من بيروت إلى موسكو.. وشوشات ونميمة

Avatar18023/09/2019
في هذا الجزء من مذكراته اللبنانية، يروي السفير السوفياتي السابق في بيروت فاسيلي كولوتوشا المتاعب التي واجهته في العلاقات داخل السفارة السوفياتية، وبشكل أعمّ داخل ما يسمّيه "المستعمرة" السوفياتية التي تضم كافة الأجهزة التجارية والإعلامية التي العاملة في لبنان. ويتطرق بشكل خاص إلى "الوشوشات" و"النميمة" التي وصلت أصداءها إلى موسكو، على خلفية اتهامات كيدية من قبل الممثل التجاري بسبب إجراء اتخذته السفارة لمواجهة الآثار السلبية لانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية.

برغم كل الأجواء الودية، بشكل عام، ضمن فريق السفارة، وبشكل أعمّ في “المستعمرة” السوفياتية، فإنّ العلاقات الداخلية على مستوى رؤساء المؤسسات لم تكن لتقارن ببجعات تسبح بسَكينة على سطح الماء.
بين حين وآخر، كانت تظهر على وجوهنا ملامح العبوس تاركةً أصداء عامة. كان التباين مع الممثل التجاري آنذاك ينتهي بمشاكل كبيرة. حتى الآن، لم أتحدّث عن هذا الموضوع بشكل خاص، لكن طالما أننا نتذكّر اليوم، فلنتذكر كل شيء!
كان الأمر عادياً ولكنه غير لطيف. في الحياة لا يوجد تطابق. أبدأ الحديث هنا من خلافاتي مع صحافيينا الذين عملوا في بيروت في ذلك الوقت… وما أكثرهم. أكبرهم وأكثرهم في منطقة الشرق الأوسط كان المكتب الإخباري لوكالة “نوفوستي” للأنباء، ومكتب وكالة “تاس” الاخبارية، والمكتب الإخباري الإقليمي لصحيفة “برافدا” الناطقة باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، والمكتب الإخباري الإقليمي لصحيفة “إيزفستيا” الناطقة باسم مجلس السوفيات الأعلى للاتحاد السوفياتي، والمركز الإقليمي لمحطة الإذاعة والتلفزيون.
كل الصحافيين كانوا يعتبرون أنفسهم مبدعين، وفنانين أحرارا. في العام 1986، بعد قصة أخذ الرهائن، بدأنا في إعادة بناء نظام التدابير الأمنية وطالبنا باحترامه، ليس فقط من جانب موظفي السفارة. بدأ بعض صحافيينا يتذمّر علانية. يقولون إنهم يرون أن مهمتهم هي أن يكونوا في قلب الأحداث، وإعطاء معلومات عملانية تستند إلى حقائق واقعية، وليس إلى مواد من الصحف المحلية. باختصار ، إنهم لا يريدون بأي حال الخضوع لزملائهم الغربيين. كما أنهم في حاجة إلى زيارات ضرورية لدمشق المجاورة، إذا لزم الأمر، لأنه بحكم موقعهم، ينبغي على المراسلين الإقليميين تغطية الأحداث في كافة أنحاء الشرق الأوسط.
قاد مراسل “برافدا” يوري غلوخوف هذا التمرد، وهو شخص ذكي ولطيف، ما زلت أحترمه بصدق، لكنني أرى من منظور شخصي أنه كانت لديه نزعة الى التفرّد.
نقاشاتنا معه في المكتب المغلق لم تؤدّ إلى نتيجة، لا بل لاحظتُ أن صحافيين آخرين بدأوا ينضمون تدريجياً إلى صفّه. كان عليّ أن أتحدّث إليهم في اجتماع عام، وأن أذكّر بأن التدابير الأمنية التي نطلبها من جميع الموظفين السوفيات الذين جاؤوا إلى بيروت في مهمات، وأفراد أسرهم، ليست مجرد نزوة أو ترف، وأن الرعونة لن تمر،  فهذه التدابير كانت مضنية، ودفعنا ثمنها دماً… دم أركادي كاتكوف نفسه! دم الآلاف من اللبنانيين الذين ماتوا في معظم الأحيان لأنهم كانوا في الوقت الخطأ والمكان الخطأ! وليست لدينا أية أوهام بأنّ الجميع في بيروت، من دون استثناء، هم أصدقاء للاتحاد السوفياتي.
أولئك الذين خطفوا ناسنا في أيلول من العام 1985، والذين أطلقوا النار على أركاشا كاتكوف، ما زالوا يعيشون في نفس المدينة، ويجولون في الشوارع ذاتها التي نحن فيها. ومَن يدري ما الذي سيتبادر إلى ذهنهم غداً! كان الأداء عاطفيا جداً. بعد الاجتماع، عاتبني غلوخوف قائلاً إنني كنت قاسياً للغاية. ولكن بعد هذا الاجتماع، تمّ إنهاء التمرّد.
وبعد ذلك، وكجزء من عملية ضبط أعداد الموظفين في لبنان، طرحتُ في موسكو مسألة نقل المكاتب الإقليمية من بيروت إلى عواصم أخرى في الشرق الأوسط. لم يخلُ الأمر من بعض الضجيج، ولكن في نهاية المطاف تم قبول الاقتراح، ونُقلت مكاتب المراسلين في “برافدا” و”إيزفستيا” ومحطة التلفزيون والإذاعة الحكومية إلى القاهرة. في الوقت ذاته، لم يتسبب لي “الضحايا” بأي أذى. تابعت التواصل بشكل جيد بعد ذلك مع يوري غلوخوف وأندريه بوبوف، اللذين ما زالا يعملان في القاهرة كمراسلين في هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية.
أما الممثل التجاري غورام اكروشيدزه فكانت علاقتي به متوترة، لا بل الأكثر حدّة في مسيرتي الدبلوماسية بأكلمها. أريد أن أتحدث عنها بمزيد من التفصيل. في الحقبة السوفياتية، كانت وظيفة البعثات التجارية في كل بلد غالباً ما تكون مرتبطة بالسفارة، ولكن بعض الممثلين التجاريين، في بعض الأحيان، كانت لديهم الشهية لوضع أنفسهم على نفس مستوى السفير.
برغم وجود وثيقة على غرار “لوائح السفراء السوفيات”، وهي لا تقتصر على تحديد التسلسل الهرمي الرسمي في البعثات السوفياتية في الخارج، بل تضع مباشرة على عاتق السفير في نهاية المطاف مهمة الحفاظ على المناخ النفسي الطبيعي في المؤسسات السوفياتية في البلد المضيف، إلا أنه في الممارسة العملية كان الوضع مختلفاً.
في بغداد، على سبيل المثال، كان الممثل التجاري في ذروة حقبة ف. ا. مينين يتنقل في كل أنحاء المدينة واضعاً العلم على السيارة، مع أن كل التشريعات الدولية وكذلك السوفياتية، كانت تعطي هذا الحق للسفير فقط.
أذكرُ كذلك كيف كانت الخصومة الحادة في بيروت في أوائل السبعينيات بين السفير س. عظيموف والممثل التجاري آنذاك ماتفييف.
لكن مع ذلك، وفي كثير من الأحيان، كان ممثلو البعثات التجارية عاقلين تماماً، ولا يتشاجرون مع زملائهم. يمكنني أن أتذكّر حتى الآن بالكلمات الطيبة موظفي البعثة التجارية الذين عملتُ معهم في المغرب. لقد كانوا أذكياء ولطيفين ومحبوبين، وعلاوة على ذلك محترفين للغاية.
وفي بيروت لم أكن محظوظاً بالممثل التجاري. أعتقد أن السبب الرئيسي في ذلك يكمن في جمود علاقاتنا التجارية مع لبنان بسبب ظروف الحرب الطويلة، والتي وصلت، كما ذكرتُ سابقاً، تقريباً إلى الصفر. لم يكن للممثل التجاري أي عمل فعلي، ولذلك أخذوا يرسلون أي شخص لتولي هذا المنصب.
كانت هذه بالضبط حالة غ. اكروشيدزه، فقبل تعيينه في بيروت، شغل منصب رئيس غرفة التجارة والصناعة في جورجيا، وكان جزءاً من النخبة المحلية. ولكن بعد تعيين زعيم الجمهورية الجورجية إ. شيفرنادزه وزيراً لخارجية الاتحاد السوفياتي، اتُّخد قرار بربط صهر وزيرنا الجديد بمنصب رئيس غرفة التجارة والصناعة الجورجية، وبذلك حصل  رئيسها السابق أوكروشيدزه على منصب الممثل التجاري في لبنان.
كانوا يدركون بأنه لم يكن على علم بهذه القضايا، ولكن بما أنّه لم تكن هناك تجارة مع لبنان، فلن يكون هناك أي ضرر من هذا الممثل التجاري…
في البداية ، كانت علاقاتي مع الممثل التجاري هادئة وسلمية. حاولتُ كثيراً أن أحافظ على هذا المناخ: كانت الفكرة سخيفة بعض الشيء، ولكني كنت آخد في الحسبان فارق السن معه (كان أكبر من خمس إلى سبع سنوات).
في ما بعد، لوحظت تصرفاته الغريبة في فريق البعثة التجارية، ومن قبل أشخاص مختلفين. وصل اكروشيدزه إلى بيروت قبل تعييني بفترة وجيزة، وبدأ في إعادة بناء العلاقات مع موظفي البعثة التجارية وفقاً لنفس المفاهيم الموجودة في تراثه الجورجي – غرفة التجارة والصناعة في جورجيا. بدأ التذمر يظهر بين الموظفين بصوت عال أكثر فأكثر.
تحمّلتُ الوضع مرةً تلو الأخرى، وبعد أحد الاجتماعات طلبتُ منه التمهّل، وحاولتُ التحدث إليه بشكل صادق وشخصي، لكي أشرح له أنه بمجيئه إلى بيروت ينبغي أن يعيد النظر في نظام العلاقات بين الناس، وبالتالي يجب أن ينظر حوله، وألا يسعى إلى إعادة رسم نسيج العلاقات الحالي في الفريق، وألا يعتبر موظفي البعثة التجارية مجرد مؤديّن لتعليماته. تحدثت إليه بهدوء، مع شرح لبعض الأمثلة من تجربتي الخاصة، بما في ذلك الأخطاء الشخصية والثغرات. في نهاية المحادثة، بدا اكروشيدزه متأثراً بعمق، وأخذ نصائحي حرفياً وراح يثني عليها.
في اليوم التالي طلب مجدداً التحدث إليّ. أتى عابساً وغاضباً، قائلاً إنه فهم كل شيء: لقد عنيته هو بشكل مباشر، وتعمدت إهانته والتقليل من قدره! أقر بارتكاب أخطاء في حساباته، ولكنه لا يسمح بأن أتحدث اليه بهذه النبرة! وأنه أكبر سناً، ولم يصل إلى منصب الممثل التجاري من الشارع، وإنما من منصب رئيس غرفة التجارة والصناعة في جورجيا، وعلاوة على ذلك، بناءً على توصية ليست من أيّ أحد، بل من باتيشفيلي، السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي في جورجيا! وأنه كممثل تجاري في لبنان، تمت المصادقة على تعيينه بقرار من سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي! لذا “أنتَ يا فاسيلي إيفانوفيتش، لا ينبغي أن تعلّمني كيف أقود عمل المهمة التجارية”!
حاولتُ أن أناقشه بهدوء، وقلتُ له  إن السفير تتم الموافقة على تعيينه بقرار من المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي، وهو أعلى سلطة من سكرتارية اللجنة المركزية، واقترحتُ عليه مرة أخرى قراءة “لوائح سفير الاتحاد السوفياتي”، التي تنص صراحة على أن السفير هو المسؤول عن كل شيء، بما في ذلك الوضع في المؤسسات السوفياتية العاملة في بلد معيّن (وهنا أقول بمعنى غير مباشر أنه وضع اللجام).
تصرف أكروشيدزه كما لو أنه أمير في جورجيا الإقطاعية: هو نفسه المسؤول، وهو نفسه السلطة! تبعاً لذلك، في اجتماعات العمل التي كنا نعقدها في  السفارة، أثيرت راحت المزيد من الأسئلة تثار حول ضرورة أن يكون هناك رأس واحد في “المستعمرة” السوفياتية ليدير كافة الشؤون.
بحلول صيف العام 1987، كان صبرنا قد نفد، وطرحت رسمياً مسألة استبدال الممثل التجاري عبر برقية خاصة إلى موسكو. بالنظر إلى أنّ الرأي كان جماعياً، فقد وقّع ممثلو المؤسسات “القريبين” و “البعيدين”، وكذلك سكرتير المكتب الحزبي على البرقية.
ثم ذهبت إلى موسكو في إجازة. وفي أحد الأيام، رنَّ الهاتف في شقتي: دُعيت إلى لقاء مع النائب الأول لوزير التجارة الخارجية مالكيفيتش.
أدركت على الفور أن المحادثة ستكون حول أكروشيدزه، وحاولتُ ذهنياً البحث عن حلٍّ من شأنه أن يكون وسيلة للخروج من الوضع الحالي المتأزم.
في وزارة التجارة الخارجية دار  الحديث حصراً عن أكروشيدزه. طلب مني مالكيفيش سحب البرقية، لكني أصريت على الأمر، مبيّناً إن أكروشيدزه  قد أهان نفسه كمسؤول، لدرجة أنه لن يستطيع أن يعمل أكثر في لبنان.
لتأكيد الفكرة، اقترحتُ على مالكيفيتش أن يَصدر قرارٌ بنقل أكروشيدزه إلى بلد آخر. على سبيل المثال، أن يكون الممثل التجاري في بوجمبورا، أو الأفضل من ذلك في كاتماندو، حيث يوجد أيضاً تبادل تجاري بائس، وحيث لا يفترض توقع عجائب الحيلة والموهبة التجارية الخاصة من قبل الممثل التجاري. وبالنسبة إلى أكروشيدزه، فإن مثل هذه الصيغة ستكون مفيدة جداً إذ سيكون بإمكانه تعلم الدرس مما حدث.
استمع مالكيفيتش إلى الفكرة، لكنه لم يأخذ بها، كما أظهرت الأحداث اللاحقة. ذهب  أكروشيدزه، في إجازة خلال شهري تموز وآب من العام 1987، وفي موسكو قيلَ له أن السفير يعارض بقوة عودته إلى لبنان. راح أكروشيدزه يطرق أبواب كل مؤسساتنا، بدءاً من وزارة التجارة الخارجية ووزارة الخارجية وانتهاءً بقسم الكادر الخارجي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، التي كانت تتحكم خلال العهد السوفياتي في أنشطة جميع مؤسساتنا في الخارج.
نتيجة لذلك، وبحلول شهر كانون الثاني من العام 1988، صرت أتلقى مجموعة من الاستفسارات تتعلق بنزاهتي المالية كسفير. كانت هذه الطلبات كثيرة، وكانت تأتي من كل دبلوماسي، وقد تدهور مزاجي إلى درجة أنني فقدت في بعض الأحيان الرغبة في القيام بعملي الدبلوماسي.
سأقدّم على سبيل المثال وثيقة معبّرة أرسلتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي إلى نائب وزير الخارجية ف.م. نيكيفوروف، الذي كان آنذاك المسؤول عن شؤون الموظفين في وزارة الخارجية.
“وزارة الشؤون الخارجية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية
الرفيق نيكيفوروف،
تلقت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي رسائل من الرفيق غ.غ  أكروشيدزه، الممثل التجاري السابق لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في الجمهورية اللبنانية، ذكر فيها، على وجه الخصوص، أنه في هذا البلد “يتلقى جميع موظفي السفارة رواتب أعلى من المعيار المتبع”، وهذا يمثل “انتهاكاً صارخاً للانضباط المالي، وبسببه تفقد خزانة الدولة عشرات الآلاف من الدولارات التي يحصلون عليها بشكل غير قانوني. ومن خلال تقاضيهم الرواتب بالعملات الأجنبية، يحصل موظفو السفارة على راتب أعلى بكثير بالليرة اللبنانية من موظفي البعثة التجارية.
لقد كتبَ أن “السفير كولوتوشا، المستشار برفيليف، وسكرتير المكتب السياسي الموحد الرفيق لابيغا، وبرغم تحذيراتنا منذ أكثر من عام بشأن شرعية تخصيص أموال الدولة من النقد الأجنبي على حساب فروق سعر الصرف، لا يزالون حتى الآن يخدعون الدولة”.
في هذه القضية، يشير الرفيق غ. غ. أكروشيدزه إلى اجتماعه الأخير في موسكو مع نائب رئيس الدائرة المالية في وزارة خارجية الاتحاد السوفياتي ف. ت. ستانوف، الذي زعم أنه “أكد صحة الانتهاكات الصارخة للانضباط المالي من قبل السفارة في لبنان” وأظهر “الرسالة رقم 325 المؤرخة في 25 كانون الثاني 1988 والتي أرسلها سفير الاتحاد السوفياتي كولوتوشا، حيث تبيّن أن السفارة تعتمد معدل أعلى لسعر الصرف على نحو ألحق أضراراً كبيرة بالدولة”، بينما “تُشوَّه عمداً ترجمة الوثائق المالية إلى اللغة الروسية”.
يقول الرفيق  أكروشيدزه إنّ سفير الاتحاد السوفياتي في لبنان، الرفيق ف. ا. كولوتوشا “قبل مغادرته إلى موسكو في نهاية أيار من العام  1987، وعند زيارة رئيس الجمهورية، قام بإبلاغ السيد أ. الجميل عن حفل زفاف ابنه المقبل من أجل الحصول على هدية، وهو ما تحدّثت عنه جميع الصحف اللبنانية والتلفزيون. هل يجب التحقق مما إذا كان السفير قد سلَّم الهدية التي تلقّاها من الرئيس إلى الدولة؟”.
يرجى النظر وإبلاغ إدارة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بشأن هذه القضية.
نائب رئيس القسم ف. شابالين”.
لفترة طويلة وبشكلٍ مضنٍ، كنتُ قد توقفتُ عن تلقي الطلبات الواردة، أي الاستفسارات المتصلة بالإدارة المالية لسفارتنا، والتي تم نسيانها بأمان في الإدارة المالية ذاتها، بينما يتم الاحتفاظ بها في أرشيفاتنا المحاسبية. ولكن، على ما يبدو، فقد أراد شخص ما في قسم الكادر الخارجي التابع للجنة المركزية أن يخوّنني بشدة، ولذلك أرسلوا مفتشاً خاصاً من موسكو للتحقق من مجموعة كاملة من القضايا المتعلقة بأنشطة السفارة.
في الواقع، كنتُ أعرف المفتّشَ جيّداً منذ الأزمنة السابقة، عندما عملَ مفتشاً في دمشق، وكنت حينها مسؤولاً عن قطاع سوريا ولبنان في المكتب المركزي لوزارة الخارجية. في أول محادثة مع هذا المفتش، ف. أ. غوفيازين، اتفقنا على أن أمنحه الحرية الكاملة للتواصل مع الموظفين، ولتجنّب أيّ سوء تفسير، لن أزعجه بحسن الضيافة.
جعلْنا التحقيق يجري بشكلٍ مستقلٍ وموضوعي إلى أقصى الحدود. بقي غوفيازين معنا لعدة أيام. حاضر في اجتماعات العمل لدينا، وتحدّث مع جميع المسؤولين، وكل من أراد مقابلته، وفي المساء كان يجلس على مقعدٍ في ملعب الكرة الطائرة.
باختصار، رأى بأم عينيه كيف يعمل الفريق ويستريح. لقد شاهدني وأعجب بي لدرجة أنه قال لي قبل أن يغادر إلى موسكو: “لا تهتم، فاسيلي إيفانوفيتش، لقد تأكدتُ من أنَّ أفراداً مثل أكروشيدزه، في ظروف بيروت، يصرفون الانتباه عن العمل الحقيقي”.
في الوقت ذاته، أرسل ردّه إلى قسم الكادر الخارجي التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي والادارة المالية لدينا. كانت الوثيقة بحجم كبير، لذا سأقدم الجزء الأخير منها فقط:
“الاستنتاجات:
1 – بيانات الرفيق غ. غ. أكروشيدزه حول الأضرار التي لحقت بالدولة بسبب الاستخدام غير الصحيح لسعر الصرف من قبل سفارة الاتحاد السوفياتي في لبنان غير مطابقة للواقع.
2- عند إعادة حسابها بالعملة المحلية، قد تختلف أجور نفس فئة موظفي السفارة والبعثات التجارية. ومع ذلك، هذا ليس بسبب المخالفات، ولكن بسبب اختلاف مواعيد دفع الرواتب في السفارة والبعثة التجارية والعمليات المالية الأخرى.
3- يمكن لضباط الواجب في السفارة الحصول على مخصصات أكثر مما يحصل عليه مسؤولو البعثة التجارية، وذلك بسبب المناوبات الليلية وعقود العمل. وفقاً للمعلومات التي لدينا، ألغت دائرة المالية السابقة الرسوم الإضافية للخدمة الليلية لأسباب غير معروفة لدى وزارة الشؤون الخارجية في الاتحاد السوفياتي. يتم الإبلاغ عن الرسوم الإضافية المنفذة في نظام المؤسسات الأجنبية التابعة لوزارة خارجية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في التقارير، ولم تكن هناك تعليقات على ذلك من وزارة المالية في الاتحاد السوفياتي.
4- لم يتم تسجيل إستلام الهدايا من المنظمات الأجنبية والأشخاص وفقاً للسجلات المحاسبية للسفارة للعام 1987”.
تضمَّن المقطعُ الأخير إجابةً غير مباشرة على اتهام أكروشيدزه، في خطابه، بشأن الهدية القيّمة من أمين الجميل. من كان يعرف ما هي الهدية؟ ولّاعة ومنفضة سجائر! الشجرة، من الفضة والنيكل، كانت الأكثر قيمة وقد حُفر عليها اسم “رئيس لبنان أمين الجميل”.
عرضتُ هذه الهدية على غوفيازين وسألتُه: “هل وصلنا بالفعل إلى هذه الدرجة من الحقارة، بحيث ينبغي علينا أن نعتبر هذه الأشياء هديّة قيّمة ونتبرع بها لدخل الدولة؟!”. لاحقاً، عندما انتهت هذه القصة بأكملها، أوحى لي غوفيازين بأن بعض الأشخاص في قسم الكادر الخارجي كان يحاول فعلاً قطع رأسي.
أولاً، سيكون ذلك بمثابة درس إلى الشباب المعيّنين في مراكز السفارة من قبل أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و60 عاماً، ممن فقدوا فرصتهم بسبب التوجهات التي اتخذها غورباتشوف بشكل حاد لتجديد الدماء بين الموظفين على مستوى بعثاتنا الدبلوماسية في الخارج.
في الوقت ذاته، كان هناك سبب آخر: انعقدت في موسكو حملة قامت بها النخبة الحاكمة، أطلقها “المقاتل” الأكثر صدقاً “بلا كلل” ضد الامتيازات – سكرتير لجنة موسكو بوريس يلتسين. اندفعوا بشكل علني ومحدد وكالوا الاتهامات بشكل استثنائي تجاه “عدم نظافة” السفير فوق العادة والمفوض لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في لبنان. كما اعتقد البعض في قسم الكادر الخارجي  في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، كان واضحاً أن هذا عنصر جوهري في هذه الحملة! بالمناسبة، ظلّت الحملة المقدّسة لمكافحة الامتيازات التي أطلقها يلتسين في موسكو تضرب عائلتنا. تم إرسال ابني الأكبر فاسيا، وهو خرّيج معهد العلاقات الدولية الحكومي في موسكو  إلى العمل كمترجم عسكري في ليبيا لمجرد أنني كنت في منصب السفير بعد تخرجه من المعهد. لكن بالنسبة إلينا في بيروت، تم إرسال زميله في الدفعة فاسيا، الوقح والكسول، إلى العمل، وحتى الآن ما زلت أتذكره بشعور بالاشمئزاز.
ولكن بشكل عام، فإن هذه القصة خدمتني، باعتبارها كانت درساً جيداً لي في الحياة. وأعترف بأنني سررت كثيراً بالاجتماع غير المتوقع مع أكروشيدزه في موسكو عام 2002، بعد خمسة عشر عاماً. التقينا في حفل استقبال لمناسبة العيد الوطني لجورجيا في السفارة الجورجية، حيث دُعيت بوصفي سفيراً في مهمة خاصة، وممثلًا عن وزارة الخارجية الروسية لشؤون التسوية الجورجية الأبخازية.
عندما رآني بين الضيوف الكرام، لم يكن أوكروشيدزه ليتخيل أنني بقيت في عملي في وزارة الخارجية، في حين كان يعتقد، في ذهنه، أنه أضاء شمعة عن روحي!
ربما، يجب أن أروي بشكل أكثر وضوحاً هذه الواقعة، بسبب ما أثارته من ضجيج. يمكنني أن أعترف أنه من وجهة نظر طريقة التفكير السوفياتية الأرثوذكسية آنذاك، ارتكبت السفارة حماقة. هي ليست انتهاكاً للانضباط المالي، وليست سوء معاملة… إنها حماقة. إذا نظرت إلى الأمر ذاته من وجهة نظر اليوم، فأنا متأكد من أن أي شخص سوف يسأل السؤال المحيّر: “كيف يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك؟”.
في الثمانينيات، بسبب الحرب الأهلية الطويلة الأمد في لبنان، حدث انهيار كارثي للعملة الوطنية. وكمثال على ذلك، سأذكر مقتطفاً من إحدى ملاحظاتي التوضيحية إلى الإدارة المالية في وزارة الخارجية: “خلال الفترة 1985-1987، في لبنان، كان هناك انخفاض سريع لا يمكن السيطرة عليه في سعر صرف العملة المحلية في مقابل العملات القابلة للتحويل بحريّة. على سبيل المثال، تجاوز معدل انخفاض الليرة اللبنانية في العام 1987 وحده 700 في المئة”.
إذا كان سعر الدولار الأميركي في كانون الأول 95 ليرة لبنانية، فقد وصل بالفعل في شهر نيسان إلى 130 ليرة، وفي تموز إلى 193 ليرة، وفي تشرين الأول إلى 650 ليرة لبنانية… نظراً الى أن عملية هبوط العملة المحلية كانت مستمرة بشكل جوهري، فإن معدل الرواتب في معظم الحالات كان يتخلّف عن سعر صرف الدولار الأميركي إلى العملة الوطنية حتى لحظة تسلمها”…
كان المحاسب في سفارتنا، ميركوشيف، يتابع كل يوم بعناية حركة الليرة اللبنانية في مقابل الدولار، وبمجرد ما يشعر أنه خلال الشهر، سيصل هذا المعدل إلى الحد الأقصى، كان يذهب إلى المصرف ويسحب مبالغ كبيرة بالليرة اللبنانية من الحساب الجاري بالدولار الخاص بالسفارة. ثم في اليوم المحدد، أي في الخامس والعشرين من كل شهر، كان يدفع أجور الموظفين.
كان من الممكن أن يتغير سعر الليرة اللبنانية حتى ذلك اليوم، إلا أن الكشوف كان يتم حسابها من قبل قسم المحاسبة بالحد الأقصى لسعر الصرف في يوم الدفع. بمعنى آخر، في الخامس والعشرين من الشهر، كنا نتلقى مرتباً محسوباً بسعر الصرف في السادس عشر من الشهر نفسه.
في هذه الحالة، كانوا في قسم الكادر الخارجي التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي يقعون في حيرة ويتجادلون حين يجدون أن موظفي السفارة حصلوا على راتب بمعدل أكثر من السعر في يوم الإصدار، وبالتالي، بالنسبة إليهم، هناك ثمة عمليات احتيال في العملة!
عندما غادرت في إجازة في صيف العام 1987، ذهبت إلى وزارة المالية لشرح موقفي من هذه المسألة. رفض نائب رئيس القسم ف. كوبتسوف حتى أن يسمعني: من المفترض أنّك فعلت كل شيء بشكل صحيح! وتابع أنه إذا استمرت اللجنة المركزية في العثور على خطأ معك، فأخبرها أنه بنفس الطريقة، وبأكثر الأسعار مواتية، كانت السفارة تسحب الأموال لتغطية نفقات أعمالها، أي تدفع تكاليف الكهرباء ووقود الديزل وبناء ملجأ.
كانت هناك مبالغ أعلى عدة مرات من تلك التي تذهب لتسديد رواتب الموظفين. لذا، وبفضل هذا النهج، فإن السفارة كان لديها مدخرات في الأموال العامة! هذه الحجة هي التي ثبت أنها كانت حاسمة في نزاعاتي في اللجنة المركزية. منطقي كان على النحو التالي: إذا كنتَ تريد معاقبتي على دفع الرواتب للعاملين بأكثر الأسعار مواتية، وكما هي الحال، فادفعوا لهم إذن مبالغ إضافية، وليس بالدولار، ولكن بالليرة اللبنانية، عندها سيكون لدي سؤال مضاد: ماذا الذي يمكنني الاعتماد عليه لتحقيق وفورات ملموسة أكثر بكثير من الأموال العامة لبنود الإنفاق الأخرى في السفارة؟ بعد كل شيء، تمت تغطية هذه النفقات من نفس المبالغ التي تم سحبها من المصرف بأفضل سعر صرف، وكنا ندفعها عندما تنتعش الليرة اللبنانية.
ما زلت أتساءل لماذا لم يتم قبول اقتراحي بنقل أكروشيدزه إلى بعثة أخرى. بحسب فهمي، فإن ما اقترحته كان معقولاً جداً، وقد تم اختباره عدة مرات في الممارسة العملية. على سبيل الحشرية، يمكنك قراءة المذكرات الغريبة لـ”ميشوك ناليموف”، أو في الواقع ميخائيل كروتيخين، مراسل “تاس” في بيروت في أواخر الثمانينيات.
يصف بسرور كيف كان يكشف حقيقة الوجود العسكري السوري في لبنان، ولهذا السبب غضب منه السوريون لدرجة أن السفارة السوفياتية في لبنان، ولأسباب تتعلق بسلامته الشخصية، أوصت بعدم إعادته من العطلة إلى بيروت.
في الوقت ذاته، كتبَ السيد كروتيخين أن “السفير كولوتوشا فاسيلي إيفانوفيتش، لاحظ مع ذلك أن معلوماتي كانت موضوعية وعملية”. بعد هذه البرقية، تم نقل كروتيخين إلى القاهرة، وتم تعيين زميله العامل في مصر في بيروت. من مذكرات كروتيخين يتبين أن اسمي لم يثر أية حساسية لديه، بالرغم من أنني شاركت إلى حد ما في الانقلاب الذي يرويه حول مصيره. علاوة على ذلك، فهو يصف هذا التعرج المصيري بفكاهة كبيرة.
يمكنني أن أتحدّث عن مواقف أخرى جرت عندما شرعتُ، مستخدماً سلطاتي، في نقل بعض زملائي في الدول العربية من نقطة إلى أخرى، وقد شكرني هؤلاء الأشخاص لاحقاً على إداركي للحالة الحياتية التي تطورت في تلك اللحظة.
باعتقادي، فأنّ أكروشيدزه، خلال تنقله بين المكاتب، قد فضح نفسه، حتى أصبح من الواضح للجميع، بما في ذلك قسم الكادر الخارجي التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي، وأظهر أنه شخص لا يمكن الوثوق به في قيادة فريق عمل خارج الحدود، حتى في بوجمبورا أو كاتماندو!

Avatar

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free