بل هُم أهلُ الحياة الحقّ.. لا أهل “ثقافة الموت”

تكرّر في الآونة الأخيرة استخدام عبارة "ثقافة الموت" في ما يعني توصيف بعض خطوات المقاومة اللّبنانيّة.. وكذلك بعض بيئة هذه الأخيرة للأسف. أمّا أن يصدر بعض هذا الخطاب من على منابر عنصريّة وفاشيّة معروفة، فما هذا بالمهمّ ولا بالمؤثّر ولا بالمستغرَب.. وأغلب هؤلاء ما هو إلّا تجسيدٌ قد غداْ كاريكاتوريّاً بالفعل للموتِ نفسِه: موتِ البُعد الرّوحيّ والحقيقيّ والعالميّ والمُحبّ والحرّ والأبيّ في الإنسان. وأمّا أن يصدُرَ بعضُه على لسان وبأقلام بعض "رجال الدّين"، فهذا ما يُثير العجب ويستدعي فتحَ حوارٍ حضاريٍّ متوازنٍ عاجل.

المنابر الفاشيّة، على اختلافها، لا يُعوّل عليها.. لا في لبنان ولا في غير لبنان. العنصريّة الظّاهرة والباطنة، والنّظرة الفوقيّة نحو بقيّة أهل وطنك ونحو بقيّة الشّعوب من حولك: تجعلك ميتاً مهما قلت أو ادّعيت أو مارست من طقوس دينيّة وغير دينيّة. كلّ تحرّكك الكلاميّ والاجتماعيّ والثّقافيّ والسّياسيّ لا يُحمَل إلّا على مَحمل الشّيطنة والجَلَبة والضّجيج. الرّدّ على الفاشيّين، من المُعجَبين ربّما بموسوليني وفرانكو وبينوشيه (وما وراء ذلك على الأرجح): مضيعة للوقت. لا نكون مع هؤلاء في سياق حديثٍ حول ثقافة الموت أو ثقافة الحياة أو ما شابه ذلك.. وإنّما نكون في سياق حديثٍ مع أهل الموت مباشرة، ومع شياطين القبور الذين لا يعيشون إلّا ظاهراً. وهم أمواتٌ تُحيطُ بهم ظُلماتُ الأرضِ والسّماء، ولكن لا يَشعرون.

بالمناسبة، داخل اليمين اللّبنانيّ السّياسيّ الحاليّ لا يصلح في الأغلب الحديث (السّياسيّ والإنسانيّ والثّقافيّ) إلى الآن: إلّا مع بعض المستقلّين الوطنيّين، وبعض العلمانيّين الصّادقين، وبعض التّجديديّين والتّغييريّين وأمثالهم، وبعض أهل “البيوتات” السّياسيّة الوطنيّة الجامعة والمحترمة، بالإضافة إلى بعض المتديّنين والمفكّرين والنّاشطين العالميّين بطبيعة الحال. ويصلح بالطّبع الحوار والحديث مع ذوي النّزعة العونيّة (وما شابهها)، الحاليّة أو السّابقة: لأنّهم وأمثالهم، في الغالب، أهلُ سياسة ولعبة مصالح سياسيّة.. لا أهل أيديولوجيا فاشيّة، أو أهل ترويج لأحقاد تاريخيّة يُنظِّرُ لها المُنظِّرون.

ومع ذلك، أدعو قيادات ونُخب اليمين اللّبنانيّ الأيديولوجيّ التّقليديّ المتطرّف إلى التّعقّل، وإلى ترك خطابهم الفاشيّ والعنصريّ (ولو حاولوا تغطيَته وتجميلَه مؤخَّراً ببعض العبارات الخشبيّة الظّاهريّة، وببعض السّيّدات اللّطيفات المحترمات، وببعض الرّجال من ذوي ربطة العنق الأنيقة وما إلى ذلك من أدوات ووسائل الغرور والخداع). وأدعوهم كذلك بصدق إلى الاعراض عن رهاناتهم الخارجية الفاشلة من جهة، وغير الأخلاقيّة تجاه إخوانهم في هذه الأرض من جهة ثانية.

هل “ثقافة الموت” هي التّوصيف اللّائق بمن يقف اليوم ويصرخ: أنا ضدّ الاحتلال الاسرائيليّ لأرض فلسطين، وأنا ضدّ استضعاف وظلم الشّعب الفلسطينيّ، وأنا ضدّ هذا الكيان المحتلّ الغاصب المعتدي، وأنا أُعِدّ له ما استطعت من قوّة ومن رباط الصّاروخ والبندقيّة والحركة السّياسيّة حتّى لا يتمكّن من الاعتداء على بلدي.. وحتّى لا يستفردَ بشعبيَ الحبيب في غزّة؟

إنّ جوهر القضيّة مع هؤلاء، هو برأيي، وبكلّ بساطة وبكلّ صدق معاً: عنصريّة عقيدتهم في الأغلب من جهة (إلّا ما رحم ربّي)، ورهانهم على المشروع الاستعماريّ الغربيّ بقيادة أميركا من جهة أخرى. وكلّ ما عدا ذلك ما هو إلّا تعقيب وتغطية وتجميل وتمويه. من يريد فهم حال هؤلاء في الرّاهن السّياسيّ المحلّي والإقليميّ، عليه أن يركّز على هاتَين النّقطَتَين الثّابتَتين عندهم للأسف: (١) العنصريّة-الفاشيّة الرّاسخة داخل منظومتهم العقائديّة السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة؛ و(٢) الرّهان على الاستعمار الغربيّ بمختلف أدواته وتجلّياته السّياسيّة والعسكريّة.

***

ولكنّ المثير للعجب وللاستغراب الشّديدَين كما سبق ورأينا، هو أن يقف بعض رجال “الدّين”.. ويتوجّهوا إلى بعض البيئات اللّبنانيّة التي تعتبر أنّها تضحّي اليومَ بالأغلى، وتستشهد في سبيل الحقّ الإنسانيّ وفي سبيل اللّه. المثير للعجب وللاستغراب أن يتوجّهوا إلى هؤلاء النّاس من خلال توصيف حالهم ومقامهم على أنّهما بطريقة أو بأخرى: حال ومقام “ثقافة الموت”.

نحن نتحدّث هنا في المبدأ عن رجال “دين” يقضون لَيلهم ونَهارهم في دعوة النّاس إلى الحقّ مهما كان الثّمن أو مهما كانت التّضحيات والمغريات. نحن نتحدّث عن رجال “دين” يُحدّثون النّاس ليلَ نهار عن أهمّيّة محاربة النّفس الأنانيّة والوهميّة.. وحول التّعويل على النّفس الحقيقيّة والأبديّة. نتحدّث عمّن يخطبون ويعظون ليلَ نهار حول مواضيع جوهريّة في نظرهم هُم، وفي نظر مؤسّساتهم الدّينيّة: التّضحية، بذل الأنفس والأموال في سبيل الحقّ، نصرة الضّعيف والمستضعَف.. وعدم اعتبار “موت الجسد” هو النّهاية.

نحن أمام الذين يَعظون ويُرتّلون ويُنشدون في الغدوّ والآصال: للحياة الحقيقيّة والأبديّة التي بشّر بها الرّبّ نفسه. نحن أمام الذين يُطالبون النّاس على الدّوام بالتّخلّي عمليّاً عن حياة الجسد الحيوانيّة الفانية وحياة الإنّيّة (Ego) الوهميّة كما ذكرنا.. ويدعونَ النّاسَ إلى طلب الحياة الحقيقيّة.

فكيف يخرجُ من أفواه هؤلاء ومن أقلامهم كلامٌ كهذا مُوجّهٌ إلى إخوانهم الذين يُؤمنون بما يُؤمنون هم أنفسهم به.. ولو اختلفت بعض التّسميات والرّموز والصّور؟ أيّ “دينٍ” وأيّ “رجل دينٍ” يَصِفان من ينصر المستضعف في الأرض والمحروم والمظلوم.. على أنّه من أهل “ثقافة الموت”؟

هل “ثقافة الموت” هي التّوصيف اللّائق بمن يقف اليوم ويصرخ: أنا ضدّ الاحتلال الاسرائيليّ لأرض فلسطين، وأنا ضدّ استضعاف وظلم الشّعب الفلسطينيّ، وأنا ضدّ هذا الكيان المحتلّ الغاصب المعتدي، وأنا أُعِدّ له ما استطعت من قوّة ومن رباط الصّاروخ والبندقيّة والحركة السّياسيّة حتّى لا يتمكّن من الاعتداء على بلدي.. وحتّى لا يستفردَ بشعبيَ الحبيب في غزّة؟ نعم: وحتّى لا يستفردَ بشعبيَ الحبيب في غزّة!

منذ متى تعتبرُ أديانُنا أنّ الفداء والتّضحية والشّهادة والصّبر والتّحمّل في سبيل مساندة الحقّ: ثقافة موت.. أو “ثقافة الموت”؟ منذ متى تقول أديانُنا إنّ القبولَ ببعض الخسارة المادّيّة والجسديّة في سبيل تحقيق ارتقاء النّفس الانسانيّة: هو من باب “ثقافة الموت”؟ منذ متى كان الجهاد في سبيل تحقيق العدل.. ثقافة موت؟

إقرأ على موقع 180  بعد الدونباس.. زيلينسكي يتواضع أو يستدرج "بطرس الأكبر"!

حقّاً، إنّما أمرُ بعضِ رجالِ الدّينِ حول العالم ومن كلّ المذاهب والأديان.. عجيب. ففي هذا المثال بالذّات، هناك من يحدّثك ليلَ نهار عن أهمّيّة ثقافة الفداء والتّضحية والشّهادة، ويُسهب في شرح أمور بقاء الرّوح وفناء الجسد.. ثمّ يأتيك – في لحظة تاريخيّة مفصليّة كهذه – بخطاب عجيب كهذا.

هل يُحبّ بعضُ رجال الدّين أن يظهرَ دوماً بمظهر من يَعظُ النّاسَ ولا يَتَّعظ؟ أو بمظهر من يُسمع الخطابَ ولا يسمع.. على حدّ قول أبي الفتوح الغزّاليّ لأخيه أبي حامد، وقد دخل عليه وهو يخطبُ في الزّهد، وقد أحاطَ نفسَه بمظاهر الغنى والبذخ والفحش:

أخَذْتَ بِأَعْضَادِهِمْ إِذْ وَنُوا / وَخَلَّفَكَ الْجهْدُ إِذْ أَسْرَعُوا

وَأَصْبَحْتَ تَهْدِي وَلاَ تَهْتَدِي / وتُسْمِعُ وَعْظًا وَلاَ تَسْمَعُ

فَيَا حَجَرَ الشَّحْذِ حَتَّى مَتَى / تَسُنُّ الْحَدِيدَ وَلاَ تَقْطَعُ؟

فعلاً، متى يا تُرى يكفُّ الكثيرُ من رجال الوعظ والدّين المؤسّساتيّ، من جميع الأديان والمذاهب، في لبنان وحول العالم: عن وعظِنا.. ويعودون إلى وعظِ أنفسهم أوّلاً؟ كيف تحكون في مثالِنا قيد البحث: عن أهمّيّة وسموّ قِيَم كالفداء وكالتّضحية وكمحبّة الآخر لا سيّما المظلوم، وكالحياة الحقيقيّة الأبديّة (أي: ما فوق هذه “الحياة” الدّنيويّة الوهميّة غالباً).. ثمّ تخرجون بخطاب كهذا تجاه قومٍ ظُلِموا في الماضي فطلبوا المقاومة ضدّ من ظلمهم، وهم يخرجون اليوم فادِين مُضحِّين في سبيل قضيّة محقّة هي قضية أرض فلسطين وقضيّة شعب فلسطين؟ أم “ثقافة الحياة” تقتضي عندكم أن ننسى هذه القضيّة أو أن نجلس متفرّجين بحجّة “السّيادة الوطنيّة” و”الحدود” المفروضة على البشر لا سيّما منهم أهل منطقتنا؟

أيّ “حدودٍ” يؤخذُ بها مع وجود الظّلم ووجوب تحقيق العدل؟ أيّ “حدودٍ” يؤخذُ بها مع نفاذ الأمر الإلهيّ العالميّ المقدّس بنصرة المظلوم والمحروم والمستضعف؟ أيّ دين يقبل بتقديس حدودٍ وضعها الاستعمار وفرضها فرضاً بقوّة السّيف والبندقيّة؟ أن نُؤمن بأنّ لبنان هو وطننا، وبأنّ علينا احترام حدوده: أمرٌ مهمٌّ جدّاً بلا شكّ. ولكن: أن يجعلنا ذلك نؤمن بقدسيّة وبأبديّة “حدودٍ” وضعها بشرٌ من عندنا ومن عند الفِرنجة والإِنكليز.. وأن نستخدم القدسيّة والأبديّة الوهميّتَين هاتَين، للتّخلّف عن نصرة إخوان لنا من المشرقيّين والعرب، فهذا أمرٌ مرفوض، و”ليزعَل” منّا من يريد.

إنّ “حدودَ الله” التي تعظون النّاس حولها أهمُّ عندي من “حدودِكم” الوهميّة.. والتي تدّعون لها قداسةً، وهي بالتّأكيد قداسةُ أهل دنيا لا قداسة أهل آخرة.

من حقّكم أن تنتقدوا المقاومة اللّبنانيّة وجمهورَها في هذا الأمر أو ذاك.. لكن ليس من حقّكم أبداً أن تدّعوا أنّهم أهل “ثقافة الموت”، وهم أهل الحياة – كلّ الحياة – حسب أدياننا جميعاً.. لكأنّكم نسيتم ذلك أو تتناسون!

***

إنّ خيرَ توصيفٍ للذين يدافعون عن بلدهم، وعن المظلومين والمستضعفين من أهل اثنيّتهم وثقافتهم ومنطقتهم ودينهم.. أي أولئكَ الذين يشترون الآخرة الباقية بالدّنيا الفانية، ويُحسنون الظّنّ بربّهم، وبِوَعدِه يستبشرون: هو توصيف “أهل الحياة الحقّ”. فمن ذا الذي يستحقّ أكثر من هؤلاء لقبَ: “أهل الحياة”؟

ليسَ من الضّروريّ أن نُطيلَ الكلام حول هذه القضيّة الآن، علماً بأنّ المقصد النّهائيّ هو الحوار لا السّجال مع أهل الله وأهل المعابد من كلّ الأديان، ومع أهل البيوتِ التي أذِنَ اللهُ أن تُرفعَ ويُذكَرَ فيها اسمه (وأن يُسبّحَ له فيها في الغدوِّ والآصال رجالٌ ونساءٌ لا تُلهيهم في المبدأ: تجارةٌ، ولا بيعٌ، ولا سياسةٌ، ولا زيارةُ بعض السّفراء والمبعوثين). الهدف مع أهل الله وأهل الإيمان، من جميع الأديان، خصوصاً من أهل بلدنا: هو الحوار. ولكنّ المهمّ هو أن نتذكّر ما يقوله أهل المعرفة والحكمة من جميع الثّقافات على هذه المعمورة:

(١) إنّ “الموتَ” بكرامة هو خيرٌ من “العيش” مع الظّلم والذّلّة؛

(٢) إنّ أهل “الحياة” الحقيقيّين هم المستغنون عن الحياة الوهميّة الفانية، والطّالبون للحياة الحقيقيّة الباقية.

ولذلك، فإنّ خيرَ توصيفٍ للذين يدافعون عن بلدهم، وعن المظلومين والمستضعفين من أهل اثنيّتهم وثقافتهم ومنطقتهم ودينهم.. أي أولئكَ الذين يشترون الآخرة الباقية بالدّنيا الفانية، ويُحسنون الظّنّ بربّهم، وبِوَعدِه يستبشرون: هو توصيف “أهل الحياة الحقّ”. فمن ذا الذي يستحقّ أكثر من هؤلاء لقبَ: “أهل الحياة”؟

لذلك، يتوجّب علينا جميعاً أن نقيمَ حوار أهل محبّة ومعرفة، والمحبّة عند أهل الله هي عين المعرفة. ولنستلهمْ من هذا البيت الجميل المنسوب إلى شيخ الصّوفيّين الأكبر، وكبريتهم الرّوحيّ الأحمر، محيي الدّين بن عربي (بتصرّف طفيف):

إنَّ الذينَ لَهمْ حُبٌّ ومَعرفةٌ:

(قتلىْ)، وهُمْ عندَ أهلِ اللهِ.. (أحياءُ)!

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  تجاهل الاستنزاف تجهيل بأكتوبر.. شهادة خالد عبدالناصر