب فصل الشتاء المقبل.

إقليمياً؛ تتحدث مصادر عليمة عن تنسيق لطالما بلغ أعلی مستوياته بين جميع مكونات محور المقاومة من دول وفصائل، إلا أن ذلك لا يتناقض مع هوامش كل مكون من مكونات هذا المحور، بدليل أن “حماس” أحاطت عملية “طوفان الأقصى” بكتمان شديد ليس داخل بنيانها التنظيمي وحسب بل على مستوى الحلفاء.. وتشير المصادر إلى أن تبني “حزب الله” بدءاً من الثامن من تشرين الأول/أكتوبر سلسلة هجمات علی مواقع إسرائيلية في مزارع شبعا والجليل الأعلى هو عبارة عن رسالة تحذيرية واضحة لإسرائيل ربطاً بسيناريوهات الإجتياح البري والجوي لقطاع غزة، عنوانها “غزة ليست وحدها”. وتتحدث هذه المصادر عن رصد دقيق للتطورات المحلية والإقليمية والدولية قبل أن يصار إلى “تقدير الموقف” ومن ثم إتخاذ القرار المناسب على قاعدة “وحدة الساحات”.

تبقی إيران وهي جزء من السيناريوهات التي يتم الحديث عنها لأنها تقف في وسط هذه الأحداث حيث كتب موقع الحرس الثوري الإيراني يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر “نحن قلنا سنأتي.. واليوم نحن هنا”؛ فيما يعتقد البعض أن دعوة المرشد الإيراني الإمام علي الخامنئي في يوم 3 تشرين الأول/أكتوبر إلى “عدم الرهان علی الحصان الخاسر” وإشارته إلى أن “الصهيونية تحتضر” هي بمثابة تحفيز لما يمكن أن يقع. وقد سارع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن مساء 7 تشرين الأول/أكتوبر للقول إنه لا يملك دليلاً واضحاً علی تورط إيران في “طوفان الأقصی”. هذا التصريح كان واضحاً أن الهدف منه عدم الرغبة في توسيع رقعة المواجهة وبالتالي جعلها تقتصر علی الأراضي الفلسطينية مقابل سعي إسرائيل لتوسيع رقعة الحرب وإستدراج الولايات المتحدة لأن تكون طرفاً فيها، وفق “خيار شمشون” التوراتي، أي “عليَّ وعلی أعدائي يا رب”، علی حد تعبير صديقنا اللبناني العميد الياس فرحات.

إقرأ على موقع 180  خان الخليلي ومقهى الفيشاوي وتراث مصر الشعبي

إن فتح أي جبهة مواجهة مع إيران هو “لعب بالنار” وعندما تندلع لا يمكن إخمادها بسرعة لأنها لن تكون نُزهة؛ وهذا ما حذّر منه وزير خارجية إيران حسين أمير عبداللهيان خلال جولته التي شملت العراق وسوريا ولبنان وقطر، وأحد ممثلي الأمم المتحدة (في بيروت)، ودعا إلى أن توقف إسرائيل فوراً جرائم الحرب التي ترتكبها في غزة “لأن الأوان يكون قد فات خلال ساعات قليلة”، وأشار إلى أن حزب الله أعد عدة سيناريوهات تصعيدية من شأنها إحداث زلزال في إسرائيل.

بناء على ما تقدم، من المتوقع أن تتحرك إسرائيل بين أحد سيناريوهين أولهما تنفيذ ضربات جوية متتالية وثانيهما تنفيذ عملية عسكرية برية في شمال قطاع غزة لإعادة حفظ “ماء الوجه” تتحرك بعدها الوساطات الإقليمية والدولية؛ لكن الأكيد أن مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر ليست كما قبلها مع تغير قواعد اللعبة والاشتباك التي تنسجم مع ارهاصات النظام العالمي الجديد.. والشرق الأوسط الجديد.

([email protected])

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  ديفيد هيل: لبنان إلى شلل.. والحريري الأول في "دائرته"