إيران وتركيا تتدخلان.. لأن أبواب العرب مخلّعة

تجتمع دول غير عربية في أستانة (روسيا وإيران وتركيا) لمناقشة ملف عربي، وتجتمع قيادات الأمن القومي (روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل) لمناقشة ملف عربي، بينم العرب يغيبون عن قضاياهم، فكيف نستغرب ألا يتعاظم دور تركيا وإيران وروسيا وإسرائيل في المنطقة؟

حين زرت قبل سنوات دولة “جزر القمر” العربية (ربما لا يعرف الكثير من العرب أنها عربية)، لفت إنتباهي أن فيها الكثير من المؤسسات التي تحمل أسماء إيرانية. هنا “مستشفى الخميني”، وهناك “المركز الثقافي الايراني”.. وبينهما “المكتبة الايرانية”. سألت رئيس جمهورية جزر القمر، آنذاك، أحمد عبدالله محمد سامبي، كيف يفسر ذلك، فأجاب ان طهران جاءت بكل هذه المشاريع والمساعدات حين تمنّع العرب، وأن فرنسا استعادت الهيمنة على واحدة من الجزر الأربع التي يتكون منها هذا البلد، بفضل المال الذي يعزّ في الجزر الأخرى.

جزر القمر، التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، غداة حرب اليمن، فيها شواطئ عذراء ساحرة أجمل من “المالديف” و”ماربيا” اللتين يبذخ فيهما العرب أموالا طائلة للتمتع والسياحة. لذلك رفع سامبي شعارا يقول:”لا اريد منكم مالا، فقط تعالوا استثمروا، فتُفيدوا وتستفيدوا”.

لو نظرنا الى الصومال (وهي أيضا دولة عربية)، نلاحظ أن الرئيس التركي طيب رجب أردوغان ذهب إليها وفتح أبواب المساعدات للشعب الصومالي المقهور، وألقى خطابا أخجل العرب، فطغت صورته على المساعدات العربية القليلة التي جاءت من بعض الدول الخليجية، (طغى الطابع الإسلامي على بعض هذه المساعدات بهدف تعزيز شبكات الاخوان المسلمين)

هذا بالنسبة لدول أعرابية تصنف في خانة “الأطراف”، اما في دول عربية لها أدوار مركزية أو رمزية، فلا شك أن الدور الايراني صار في صلب سياسات العراق وسوريا واليمن ولبنان، ناهيك عن علاقات استراتيجية أو قوية مع قطر وسلطنة عمان. تماما كما أن الدور التركي في قطر تعزز أكثر مما كان بعد حصارها من قبل بعض الدول الخليجية. وهو حصار لم يمنع أبدا تطور العلاقات القطرية ـ الاميركية، بل على العكس تماما ربما أفادها كثيراً.

وبالتزامن، تقدم الدور التركي في ليبيا، ناهيك عن علاقات وطيدة مع حزب العدالة والتنمية الذي ترأس الحكومات المتعاقبة في المملكة المغربية مذ قرر الملك محمد السادس اشراك الإسلاميين في السلطة وسحب فتيل “الربيع العربي” قبل وصوله الى المملكة، وكاد الدور التركي يصبح رئيسا في مصر الكنانة حين تولى الاخوان السلطة.

الدول العربية الخمس ذات الأزمات الأمنية او السياسية أو الاقتصادية، أي العراق وسوريا واليمن ولبنان وقطر، طوّرت علاقاتها مع طهران بسبب هذه الأزمات. فما كشفه قائد فيلق القدس قاسم سليماني عن تصدره لمشهد حرب تموز/ يوليو 2006 كان واضح الرسائل. وها هو دور الحشد الشعبي وأنصار الله الحوثيين وحزب الله يتعاظم في كل من العراق واليمن ولبنان، بفضل الدعم الايراني المباشر، والانكفاء العربي المريب. وما كان لإيران ان تطور علاقتها مع الدوحة، إلى الحدود التي بلغتها، لولا القطيعة والحصار الخليجي.

لم تنفع حتى الآن الحملات الإعلامية الضخمة عربيا ودوليا واسرائيليا في تطويق الدور الايراني. ولا نفعت الجبهات المفتوحة (والتي نرى بعض تجلياتها في العراق هذه الأيام)، ولا نفعت التنظيمات التكفيرية والارهابية في الحد من النفوذ الايراني. بالعكس تماما، نرى ان الدور كبر الى درجة اضطرت معها أميركا الى فرض عقوبات قاسية جدا، واندفعت معها إسرائيل الى تكثيف حملاتها الدبلوماسية، والانخراط المباشر في العدوان على العراق وسوريا ولبنان بغية الحد من الدور الإيراني.

أليس غريبا (لو استثنينا سوريا ولبنان) أن طهران وأنقرة هما من يتصدر “رسمياً” اليوم مشهد شجب صفقة القرن؟

أما الدور التركي الذي وصل الى حد التوغل الفاضح في أراض عربية مثل سوريا والعراق، إنما هو نتاج سوء الحسابات العربية مع انقرة، خصوصا حين كنا نرى ان وزير الخارجية التركي (السابق) داود أوغلو يتصدر اجتماع جامعة الدول العربية لضرب سوريا بغطاء عربي. ولو نظرنا الى المشهد الليبي الدموي اليوم نكتشف أيضا ان الانكفاء العربي أفسح في المجال للعب دور تركي مع طرف ضد آخر.

الآن بدأ العرب يعودون الى دمشق. ورئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إختار الإمارات مدخلا لجولة خارجية لجمع المال للبنان، وذلك بعد ان ساهم التهميش السعودي له في اضعاف دوره اللبناني وجعله خاضعا لمشيئة حزب الله. وثمة من يطالب في العراق بدور عربي أكبر. والحرب اليمنية تتجه صوب الانتهاء بالتفاوض الذي سيساهم حتما في تكريس دور الحوثيين. وسوف يحتاج اليمن لمساعدات عربية هائلة في مرحلة إعادة إعماره.

كل ذلك يتطلب إعادة قراءة عربية فعلية. ذلك ان الشارع العربي من بيروت حتى الجزائر مرورا ببغداد وصنعاء والرباط ونواكشوط وتونس وطرابلس والقاهرة والخرطوم ودمشق وغيرها، ما زال مُحبّا لفلسطين برغم عتب البعض على دور بعض فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين، وما زال رافضا لفكرة التطبيع مهما زيّنته الأنظمة لأنه ببساطة يعني مزيدا من احتضار ما بقي من فلسطين وقضيتها، فهذا الشارع العربي ما زال يؤيد استرجاع الحق الفلسطيني بأي شكل من الأشكال.

أليس غريبا (لو استثنينا سوريا ولبنان) أن طهران وأنقرة هما من يتصدر “رسمياً” اليوم مشهد شجب صفقة القرن؟

إن أبواب العرب المخلّعة بالفتن وبالتخلي عن القضية المحورية، فرشت السجاد الأحمر لإيران وتركيا. وربما حان الوقت لقراءة عربية مغايرة. أما المراهنة على مساعدات أطلسية لـ”تقليم أظافر ايران”، فقد بدا واضحا بعد الهجوم على قلب شركة آرامكو السعودية العملاقة، ان الوهم العربي أكبر بكثير من واقعية ومصالح ترامب.

 

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course