وليد دقة و”جود”.. و”حكاية سرّ الزيت”

درج أدباء في العديد من الثقافات العالمية على اعتماد الكتابة المتوسلة بلسان الحيوان لتمرير رسالة ما ضد حاكم فاجر أو مجتمع ظالم، فيحكي القط والكلب والأرنب والعصفور والحمار مع الإنسان والشجر. الإنسان الذي بات في ظل القهر والاستبداد والاحتلال حيواناً غافلاً وصامتاً عن حقوقه، حتى عن المُطالبة بلقمة عيش بسيطة لا تتعدى رغيف خبز يابس وكمشة طحين حاصرهما محتل غاصب.. وجار صامت.

“حكاية سر الزيت” يسردها لنا الأسير الشهيد وليد دقة بأسلوب سلس غير خطابي ولا شعاراتي، تتمازج فيه الحقيقة المعيوشة المؤلمة مع الواقع القاسي الذي نحتاج أحياناً أن نتناساه أو أن نحتال عليه، كما احتال وليد دقة على لسان البطل جود في ما يتعلق بقصة الزيت الذي يُخفيّ الأشخاص.

المأساة الفلسطينية تشرّبتها شجرة أم رومي فاستخرجت حلاً سوريالياً يجعل الأماني أمراً واقعاً، وهو ما حصل في قضية أسرى سجن جلبوع الذين استعانوا بإبرة ومسمار ليصيروا خارج أعتى السجون الصهيونية وأكثرها تشدداً. هؤلاء، وإن كانوا قد عادوا إلى السجن، لكن حلمهم لم يعد مستحيلاً، وهذا هو حال “طوفان الأقصى” الذي أشعل قلوب الأحرار فرحاً بأن العدو ليس بمستوى الوهم الذي زرعه الاستبداد العربي وإعلامه في عقولنا منذ نعومة أظافرنا.

أهل الجنوب اللبناني مثلاً قاوموا بالزيت المغليّ.. ووليد دقة قاوم بكتاباته ورواياته وبنطفة صارت وريثة حلمه ومُحقّقته، وكارول منصور بإعادة رفاة والدتها إلى يافا، وكل مبدع ومبدعة، ومتفوّق ومتفوّقة، بالزيت ـ الإنجاز الذي دهنوا به أجسامهم، “زيت أم رومي”؛ زيت كل بلدة وقرية وحيّ كحيّ الشيخ جرّاح وجنين ونزار بنات الشهيد، ورسومات فنانين فلسطينيين في كل أصقاع العالم من بيروت مروان عبدالعال إلى غوستافو بِترو كولومبيا إلى راشيل كوري الولايات المتحدة وبريان إينو بريطانيا؛ من مخيم عين الحلوة إلى مخيمات رفح، المُبدع الفلسطيني قاوم بسلاحه السري، سلاح إثبات الذات الحرة المجبولة بالدم والاعتقال وتراب الأرض..

هكذا أراد وليد دقة في رواية وحكاية وَضَع فيها من ذاته ومن أحلامه ورؤاه ونقده وسعيه؛ إنّها “حكاية سرّ الزيت”، حكاية شجرة وطفل، حكاية أسير ومحتل، حكاية أبو ناب الذي تاب ورجع إلى ضميره، ولم يعد يعتقل المقاومين في هذه المدينة أو تلك.

كل فلسطين في هذه الحكاية، التي تصلح لأن تكون شريطاً كرتونيّاً للأطفال الناشئين “العرب” الذين لم يسمعوا من أهلهم شيئاً عن فلسطين؛ نعم، لنضع كلمة “العرب” بين قوسين منذ ما بعد 7 أكتوبر، لأن هذه الصفة الجامعة لم تجمع، ولم تُحرك ساكناً فيهم، فهي كما قال بعض الساخرين “يستحقون لقب (البطريق)”.

من سجن جلبوع الشهير نفسه خرجت هذه الحكاية، في العام 2017، ولم تكن الأخيرة، فقد درج المفكر والقيادي وليد دقة على الإبداع، فهل ينال مبدعونا الأبطال يوماً ما تكريماً على نتاجهم المميز؟ وهل نُخرجهم من الأطر السياسية والشعاراتية لنكتشف ابداعاتهم الأدبية التي لا تقل أهمية عن أية رواية عالمية أخرى؟

نحنُ لا نُكرّمهم حين نكتب عنهم، بل نُكرّم أنفسنا؛ هم الذين كشفوا بالنص والقلم والتقرير والتوثيق والإعلام والأدب والرواية ما لا يمكننا الحديث عنه لأننا نتكلم كما حكامنا في الهواء؛ ننثر كلمات دعمنا الكاذب، سعيّا لاحترامٍ هنا أو هناك!

ومن المهم أن “مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي” قد اهتمت بهذه الحكاية فنشرتها ولم تُبقِها قيد الأوراق، في تسجيل هو عبارة عن موقف وطني وقومي راقِ. وجهها وليد دقة “الشهيد” الحيّ حينها “إلى كل البالغين الذين حرمهم السجن طعم الطفولة” لأن السجّان الصهيوني لم يرحم لا الأسرى بين القضبان ولا الأسرى داخل الأراضي المحتلة منذ العام 1948.

تبدأ الحكاية بشكل كلاسيكي كمدخل لأية حكاية يهواها الأطفال، وما أن نصل إلى الصفحة 30 حتى يبدأ الحكي وعلى مستوى عال عن (التنسيق)، وهي مهمة الأجهزة الأمنية الفلسطينية داخل الضفة الغربية، والتي مهمتها اعتقال المقاومين وسجنهم في سجونها للتخفيف عن المحتل أو التجسس عليهم وتسليمهم للسلطات المحتلة. ويكمل ليقول:

 “ليش أبو ناب ومش أبو نياب؟ فتح أبو ناب فمه وأراهم أسنانه وقال: “زي ما إنتو شايفين، ما عندي إلا ناب واحد”. وين أنيابك؟ سأله الخنفور. “كسروها الأمريكان”.

ويُكمل بمستوى عالٍ جداً من التلطيش السياسي حول كيفية ترويض عناصر الأجهزة الوطنية لكي يصبحوا حراساً للإحتلال.

هذا النص الأدبي ـ السياسي يُساهم، بشكل أو بآخر، بالمزيد من العقاب والسجن الذي إمتد طيلة أربعة عقود من الزمن أو أكثر. لكن “أبا ناب” هرب من الخدمة التنسيقية الحقيرة ونجا بنفسه ورجع لأصله الوطني. فليس الجميع من يرضى بمهمة كمهمة “الكلب أبو ناب”.

وما يُميّز النص هو توصيف الأدوار ومنها دور “الحمار براط” الذي يرفض الخروج من إطار سجنه ويُفضّل الرعي وأداء دوره الأقل من عادي في وطن يحتاج إلى “سوبرمانات” كثيرة و”مجانين” تنسف الواقع الراكد الذي أشعرنا أن القضية في فترة من الفترات قد ماتت، على وقع التطبيع الإبراهيمي.

استعمل وليد دقة الشجرة بما ترمز إلى الأرض والأم والجذور والعشق والوحدة والجمع والقوة، وكلها معانٍ و”نكوزات” للأطفال كما تصلح لأن تكون سلسلة حياة تختصر الزمن الفلسطيني كله.

إقرأ على موقع 180  إقرأ باسم ربكَ.. أو شعبكَ

وما يلفت الإنتباه هو الأسلوب الأدبي الراقي:

 “أنصتَ جود محاولاً فهم اللغة فهذه هي المرة الأولى التي يخاطب فيها شجرة: “اقترب مني حتى تسمع وتفهم ما سأقول”. قالت أم رومي بصوت عريض وعميق وكأنه آت من جذورها الضاربة في أعماق الأرض.

.. أنا في ظلِّي استظلّتْ شعوب، وفي زماني انهارت ممالك، واختبأ في جذعي هاربون من السلطان، وأكل من زيتوني وزيتي رُسُلٌ وحُجَّاجُ ومسحوا به على أجساد الرُّضّع، وأضاؤوا به بيوتهم وبيوت الله. في الزيت سرّ لم يمنحه أجدادي لأحد سوى لطفل قبل أكثر من ألفي عام، فمسح الطفل الزيت بكفه بقلب طاهر على وجوه المرضى فشفاهم وقلبك يا جود طاهر أبيض كالثلج، فقد سمعت صرختك وأنت تنادي أباك صرخة مزقت أطهر من صرخة طفل مقهور ينادي أباه، واليوم أمنحك سرّي لتشفي أهلك والناس من وباء العصر، و…”.

في إشارة إلى ولادة السيد المسيح ومعجزته التي تقول إن الأرض أرض الديانات السماوية السمحة لا الأفكار التلمودية المجرمة.

“أم رومي” و”جود” توأمان في حبّ الأرض، هي التاريخ والحضارة وهو المستقبل والحداثة والحرية. لا وجود للثاني دون الأول وبالعكس، مع مساعدين ثانويين كـ”براط وأبو ناب والسمور والخنفور وأبو ريشة”.

ويصف وليد دقة الأرض كأنه يصف جسد إنسان جريح مقاتل مناضل، في تعبير قد لا يخطر على بال أحد، فيقول:

“.. فاجتثت أشجار الزيتون من جذورها وأزالت معها الطبقة الترابية الحمراء وكأنها لحم الأرض، فبانت طبقات بيضاء من الجير الجوفي مُشكّلة دهنها أو عظامها المُهمشة التي كُشِفت للريح”.

مع “أم رومي” السر العظيم، وهو دواء لوباء العصر “فقدان الحرية” الذي بفعل زيت “أم رومي” يتحرر الشعب، وبدهنة صغيرة منه يُعمى العدو عن رؤية المقاومين، فلا يراهم وتغشى عيناه فيصبح أعمى البصيرة. حريتنا هي “زيت أم رومي” وخلاصنا من الاحتلال. عندما نتحرر من عبوديتنا نخلع ثوب المحتل عن ترابنا. وخلاصة فكر وليد دقة ختامه من خلال العمل على تحرير المستقبل.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى فاضل

صحفية لبنانية

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  جبران تويني مؤسس "النهار".. العروبة الصافية