لو سمعتَ المتنبّي.. ألا يصيحُ قلبُكَ بتَكْبيرٍٍ أو بدعوةٍ لقتالٍ؟ (1)

بعدَ أن رأينا عدداً من الأمثلة الجميلة والمُعبّرة وذات البلاغة: على طريقة أبي الطّيّب أحمد بن الحسين الجُعفيّ الكُوفيّ (المُتنبّي) في انتاج فنّ "الإعلام الحربيّ" من خلال الشّعر العربيّ التّقليديّ.. حانَ الوقتُ لكي نعرضَ بعضَ نتائج تحليل هذا النّوع من الفنّ ولو باختصار شديد وحانَ الوقتُ أيضاً لكي نَعرضَ فكرَتَنا حول تميّز شعر أبي الطّيّب (وأمثالِهِ من شعراءِ العَرَب) باستخدام سلاح "الواقع الشّاعريّ" (المُتخيَّل أو المُصطَنَع أو المَوْصوف إلخ.).. على قياس فنون وأهداف ما يُسمى "الإعلام الحربيّ".

لنتوقّفْ سويّاً قبلَها عندَ هذه اللّوحةِ الشّعريّةِ الجميلةِ والمُعبّرةِ والنّموذجيّة:

يستقبلُ أبو الوَغَى وابنُ أبيْ الهَيْجاء (أبو الحَسنِ سيفُ الدّولة الحَمَدانيّ): سفراءَ لمَلِكِ الرّومِ بني الأصْفَر.. جاؤوا لزيارته بهدف التّباحث حول تبادلٍ للأسرى أو فداءٍ متبادلٍ بين الطّرَفَين في الموضوع عينِه وما إلى ذلك. وإذا بِخدَمِ الأميرِ عليِّ بن عبدِاللهِ يأتون بلبؤة مقتولة، قد يكون عليّ بن عبدالله قَتَلها بنفسِهِ في الصّيد، ومعها ثلاثةُ أشبالٍ على قيدِ الحياة.

فيدخلُ أبو الطّيّبِ إلى المجلسِ ويرى المشهَد أمامَه: أبو الوغى الحَمَدانيُّ مع سفيرِ ملكِ البيزنطيّين، وأمامَهما الغلمان واللّبؤة المقتولة، والأشبال المَسبيّة. فيُنشِدُ في مجلِسِ سيفِ الدّولةِ بعد استئذانِه:

لَقيتَ العُفَاةَ بآمالِهاْ / وَزُرْتَ العُداةَ بآجالِهاْ

أيْ لقيتَ، يا أيّها الأميرُ المغوارُ: عُفاتَكَ بآمالِها فيك وفي جودك وفي كرمك وفي احسانك وفي فضلك. أمّا أعداؤك: فقد زُرتَهم ببأسِكَ أخي المَنِيّة والطَّعن والموت والأجَل.

وأقْبَلتِ الرُّومُ تَمْشيْ إِليْ -/ – كَ: بَيْنَ اللّيُوثِ وأشْبَالِهاْ

إذاْ رأتِ الأُسْدَ مَسْبِيَّةً / فأيْنَ تَفرُّ بأطْفَالِهاْ؟

أمّا الرّومُ: فقد جاءَتْكَ تمشيْ إليكَ بين اللّيوثِ المَقتولةِ وبين أشبالِها المَسبيّة السّجينة. إذا كان هذا هو قَدَرُ ونَتيجةُ لقاءِ أبي الهَيجاء بالضّراغمِ وبالأسودِ وبالسِّباع.. فأينَ ستفرُّ بنو الأصفَرِ بأطفالِها مِن هذا القَدَرِ نفسِه؟ ما هذه الكارثة الكبيرة التي وقعت على بني الأصْفَر؟ (لاحِظْ فنّ بناء و/أو تصوير الواقع الشّعريّ أو الشّاعريّ المدروس والمقصود).

تخيّلْ معي حالَ مجلِسِ سيفِ الدّولةِ بعد انشادِ هذه الأبيات، وحالَ الوفدِ الرّوميّ المسكين. والأهمّ: ركّزْ معي على هذا الضّرب من ضروب “الخَلق الشّاعريّ” لواقِعٍ ما-فوق-الواقع (إن صحّتْ التّعابير).

***

ما الذي يُميّزُ هذا النّوعَ أو هذا النّمطَ من “الشّعر الحربيّ” إن صحّ التّعبير؟

قيلَ الكثيرُ حول هذه القضيّة، ولا لزومَ للعودةِ إلى تفصيلِ ذلك. ولكن، بالإضافة إلى:

  • الاختيار الرّائع بل العبقريّ للكلمات وللمفردات؛
  • التّركيب الفريد للتّعابير وللجُمل؛
  • الاستخدام الماهر جدّاً للموسيقى الشّعريّة؛
  • الاستعمال الجميل جدّاً، والعبقريّ أيضاً في أحيان كثيرة، لأدوات الرّمز والصّورة والتّشبيه والمجاز وما إلى ذلك.

.. بالإضافة إلى ذلك كلّه، أودّ شخصيّاً ذكرَ ما يلي في هذا الإطار:

  • تَميُّزُ هذا النّمط، لا سيّما عند أبي الطّيّب، بتضمّنه لموسيقى لكن من النّوع العسكريّ-الحربيّ تحديداً: في الشّكل وفي المعنى معاً. تخالُ نفسَك، في كثيرٍ من الأحيان، داخلَ المعركة تماماً: بأحداثِها وصُورِها وأصْواتِها.. بل وبأغلبِ أحاسيسِها جميعاً؛
  • تَميُّزُهُ أيضاً بقوّة التّأثير على ذي السّليقة العربيّة، وعلى ذي الوجدان العربيّ المُبين (وأحياناً: الإسلاميّ)؛
  • والأهمّ من ذلك كلّه برأيي: هو تميّز هذا النّمط (أو هذا النّوع) من الفنّ الشّعريّ بخاصّيّة استخدامه الماهِرِ جدّاً لعمليّة يمكن تسميتُها بعمليّة “خلق الواقع الشّاعريّ” (المدروس جيّداً، وذي المغزى والمقصد). إنّها عمليّةٌ مُتواجدةٌ في الشّعر عموماً، ولكنّها تلعبُ برأيي دوراً محوريّاً جدّاً ضمن هذا النّوع “الحربيّ”. فالشّاعر، من خلال الكلمات والموسيقى والصّور والرّمز والمجاز (إلخ.): يدفعُك دفعاً نحو عالمٍ جديد، بل يذهب بك إلى “واقعٍ” جديد يُفصِّلُه على قياسِ أهدافِهِ ومقاصِدِه.

يُمكنُ الادّعاء واقعاً إنّ الأدوات والعمليّات والتّكتيكات والفنون المذكورة آنفاً.. تهدفُ بشكلٍ خاصّ إلى تحقيقِ هذا الهدف الجوهريّ في نهاية المَطاف.

إذ أنّك، عند قراءة هذه القصائد وتذوّقها شكلاً ومعنىً: ترى نفسَكَ – كعربيّ بشكل خاصّ – تدخلُ بشكل شبهِ فوريٍّ في زمانٍ ومكانٍ وأبعاد من نوعٍ “مُختلف”. قد يصحّ القولُ إنّك تخرجُ (Shift) من هذه الدّنيا بشكلٍ أو بآخر نحو عالمٍ أسطوريّ، أو لنقلْ نحو عالمٍ باطنيّ مُعيّن. ليسَ بالعالَم الرّوحيّ المُرتفع تماماً عن هذا العالم المادّيّ، ولكنّه مع ذلك عالمٌ لا شكّ: متعالٍ عن/على هذا الأخير. وقد يكون بَرْزخاً مُعَيّناً بين عوالم النّاسوت-المادّيّة البحتة، وبين العوالم الرّوحيّة الأعلى.

يُصوِّرُ لَكَ الشّاعرُ هذا العالم، أو يعكِسُهُ على مِرآة وعْيِك (بما فيهِ قلبك ووجدانك). أو ربّما يَرسمُه لك. أو ببساطة: هو يتخيّلُهُ أو يصطَنِعُهُ أو يتَوَهَّمُهُ (بحسب إيمانك). ولكنّ القصائدَ هذه، لا شكّ، تُدخلُكَ على أيِّ حال: في عالَمٍ “مُختلف”، في أبعادٍ “أُخرى”. هيَ ترحَلُ بِك، يا ذا السّليقةِ والوجدانِ العَرَبِيَّين، إلى زمانٍ-مكانٍ “آخر”: لهُ مَوجوداتُه وظواهِرُهُ الخاصّة، ولهُ أهلُهُ الخاصّون.. ولهُ أبطالُهُ وقواعِدُهُ وقِيَمُهُ ونَغَمَاتُهُ وموسِيقَاهُ ورائحَتُهُ.. وفيهِ تُرىْ نفسَكَ أمامَ أناسٍ كأبي الوَغى وابنِ أبي الهيجاء.

وعندما تتذوّقُ جيّداً، من خلال سحرِ شعرِ أبي الطّيّب: ما يُقال في ذلك الحَمَدانيّ التَّغلِبيّ، وفي صفاتِه وقيَمه وبطولاتِه وصَولاتِهِ وجَولاتِه.. فمن الصّعبِ حينَها، أو بعدَها، ألّا يصيحَ قلبُكَ إمّا بتَكْبيرٍ، أو بدعوةٍ لقتالٍ مُلِحٍّ فَوْريّ.

أو ربّما يصيحُ قلبُكَ العربيُّ بتجريدِ سيفٍ ذي حدٍّ مُبين، أو تلقيمِ رشّاشٍ أبي رَصاصٍ مَكِين: وليُؤتَ لنا بدُمستُقِ بني الأصفَرِ هذا، أو بدُمُستقِ بني الأزرَقِ أو بدُمُستقِ بني صهيون.. أو بدُمُستُقِ كلّ مُحتلٍّ ظالِمٍ جبَّارٍ لَعين!

إقرأ على موقع 180  واشنطن "تُحرج" الإمارات: معنا أم مع الصين؟

هلْ مَن يدلُّ هذا القلبَ العربيَّ المسحورَ من قِبَلِ إعلامِ أبي الطّيّب الحَربيّ: على الدُّمستُقِ وجُنودِه.. فتَتِمّ كلمةُ ربِّك – بضربِ الصَّوارمِ والرَّصاصِ والصَّواريخِ والقَنَا – أنَّ الأرضَ لا يرِثُها غيرُ قومٍ صالِحين؟

نُحذّرُ طبعاً من تذوّقِ فنٍّ كهذا من دونِ أخذٍ بقواعدِ العقلانيّةِ والاعتدال، ونحن هنا في صددِ درسٍ وتحليل، وناقلُ الشِّعرِ العبقريّ.. ليس بشاعرٍ ولا بجِنّيٍّ ولا بعَبقرِيّ. ولنَعُدْ بعدَ ذلكَ التّنبيهِ إلى بعضِ الأمثلة العَجيبة من شعرِ أحمد بن الحُسَين الجُعفيّ الكِنديّ المذحِجيّ، إذ يقولُ لسيفِ الدّولةِ في واحدة من أشهر قصائده، وهو يتحدّثُ عن نُسورِ السّماء:

يُفَدّيْ أتَمُّ الطّيرِ عُمْراً سِلاحَهُ: / نُسورُ المَلا، أحداثُها وَالقَشاعِمُ

أيْ تصرخُ صغارُ النّسورِ وكبارُها وأفتَكُها لسلاحِ سيفِ الدّولةِ خلال المَعرَكة أنْ: أرواحُنا لكِ الفِدى! لماذا؟ لأنّه من كثرةِ رَميِ أبي الوَغَى لجُثثِ القتلى من الأعادي.. يهدي الطّيورَ طعاماً من غيرِ أن تَصطاد:

وَما ضَرَّهاْ خَلْقٌ بِغَيرِ مَخالِبٍ / وَقَد خُلِقَتْ أسيافُهُ وَالقَوائِمُ؟

وما ضرَّ بعضَ هذه الطّيورِ أنّها خُلقَت بغير مَخالبٍ، وقد خُلِقتْ سيوفُ ورماحُ وأسلحةُ ابنِ أبي الهَيجاءِ لتُعوّض عليها؟ ثمّ يصفُ نتيجةَ أحد أهمّ معارك سيف الدّولة (معركة الحَدَث):

تَقَطَّعَ مالاْ يَقطَعُ الدِّرعَ وَالقَناْ / وَفَرَّ مِنَ الأبطالِ مَنْ لا يُصادِمُ

وَقَفْتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ لِواقِفٍ / كَأنَّكَ في جَفنِ الرَّدىْ وَهوَ نائِمُ (…)

تَجاوَزتَ مِقدارَ الشَّجاعَةِ وَالنُّهىْ / إِلى قَولِ قَومٍ: أنتَ بِالغَيبِ عالِمُ!

حقّاً، هل قِيلَ أبداً في قائدٍ ما قيلَ في هذا القائِدِ الحَمَدانيِّ الذي يقفُ للموتِ كأنّهُ واقفٌ لهُ في جِفنِه.. فلا يستطيعُ الموتُ أن يراه حتّى؟ هل خلّدَ شعرُ أبي الطّيّب أبا الحَسَن، أم أنّ اللهَ سبحانَهُ قد خلَّدَ ذكرَ أبي الحَسَنِ وأبي الوَغىْ من خلال شعر أبي الطّيّب؟ أمّا عن الدُّمُستُقِ الرّوميّ (Domesticus) الذي لا يتوب.. فلا حولَ ولا قوّةَ إلّا بالله:

أفِيْ كُلِّ يَومٍ ذا الدُّمُستُقُ مُقدِمٌ:/ قَفاهُ عَلى الإِقدامِ لِلوَجهِ لائِمُ؟

أيُنكِرُ ريحَ اللَّيثِ حَتّى يَذوقَهُ: / وَقَد عَرَفَتْ ريحَ اللُّيوثِ البَهائِمُ؟

ألا يفهمُ هذا الدّمستقُ لومَ قفاه الهَارب لوجهِهِ المُقدم على هذه الفعلة.. فعلةِ السّيرِ مُجدّداً للقاء ابنِ أبي الهَيجاء؟ ألا يشمّ رائحة اللّيوث فيتجنّبها، وهذا ما تُجيدُ عَمَلَه.. حتّى البهائمُ؟

نَثَرْتَهُمُ فَوقَ “الأُحَيدِبِ” كُلِّهِ: / كَما نُثِرَتْ فَوقَ العَروسِ الدّراهِمُ!

لقد نثرتَ يا سيفَ الدّولةِ جُثَثَ جنودِ بني الرّومانِ على جَبَل “الأُحَيدِب” هذا يوم المعركة: كما تُنثَر فوقَ العروسِ يومَ عُرسِها الدّراهمُ.. فكأنّ الأُحَيدِبَ قد غدا عَروسَ ذلك اليوم! هل يجوز للقلبِ العربيّ المبين، بعدَ هذا البيت، غيرُ التّكبير المُبين.. كما رأينا؟

وكالعادة، سيفرّ الدُّمستُقُ ابنُ الأصفر، ويُعطي سيفَ الدّولةِ الأسرى والغنائم، مسروراً بنجاتِهِ من مُهنَّدِ أبي الوَغى وقذّافِ القَنَا. فيَقول أبو الطّيّب في سياق ما رأيناه عن الواقعِ المُتَعالِ المُصوَّر:

حَقَرتَ الرُّدَينِيّاتِ حَتّىْ طَرَحتَهاْ / وَحَتّى كَأنَّ السَّيفَ لِلرُّمحِ شاتِمُ!

أيْ وصَلَ الضّربُ بهاماتِ جنودِ الرّومِ يومَها لدرجةٍ، رمى سيفُ الدّولةِ وجُندُه معَها الرّماحَ وحقّروها.. فلم يقبلوا لأنفسهم بعد ذلك إلّا الضَّربَ بالسّيوفِ مُباشرة، من غير مسافة بينهم وبين الأعداء. فكأنّ السّيوفَ قد شتمتِ الرّماحَ يومَها لقلّة شجاعتِها في الوغى.

وَمَنْ طَلَبَ الفَتحَ الجَليلَ فَإِنَّماْ / مَفاتيحُهُ: البِيضُ الخِفافُ الصَّوارِمُ

من يطلب الفتحَ الجليلَ المُبينَ: لن يلقاهُ إلّا بالمواجَهة المباشرة، تماماً كالمواجَهةِ المباشرة بين السّيفِ وبين دروعِ الأعداء ورقابهم.

وَلَستَ مَليكاً هازِماً لِنَظيرِهِ / وَلَكِنَّكَ: التَّوحيدُ لِلشِّركِ هازِمُ!

في العالَم الشّاعريّ هذا: حقيقة معركة سيف الدّولة مع الدّمستُق.. هي أنّها معركةٌ بين التّوحيد بذاتِهِ وبين الشّرك بذاتِه. نتحفّظُ طبعاً على استخدامِ مصطلحِ “الشّرك” في هذا الإطار، ولكنّ ذلكَ كان إيمانَ القومِ في تلك الحقبة.. وهذا بحثٌ آخر.

بصوت الفنّان عبد المجيد مجذوب:

***

قبل انهاء هذا الجزء، لا بُدّ برأيي من اهداء هاذَين الرّجُلَين العَظيمَين أنشودةً سوريّة-عروبيّة، فلا شكّ عندي في أنّ العلاقة بين هؤلاء القوم وبيننا قريبةٌ جدّاً.. ولا يعلمُ سرَّها إلّا كلُّ ذي قلبٍ عَرَبيٍّ مُبين:

لا نُريــــــدْ، لا نُريــــــدْ
ذلّنـا المُـؤَبَّـدا وعَيشَـنَا المُنَكَّـداْ
لا نُريد، بل نُعيد
مَـجـدَنا التّـليـدْ.. مَـجـدَنا التّليـدْ

مَــوطِــنــي!

(يتبع)

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  واشنطن "تُحرج" الإمارات: معنا أم مع الصين؟