سوريا المتشظية.. سقوط المركز وصعود الهامش

منذ عقود، بدت سوريا كما لو أنها دولة صلبة لا تهتز. جيش قوي، أجهزة أمنية متغلغلة، حزب حاكم يرفع شعارات الوحدة والاشتراكية، ورئيس يجلس على كرسيه مطمئنًا أن البلاد تحت قبضته. لكن خلف هذه الصورة كانت تتشكل قصة أخرى، قصة بلد هشّ تحكمه شبكة من أجهزة المخابرات، الولاءات الطائفية والعشائرية، والمصالح الضيقة، فيما هوامشه تنزف فقرًا وتهميشًا. وعندما انهار المركز عام 2024، انكشفت الحقيقة كاملة: سوريا لم تكن دولة متماسكة بقدر ما كانت مسرحًا لصراع الهويات، ولعبة شدّ حبال بين مركز متغطرس وهامش صبور ثم متمرد.

منذ لحظة الاستقلال عن الانتداب الفرنسي عام 1946 حملت سوريا بذور أزمة الدولة الوطنية. الدولة الجديدة ورثت مجتمعًا متنوعًا بشدة، موزعًا بين طوائف كبرى كالسنة والعلويين والمسيحيين والدروز، وبين أقليات إثنية كالأكراد والآشوريين والأرمن. بدل أن يكون هذا التنوع مصدر قوة، تحول إلى نقطة ضعف في ظل غياب مؤسسات وطنية جامعة قادرة على استيعاب الجميع. الانقلابات العسكرية التي هزّت سوريا بين 1949 و1970، والتي تجاوزت العشرين انقلابًا ومحاولة انقلاب، أظهرت هشاشة النظام السياسي وعجز النخب عن تثبيت قواعد اللعبة الديموقراطية. لم تستقر أي حكومة إلا لفترات قصيرة، وكل انقلاب كان يعكس صراعًا بين ضباط ينتمون لمناطق أو طوائف معينة، أكثر مما كان يعكس برامج سياسية أو رؤى اقتصادية.

حتى تجربة الوحدة مع مصر (1958 – 1961) بدت في نهايتها هشة. فالمركز الدمشقي شعر أنه ابتلع من قبل القاهرة، والطبقات التجارية السورية عانت من القرارات الاقتصادية الناصرية، بينما شعر الريف أنه لم يربح شيئًا. عندما انهارت الوحدة، كشفت الأحداث أن الشعارات الكبرى لم تخفِ حقيقة الانقسام الداخلي بين المركز والهامش، وأن مشروع القومية العربية كان عاجزًا عن بناء عقد اجتماعي متوازن.

مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 عبر ما سُمّيت “الحركة التصحيحية”، دخلت سوريا مرحلة جديدة من السلطوية الصلبة. الأسد أعاد هيكلة الجيش والأمن ليضعهما تحت سيطرته المباشرة، وعزز دور الطائفة العلوية في مفاصل الدولة الحساسة. في الوقت نفسه، أحكم قبضته على حزب البعث وحوّله من حزب عقائدي إلى أداة سياسية بيد السلطة. بدا وكأن سوريا دخلت عصرًا من الاستقرار، لكن ذلك الاستقرار كان استقرار القمع والخوف، لا استقرار المشاركة أو التنمية.

النظام اعتمد على الزبائنية بشكل منظم: الامتيازات الاقتصادية والمناصب العليا كانت توزع وفق الولاء الشخصي والطائفي، لا وفق الكفاءة أو القانون. الريف الفقير جرى استيعابه عبر التجنيد في الجيش والأجهزة الأمنية وفتات المشاريع والخدمات. المدن الكبرى، وخصوصًا دمشق وحلب، أخضعت لرقابة شديدة، وتم إضعاف الطبقات التجارية التقليدية لصالح طبقة جديدة مرتبطة مباشرة بأجهزة الأمن. على الورق كان الاقتصاد اشتراكيًا، وعلى الأرض كان شبكة مصالح ضيقة يحتمي من خلالها رجال الأعمال بالنظام الأمني.

سنوات حكم الأسد الأب شهدت أيضًا لحظات مواجهة دموية مع الهامش، أبرزها أحداث حماة 1982، حين أخمد تمرد “الإخوان المسلمين” بقبضة من حديد وبارود، أسفرت عن عشرات الآلاف من القتلى ومدينة مدمرة. الرسالة كانت واضحة: المركز لن يتسامح مع أي تمرد من الهامش، وسيحافظ على سلطته بالقوة مهما كان الثمن.

مع انتقال الحكم إلى بشار الأسد عام 2000، انتعشت آمال الإصلاح، لكنها سرعان ما تبدّدت. النظام واصل النهج السياسي والأمني نفسه لكن بلغة اقتصادية منفتحة. “اقتصاد السوق الاجتماعي” الذي تبناه لم يكن إلا وسيلة لتوسيع ثروات النخبة المحيطة بالرئيس، في حين تزايد الفقر والبطالة في الريف. موجات الجفاف بين 2007 و2010 دفعت مئات الآلاف من المزارعين إلى النزوح نحو المدن الكبرى، حيث اصطدموا ببطالة مرتفعة، وسكن عشوائي، وبنية تحتية عاجزة. الهامش ازداد غضبًا، لكن المركز ظل غافلًا أو متجاهلًا.

اندلاع الثورة السورية عام 2011 كان انفجارًا متوقعًا في ضوء المتراكم من تهميش وقمع. ما بدأ احتجاجات سلمية في درعا والريف الشمالي سرعان ما تحول إلى صراع مسلح، كشف هشاشة الدولة المركزية. النظام ردّ بالعنف، والمعارضة كانت أكثر عنفاً وانقسمت بين تيارات إسلامية وعلمانية وقوى محلية، لتتحول سوريا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح.

وعندما سقط النظام في نهاية العام 2024، انهارت الهياكل المركزية التي كانت تمثل الدولة. الجيش تفتت إلى ميليشيات، الأجهزة الأمنية اختفت أو انضوت تحت رايات محلية، والوزارات فقدت معناها. فجأةً، الهويات الكامنة خرجت إلى العلن بكل ثقلها. الأكراد أعلنوا توسيع حكمهم الذاتي، الدروز في السويداء أقاموا سلطات محلية وأجهزة أمنية خاصة بهم، العشائر أسّست مجالس خاصة لحماية مصالحها، فيما العلويون والمسيحيون دخلوا في مرحلة قلق وجودي عبّروا عنها بالخوف أو البحث عن حماة خارجيين.

الواقع الجديد جعل سوريا خريطة فسيفسائية. لم يعد في الأفق علم سوري واحد أو مؤسسات وطنية جامعة. كل جماعة رفعت رايتها الخاصة وأعلنت أولوياتها. في الشمال الشرقي، المؤسسات الكردية تدير المدارس والمستشفيات باللغة الكردية. في السويداء، الشعارات الدرزية تتصدر المشهد. في الساحل، الخطاب العلوي يدور حول “حماية المجتمع من الفناء”. حتى داخل المناطق السنية، ظهرت انقسامات مناطقية وقبلية واضحة، حيث دمشق وحلب غير إدلب، وإدلب غير دير الزورو وهكذا دواليك.

العامل الاقتصادي ظل وقودًا أساسيًا في هذا الانقسام. فالموارد الطبيعية – من نفط الحسكة إلى قمح الجزيرة إلى ميناء طرطوس – تحولت إلى أوراق تفاوض بيد القوى المحلية، بدلًا من أن تكون موارد وطنية مشتركة. التجارة عبر الحدود صارت مصدرًا رئيسيًا للدخل، وغالبًا ما تدار من قبل ميليشيات محلية. بذلك تحولت سوريا إلى “اقتصاديات حرب” متعددة، تعزز سلطة الهويات المحلية وتزيد صعوبة عودة المركز.

إقرأ على موقع 180   لماذا يخشى فريدمان على "يهود العالم"؟

أما الخارج فظل حاضرًا بقوة. تركيا تدير مناطق الشمال مباشرة تقريبًا، عبر مجالس محلية ومناهج تعليمية تركية. روسيا ما زالت تحتفظ بوجود عسكري في الساحل، لكنها تتعامل ببراغماتية مع السلطات المحلية. الولايات المتحدة ما زالت حاضرة في الشرق حيث النفط والقوى الكردية. إسرائيل، من جانبها، دمّرت الجيش السوري واستفادت من تفكك سوريا لتأمين جبهتها الشمالية والتمدد في الجنوب السوري.

في ظل هذه الصورة، يبدو الحديث عن إعادة بناء دولة مركزية أمرًا صعبًا. أي محاولة لفرض مركز قوي بالقوة قد تفجر حروبًا جديدة. الفيدرالية أو اللامركزية الموسعة قد تكون خيارًا عمليًا، لكنها تفتح الباب أمام تكريس الانقسام وربما الانفصال النهائي. بعض الأصوات تطرح “سلامًا مع إسرائيل” كمدخل لإعادة بناء الدولة عبر الدعم الدولي، لكن هذا السيناريو محفوف بالمخاطر، إذ قد يثير رفضًا شعبيًا واسعًا ويعيد إشعال صراع داخلي.

اليوم، لم تعد سوريا مجرد ساحة حرب بين نظام ومعارضة، بل صارت مختبرًا لفهم كيف تنهار الدول حين تفشل في بناء عقد اجتماعي. الخريطة التي تتفتت يومًا بعد يوم، والرايات المحلية التي ترتفع مكان العلم السوري، ليست تفاصيل عابرة، بل مؤشرات على مستقبل طويل من التشظي. السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل يمكن إعادة بناء الدولة السورية؟ بل: أي سوريا يمكن أن تولد من بين كل هذا الركام؟ دولة مركزية كما عرفناها؟ اتحاد فيدرالي من كيانات محلية؟ أم فسيفساء دويلات لن تعود يومًا إلى خريطة واحدة؟

الجواب لم يُكتب بعد. لكن المؤكد أن “الهامش” الذي كان يومًا منسيًا صار اليوم لاعبًا رئيسيًا وقسم كبير منه في العاصمة دمشق. أي مشروع سياسي قادم لن ينجح ما لم يستوعب صوته ويعترف بوجوده. فالمعادلة تغيّرت جذريًا: لم يعد المركز وحده يقرر.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  مع ترامب لا تستبعدوا شيئاً.. فوضى قرارات وأهواء!