فتح وحماس أسيرتا لغة الماضي.. أية مهمات تنتظر الفلسطينيين؟

أثار البيان الصادر عن حركة فتح، الأسبوع الماضي، استياءً واسعاً لدى شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني. صحيح أنّه أتى رداً على بيان لحركة حماس يستنكر تعيين رئيس وزراء فلسطيني جديد خلفاً لمحمد إشتية، الا أنّ العبارات التي تضمنها بيان فتح ولا سيما تحميل حركة حماس المسؤولية عن تدمير قطاع غزة، جاءت في غير أوانها خاصة أنّ العدوان الإسرائيلي على غزة ما يزال مستعراً ولا أفق قريباً لنهايته.

تشي اللغة السياسية لبياني فتح وحماس إلى أنّ هذين الفصيلين الأساسيين في الساحة الفلسطينية ما يزالان يقاربان قضيتهما الواحدة باللغة نفسها التي كانت سائدة قبل عملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ما يعني أنّه برغم حجم التضحيات الهائلة التي بذلها ويبذلها الشعب الفلسطيني على كامل الأرض الفلسطينية كما في الشتات، لم تبادر الحركتان إلى اعادة نظر في خطابهما وبالتالي ضرورة اعتماد مقاربات مختلفة خاصةً أن التحديات التي سيتعامل معها الفلسطينيون بعد أن تضع الحرب أوزارها، هي تحديات عديدة ومتشعبة ومتشابكة تستدعي وحدة الصفّ الفلسطيني.

هذا التراشق الكلامي بين فتح وحماس أتى غداة اجتماعات المصالحة التي استضافتها الدولة الروسية في مطلع آذار/مارس الجاري بين معظم الفصائل الفلسطينية بغية تحقيق برنامج الحد الأدنى للوحدة الوطنية الفلسطينية. تُوجت تلك المشاورات بإعلان مشترك من تسعة بنود. وإذا كنا لا نبالغ البتّة في الرهان على أن مثل هذا الاجتماع سيكون كفيلاً بانهاء مسار الانقسام الداخلي الفلسطيني، إلا أنه يُؤسّس على الأقل لحوار داخلي بات مطلوباً أكثر من أي وقت مضى، لا سيما أن مقدمة البيان تشير إلى أن “الاجتماعات ستستمرّ في جولات قادمة للوصول إلى وحدة وطنية شاملة تضم القوى والفصائل الفلسطينية كافة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني”.

خلال العقود الماضية، تجمعّت عناصر قوة للقضية الفلسطينية ولكن للأسف لم تُوظف بالشكل المناسب بسبب غياب أي مصلحة للقيادة السياسية المؤتمنة على حقوق الفلسطينيين في تحقيق هذه الرؤية. ويتساوى الطرفان (فتح وحماس) في ارتكاب الأخطاء التي أماتت القضية الفلسطينية وأضرّت بالمصلحة الوطنية

استبقت السلطة الفلسطينية اجتماع موسكو بخطوة لم تكن موفقة، فقد استقال رئيس الحكومة محمد اشتية في ٢٦ شباط/فبراير الماضي. إنّ تجديد الحكومة الفلسطينية هو أمرٌ ضروريٌ لأنّ المرحلة القادمة تستدعي تدخلات سياسية ورؤى وطنية لم تكن الحكومة السابقة بوارد القيام بها في ظلّ الانقسام السياسي الفلسطيني. غير أنّ تعيين رئيس الحكومة الجديد محمد مصطفى لم يأتِ في هذا السياق، بل في إطار بعث رسائل من السلطة الفلسطينية إلى واشنطن مفادها أنّ السلطة تريد تجديد القيادة استجابة لدعوات أميركية تطالب السلطة الفلسطينية باصلاح وضعها الداخلي وترميم أجهزتها الأمنية والاتيان بحكومة كوادر وكفاءات بعد انتشار الفساد المالي والإداري في السلطة وكافة أجهزتها.

إنّ خطوة تعيين محمد مصطفى تأتي استباقاً لأية ضغوط ستتعرض لها السلطة الفلسطينية من قبل واشنطن والدول الأوروبية والمجتمع الدولي. وليس صدفة أن يقع الاختيار على محمد مصطفى إذ يسهل تسويقه لدى دوائر الحكم في واشنطن بصفته “تكنوقراطياً” لأنّ سيرة الرجل السياسية والمهنية هي أقرب للتكنوقراط منه لأن يكون ضمن أطر العمل السياسي المباشر، إذ أنّ مصطفى شغل منصب رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار الفلسطيني وعمل سابقاً في البنك الدولي وأستاذاً زائراً في جامعة جورج واشنطن.

هذه التطورات على الساحة الفلسطينية تأتي في ظل دخول الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة شهرها السادس على التوالي، وهو ما يستدعي الإسراع في انجاز الوحدة الداخلية بين الأشقاء الفلسطينيين. وإذا كانت الوحدة ستكون تحت مظلّة منظمة التحرير الفلسطينية، تاريخاً ومشروعية داخلية وخارجية، فإنّ تجديد أطر المنظمة السياسية والتنفيذية بات مطلباً ملحاً يجب وضعه على أجندة صنّاع القرار الوطني الفلسطيني. كما أنّ تجديد الهياكل والمؤسسات السياسية هو أمر ضروري، ولكن السؤال الذي يطرح اليوم: ما فائدة هذه المؤسسات طالما أنها محكومة بسقف اتفاق أوسلو، وما جدوى الاستمرار باتفاقيات أوسلو بعد كل الذي جرى في السنوات الثلاثين الماضية، وأي وظيفة ودور للسلطة، بعد أن قادتها وظيفتها التنفيذية لأن تُصبح أداة تسهيل للعدو للقيام بأعمال البطش والتنكيل والاعتقال والقتل في الضفة الغربية، لتصبح كغيرها من أنظمة رسمية عربية شريكة في الحرب والقمع وكم الأفواه لا بل في التواطؤ ضد مصالح شعب تُمثّله أو تدعّي تمثيله؟

لقد بدأت المشكلة عندما أقنعت القيادة الفلسطينية نفسها بأنها ستُهدى دولة يوماً ما. وسيُعطى للسلطة فرصة للتجذر والبقاء وديمومة العمل. هذه الأوهام التي تولدت عقب التوقيع على اتفاق أوسلو أضاعت النضال الوطني الفلسطيني الذي وضع نصب عينيه مهمة إقامة الدولة بدل تحرير الأرض. لذلك، فإنّ أي محاولة اليوم للتجديد ضمن الأطر التي رسمها الاحتلال ما هي إلا محاولة فاشلة.

تكمن المسؤولية الأساس في هذه المرحلة في صياغة رؤية وطنية لاستراتيجية تحرير مُتفاهم عليها من قبل جميع أطياف الشعب الفلسطيني. خلال العقود الماضية، تجمعّت عناصر قوة للقضية الفلسطينية ولكن للأسف لم تُوظف بالشكل المناسب بسبب غياب أي مصلحة للقيادة السياسية المؤتمنة على حقوق الفلسطينيين في تحقيق هذه الرؤية. ويتساوى الطرفان (فتح وحماس) في ارتكاب الأخطاء التي أماتت القضية الفلسطينية وأضرّت بالمصلحة الوطنية، ليغلب عليها الطابع الفئوي والحزبي حتى يومنا هذا.

إقرأ على موقع 180  ثالث إنتخابات إسرائيلية في سنة: أزمة هوية.. و"قيصر" فساد

مسألة أخرى وجب التطرق إليها هي أنّ الشعب الفلسطيني المشتّت في كل أصقاع الأرض يمتلك خبرات وقدرات هائلة. تظهر هذه القدرات بشكل خاص في هذه الأيام، كما خلال غيرها من الحروب الإسرائيلية، في عملية تحشيد الرأي العام الدولي مقدمين مساهمات قوية في أطر العمل الجماهيري والإعلامي والنقابي والسياسي في الدول التي يُقيمون فيها.

إنّ تحرير هذه الطاقات وتوظيفها في إطار واحد (مثلاً في إطار منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن تكون قد جدّدت خطابها وقيادتها وأدواتها)، من شأنه أن يسهم في بلورة استراتيجية وطنية للتحرير تأخذ كما أسلفنا بعوامل القوة التي اكتسبتها القضية في العقود الماضية وفي الوقت الحالي (سنقوم بتفصيلها في مقال آخر).

ينصّ النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية في المادة الرابعة منه بأنّ الفلسطينيين هم جميعاً أعضاء في المنظمة كما نصّت المادة الخامسة منه أنه يتم انتخاب أعضاء المجلس الوطني من خلال الاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني بموجب نظام تضعه اللجنة التنفيذية لهذه الغاية. وعلى هذا الأساس، فإنّ نصوصاً عدة تطوّرت لاحقاً، من ضمنها نظام انتخاب المجلس الوطني نفسه، لتمنح جميع الفلسطينيين الحقّ في ترشيح وانتخاب ممثليهم في المجلس. بناء على هذه النصوص، فإنّ مشاركة فلسطينيي الشتات في صنع القرار السياسي مُصانة غير أنّ القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية تجاهلت عن عمد هذا الحق في السنوات الماضية، غير آبهة بحملات شعبية ونقابية واجتماعية قام بها العديد من أطياف المجتمع الفلسطيني في الشتات.

ويُدرك القيّمون على عملية صنع القرار الفلسطيني القدرات الهائلة التي يختزنها الشبّان الفلسطينيون في المهجر، خاصة أن آلاف الفلسطينيين يحتلون مواقع مهمة في مؤسسات حكومية أو غير حكومية في دول العالم المتقدّم كما في دول الطوق والشتات الأخرى. في الحقيقة، يشبه خوف القيادة الفلسطينية من تحرير هذه الطاقات واعطائها حق الترشح والانتخاب، ذاك الخوف الذي رافق الطبقة السياسية اللبنانية من إعطاء المغتربين اللبنانيين الحقّ في المشاركة في العملية الانتخابية الأخيرة لما سيكون له من تأثير في مجريات العملية السياسية.

وفي الحالة اللبنانية مثلاً، اتضحّ أن نسبة تصويت المغتربين لمصلحة قوى المعارضة كانت كبيرة جداً وفاقت نسبة تصويت المقيمين في بعض الدوائر الانتخابية. وعلى هذا النحو، ثمة خشية حقيقية من أن يؤدي هذا الأمر المفاعيل نفسها في الساحة الفلسطينية.

إذا كانت أصوات المجتمع الدولي بدأت تتعالى الآن بضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلّة على حدود العام 1967، لا يجب أن ينسينا أنّ الهدف الأساس يتمثّل في إزالة الاحتلال الإسرائيلي نهائياً من أرض فلسطين التاريخية، قبل أن يُصار للحديث عن الدولة الموعودة

إنّ حرب الإبادة الجماعية التي يشنّها العدو الإسرائيلي تستوجب الشروع في صياغة استراتيجية وطنية للتحرير بعد تجميع أوراق القوة التي راكمناها سابقاً وحالياً. هذا المشروع يتطلب الآتي:

  • التعالي على الجراح؛
  • التخلي عن الأجندات الفئوية والضيقة لدى الفصائل؛
  • اشراك جميع القوى والفعاليات والأطر والأفراد في فلسطين والشتات في اعداد وصياغة وتنفيذ هذه الرؤية.

وإذا كانت أصوات المجتمع الدولي بدأت تتعالى الآن بضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلّة على حدود العام 1967، لا يجب أن ينسينا أنّ الهدف الأساس يتمثّل في إزالة الاحتلال الإسرائيلي نهائياً من أرض فلسطين التاريخية، قبل أن يُصار للحديث عن الدولة الموعودة، اذ يستحيل أن تقوم دولة فلسطينية ما لم يتمّ تحرير الأراضي التي يجب أن تبسط الدولة سيادتها عليها.

لقد نسي المعنيون هذا الأمر خاصة من هم في السلطة الفلسطينية الذين اعتقدوا أنّ بإمكانهم قيام دولة في ظل احتلال إسرائيلي، وأن تصغير حجم الأهداف تحت حجّة “الواقعية السياسية” من شأنه أن يُغري الغرب. غير أنّ الواقع يقول عكس ذلك. أضرّ تصغير الأهداف ولو مرحلياً بالنضال الوطنيّ الفلسطيني وأفقده بوصلته، وممارسات الاحتلال خلال السنوات الثلاثين الماضية خير دليل على ذلك.

 

Print Friendly, PDF & Email
عطالله السليم

كاتب وباحث سياسي

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  بوصلة غزة.. صراعنا أولاً مع الغرب الإستعماري