لبنان المشلول بصراع الولي والملك 
Displaced Syrian children move their belongings to a new spot after sharing a tent with another family, in a field near a camp for displaced people at the village of Atme, in the northern Idlib province on June 13, 2019. - The spike in violence in and around Idlib province has killed hundreds of civilians, displaced 330,000 more, and sparked fears of one of the worst humanitarian disasters in the eight-year civil war. Many displaced families say that they have had to sell their basic possessions to ensure survival. (Photo by Aaref WATAD / AFP)

قنوات الحوار والتفاوض مفتوحة في المنطقة وثمة وسطاء يتحركون على أكثر من خط. المسألة فقط مسألة توقيت وإخراج، ولن يطول الوقت حتى تظهر النتائج إلى العلن.

عاقبت السعودية لبنان بذريعة أن حزب الله يسيطر عليه. وكان لعقابها الاقتصادي نتيجة سلبية على حليفها المفترض رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يحظى بشعبية جيدة في أوساط لبنانية مختلفة. تم اقفال المؤسسات الإعلامية التابعة لتيار المستقبل، وضُرب عصبُه الاقتصادي، فصار الزعيم السُني الأول في البلاد (مع اعتذاري على التوصيف المذهبي الذي أمقته) يُعبّر عن ضائقة مالية تدفعه للبحث عن بدائل حتى مع خصومه وخصوم السعودية في لبنان.

كذلك فعلت الإدارة الاميركية، بفرضها عقوبات اقتصادية أدت الى اقفال مصرف لبناني (وربما يقفل غيره) وأحدثت بلبلة اقتصادية وقلقا شعبيا كبيرا، وذلك بذريعة تأليب المجتمع اللبناني ضد حزب الله الموسوم في الولايات المتحدة، كما في الرياض وعواصم أخرى، بتهمة “الإرهاب”.

بالتزامن مع هذه العقوبات، فتحت الساحة اللبنانية لاستقبال نحو مليوني نازح سوري، من دون أية إدارة أو دراسة من قبل الدولة اللبنانية التي كانت مشلولة ومنقسمة حيال الحرب السورية، فغرق لبنان واقتصاده بهذا النزوح، الذي كان يُراد توظيفه لاحقا وسيلة ضغط في الحرب ضد النظام السوري، فوجد لبنان نفسه أمام أزمة نزوح مستعصية فاقمت وضعه الاقتصادي السيء أصلا.

وقبل النزوح والعقوبات، ابتُلي لبنان بمافيا سياسية – اقتصادية، لم تضع أية خطط اقتصادية للنهوض بعد انتهاء الحرب الأهلية، وانما تناهشت لحم الشعب، وتقاسمت جبنة الاقتصاد، وهي مطمئنة دائما الى أن الشعب سيبقى خلفها مهما فعلت، لأن لا حيلة له غيرها، أو هكذا أقنعته، خصوصا أن القوانين الانتخابية التي ركّبتها المافيا اللبنانية -السورية في عهد الوصاية السورية، خدمت جدا هذه الطبقة المافياوية لتبقى ممسكة بلجام الشعب. وكان لافتا للإنتباه أن هذه المافيا نفسها التي ركّبتها سوريا، تحولت الى أشرس المناهضين للنظام السوري بعد خروج جيشه من لبنان في العام 2005.

مع احتدام الصراع السعودي ـ الايراني بسبب حربي سوريا واليمن، ثم العودة الى أسس الصراع الاميركي الايراني في أعقاب انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي، تحوّل لبنان ساحة لهذا الصراع الذي انتقل في مرحلة معينة الى سوريا ثم عاد بسطوته الكبيرة الى الساحة اللبنانية حين بدأت بوادر استعادة الدولة السورية سيطرتها على المدن والمحافظات السورية تترسخ.

الآن نحن أمام المشهد التالي: السعودية وحلفاؤها يضغطون اقتصاديا فيساهمون بشلّ الحريري ولبنان. أميركا تكثف العقوبات فتضاعف البلبلة الاقتصادية. إيران الممنوعة أصلا من إقامة مشاريع اقتصادية أو تنموية (انقاذ الكهرباء نموذجاً) ما عادت قادرة، بسبب حصارها الاقتصادي من قبل واشنطن، على مساعدة بيئة حزب الله بالزخم السابق نفسه.

مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد موجود في طهران منذ 48 ساعة في مهمة سرية لنزع فتيل الأزمة الخليجية

ما هي الحلول الممكنة؟

  • ثمة من يراهن على مصالحة قريبة سعودية – إيرانية. هذا سيكون أمرا جيدا. الوساطات جادة جدا بين الجانبين، وآخرها الوساطة الباكستانية، كما ان الخطوط فُتحت على نحو جيد بين الامارات وطهران، وثمة معلومات كشفتها صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية أن مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد موجود في طهران منذ 48 ساعة في مهمة سرية لنزع فتيل الأزمة الخليجية ـ الإيرانية، بتكليف من شقيقه ولي العهد محمد بن زايد.
  • ثمة من يعتقد أن ما يحصل حاليا في الشمال والشرق السوريين، سينتهي باستعادة الدولة السورية عاجلا أو آجلا سيطرتها على كل الأراضي السورية، باتفاقات علنية أو ضمنية، دولية واقليمية، ما يعني خروج كل القوات الأجنبية من سوريا. هذا ممكن لكنه قد يطول. لكن لو حصل، سينعش الاقتصادين السوري واللبناني بحيث تتحول بيروت الى أحد أبرز معابر إعادة الاعمار السورية.
  • ثمة من يؤكد جازما بأن انفراجات عربية قريبة جدا ستحصل في سوريا وان ذلك سينعكس حتما على لبنان واقتصاده. لكن جزءا من هذا الانفتاح سيبقى مرهونا أيضا بالانفراج في حرب اليمن. وهذا ما يجري العمل عليه.
  • ثمة من يؤكد أنه بعد كل هذا الضغط الاميركي على لبنان، وتقلص قدرة إيران على دعم حلفائها اقتصاديا، فان واشنطن قد تلجأ في المرحلة التالية الى سياسة الجزرة، بحيث تبادر الى تقديم العون والمساعدات وتدفع الأطراف العربية والدولية لإنعاش الاقتصاد اللبناني، فيصبح الفريق المناهض لحزب الله في لبنان أكثر قدرة على الحركة والتأثير والجذب. ويحكى عن اجتماعات مكثفة تجري بين لبنانيين وأميركيين لهذا الغرض.

ماذا لو لم يحصل كل هذا؟

قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قبل فترة، ان الحزب يتحمل العقوبات، لكنه لن يسمح أن تتضرر بيئة الحزب. لذلك فاحتمال الانتقال الى مرحلة الهجوم بعد الدفاع عند الحزب واردة، إذا ما استمر الضغط. في الهجوم يجري الكلام عن خرق الخطوط الحمراء مع سوريا وتكثيف الزيارات الرسمية. وهذا ما ظهر من كلام الوزير جبران باسيل. لكن يبدو ان الحزب يملك أوراقا كثيرة من شأنها الضغط المكثّف على الضاغطين عليه…

لذلك يمكن القول ان لبنان ينتظر خلف حلبة الصراعات الإقليمية والدولية ليرى النتيجة. وهو حتى اشعار آخر مشلول القدرة على التحرك، في ظل محورين داخليين، أحدهما يدعم نجاح العهد العوني والثاني لم يقبل أصلا بوجود هذا العهد. وكلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، كلما ازدادت الفرقة بين الطرفين، لان أبرز المرشحين للرئاسة، أي الوزير جبران باسيل عنده خصوم من العيار الثقيل.

لم يتغير شيء في لبنان. هو دائما ينتظر خلف الحلبات، او يكون الحلبة. لننتظر كيف سينتهي صراع الولي الفقيه والملك هذه المرة.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free