أردوغان يتقرّب لكن تل أبيب لن “تخون صديقاتها العربيات”!

Avatar18028/12/2020
العلاقة التركية الإسرائيلية في ضوء ما إستجد من "غزل" بين أنقرة وتل أبيب مؤخرا ودخول عوامل أخرى أبرزها التطبيع الإسرائيلي مع دول عربية متنافرة مع تركيا، محور مقالة للمحلل في "هآرتس" الإسرائيلية تسفي برئيل تضمنت الآتي:

“نحن معنيون بتحسين علاقاتنا مع إسرائيل”، قال الرئيس التركي طيب رجب أردوغان يوم الجمعة الماضي، وأضاف: “إذا لم تحدث مشاكل مع القيادة في إسرائيل، بإمكان العلاقات بيننا أن تكون مختلفة تماماً”.

قد يبدو هذا التصريح صحيحاً في الاتجاه الآخر أيضاً. إذا لم تحدث مشاكل مع أردوغان، ستبدو علاقاتنا مع تركيا بصورة أخرى. المشاكل التي يقصدها أردوغان هي، بشكل أساسي، “سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين”، فـ”إجراءاتها الوحشية ضد الفلسطينيين غير مقبولة”، كما قال. هنا، أيضاً، كان بإمكان إسرائيل الادعاء بأن إجراءات تركيا الوحشية ضد الأكراد “غير مقبولة”. بالإمكان الاستمرار في تبادل الاتهامات إلى ما لا نهاية، من خلال المقارنة بين سياسات كلا النظامين تجاه الأقليات لديهما. لكنّ العلاقات بين الدول تقوم على المصالح، على الخرائط الجيو سياسية المتغيرة، وعلى استغلال الفرص.

يشعر أردوغان، مثلما تشعر إسرائيل أيضاً، بأن الولايات المتحدة قد تبدأ بممارسة ضغوط فور دخول الرئيس المنتخَب، جو بايدن، إلى البيت الأبيض. ثمة لدى كلا الطرفين ما يثير الخشية والتخوف. فقد تلقت تركيا وجبة أولى من العقوبات من جانب الرئيس المنتهية ولايته بالذات، دونالد ترامب، الذي فرض قيوداً على رؤساء الصناعات العسكرية التركية، بالإضافة إلى طرد تركيا من مشروع بناء طائرات إف ـ 16. لكن هذه كلها، على ما يبدو، لن تكون كافية للكونغرس الذي أقر قانون العقوبات ضد تركيا، ولا لبايدن الذي تعهد لناخبيه بأنه، على عكس ترامب، سوف “يعرف كيف يتعامل مع أردوغان”.

تركيا التي تبنت قبل خمس سنوات سياسة خارجية تقوم على مبدأ “صِفر مشاكل مع الجيران”، متورطة في علاقات قاسية ومتوترة مع غالبية دول الشرق الأوسط. فقد فرضت السعودية عليها مقاطعة غير رسمية سببت هبوطاً بنحو 16% من حجم التبادل التجاري بين الدولتين منذ تشرين الأول/أكتوبر الأخير. أمّا الإمارات العربية المتحدة فقد عرّفت تركيا بأنها “التهديد الأخطر في المنطقة، أكثر من إيران حتى”. وبين تركيا ومصر ليس ثمة أي اتصال منذ صعود عبد الفتاح السيسي إلى الحكم.

في إطار هذا الانقلاب الدبلوماسي، من المتوقع أن تفوز إسرائيل بحصة من الكعكة التركية. فهي ستحظى قريباً بسفير تركي جديد، أوفوك أولوطاش، قد أقرّ تعيينه لكنه ينتظر تذكرة الطيران. كما تعتزم شركة الملاحة التركية “مجموعة يلدريم” التنافس في المناقصة لامتلاك ميناء حيفا

صرّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، مؤخراً، بأن “روسيا لا تعتبر تركيا حليفة استراتيجية”، وإنما فقط “شريكة ودّية”، بينما تعرضت هذه الصداقة أيضاً إلى هزة قوية في أعقاب الحرب في ناغورنو قره باخ. ومع النظام السوري، قطعت تركيا علاقاتها منذ السنة الأولى للتمرد المدني، بينما تعتبرها واشنطن مصدر تهديد سبّب أضراراً لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بامتلاكها منظومات الصواريخ الروسية المضادة للطائرات، إضافة إلى استيلائها على مناطق في الأراضي السورية واعتدائها على الأقلية الكردية، فيما يدرس الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات عليها بسبب أعمال التنقيب عن الغاز والنفط التي تجريها في شرق البحر المتوسط، في مناطق تدعي كل من اليونان وقبرص السيادة عليها.

بالرغم من تصريحاته المتعجرفة والمستهزئة بالتهديدات بفرض عقوبات على تركيا، فإن أردوغان ليس غير مبالٍ حيال الحصار السياسي الذي يضيق ويصبح أكثر إحكاماً حوله باستمرار، بل يحاول فتح مسارات جديدة يمكنه من خلالها تغيير صورة بلاده. إنه يقيم علاقة مباشرة مع ملك السعودية، سلمان، وليس مع ولي العهد، محمد بن سلمان، الذي يعتبره المتهم المباشر بقتل الصحافي جمال خاشقجي. وقد نجح في دفع السعودية إلى الإعلان رسمياً بأن ليس ثمة أية مقاطعة وصرح وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، لوكالة “رويترز” بأن “العلاقات بين السعودية وتركيا ممتازة ورائعة”. في الوقت ذاته، وفي خطوة مفاجئة، سمحت تركيا لشركة النفط السعودية “أرامكو” بأن تقيم على أراضيها مصنعاً لإنتاج المنتجات النفطية.

في ما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، أطلق أردوغان تصريحًا متفائلاً قال فيه إنه “يأمل بفتح صفحة جديدة في علاقات تركيا والاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة في سنة 2021”. وفي إطار هذا الانقلاب الدبلوماسي، من المتوقع أن تفوز إسرائيل بحصة من الكعكة التركية. فهي ستحظى قريباً بسفير تركي جديد، أوفوك أولوطاش، قد أقرّ تعيينه لكنه ينتظر تذكرة الطيران. كما تعتزم شركة الملاحة التركية “مجموعة يلدريم” التنافس في المناقصة لامتلاك ميناء حيفا.

أردوغان الذي شن هجوماً على الإمارات حين وقعت على اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، بدا أكثر تسامحاً حيال إقامة العلاقات بين إسرائيل والمغرب. “من حق أي دولة أن تقيم علاقات دبلوماسية مع من تشاء”، قال وزير خارجيته، مولود تشاووش أوغلو، وهو يُصدر الآن تغريدات لطيفة بشأن استعداده لإصلاح العلاقات بين تركيا وإسرائيل، فيما يؤكد أن ثمة تعاوناً وثيقاً بينهما في مجال الاستخبارات. بذلك، أكد أردوغان، بصورة غير مباشرة، صحة التقارير عن زيارة رئيس جهاز المخابرات التركي، حاقان فيدان، إلى إسرائيل واجتماعه برئيس “الموساد” الإسرائيلي، يوسي كوهين.

السياحة المنهارة، الأسعار المرتفعة جداً، الاستثمارات الخارجية المتراجعة، البطالة المتفشية وجائحة كورونا الآن؛ كلها تحتم على تركيا البحث عن مصادر تمويل إضافية أخرى، وخصوصاً الاستثمارات التي يمكنها أن توفر فرص عمل لملايين العاطلين عن العمل

لكن إذا كانت تصريحات أردوغان تبدو، حتى قبل سنوات قليلة، بمثابة بشرى سياسية تلزم إسرائيل بالتعجيل في قطف ثمارها، فإن الخارطة الجيو سياسية الجديدة تملي رداً أكثر حذراً. فقد وجدت إسرائيل نفسها، بحركة استدارية تاريخية، في وضع يتعين عليها فيه التشاور مع صديقاتها الجديدات، وخاصة الإمارات والسعودية ومصر بغية تنسيق المواقف معها بشأن العلاقة مع تركيا. كانت الفرضية الأساس لدى هذه الدول أن ما يربط بينها وبين إسرائيل ليس المصلحة الإستراتيجية المتمثلة في لجم إيران فحسب، وإنما أيضاً الرؤية المشتركة بينهما بشأن العلاقات مع تركيا. وكما مع الدول العربية، كذلك أيضاً علاقات إسرائيل مع اليونان وقبرص، ثم مع الاتحاد الأوروبي كذلك، لن تكون بمعزل عن علاقاتها مع تركيا.

إقرأ على موقع 180  واشنطن وبكين: "حرب كلامية" أم طلاق نهائي؟

هل يمكن لإسرائيل أن تبقى عضواً في “منتدى غاز الشرق الأوسط”، والذي يضم في عضويته كلاً من مصر، الأردن، فلسطين، اليونان وقبرص، ثم دولة الإمارات مؤخراً، بينما هي توثق علاقاتها مع تركيا؟ أليس من شأن منظومة الأدوات المدمجة، العربية ـ الإسرائيلية، أن ترغم إسرائيل على اختيار محور ولائها؟ هذه الحيرة لم تكن واردة في الحسبان خلال رئاسة ترامب للولايات المتحدة، إلا أن إسرائيل مضطرة الآن إلى تقصي السياسة التي سوف تعتمدها إدارة الرئيس بايدن حيال تركيا، قبل أن تسارع إلى منح أردوغان شهادة الشرعية. هذا في الوقت الذي لا يمكنها أن تكون، هي نفسها، واثقة بأن مثل هذه الشهادة ستحظى بالاعتراف والقبول لدى الرئيس الأميركي الجديد.

الرياح الجديدة التي تهب من القصر الرئاسي الفخم، الذي بناه أردوغان لنفسه في أنقرة، ليست مقطوعة عن الأزمة الاقتصادية العميقة التي تتخبط فيها تركيا منذ أكثر من سنتين. السياحة المنهارة، الأسعار المرتفعة جداً، الاستثمارات الخارجية المتراجعة، البطالة المتفشية وجائحة كورونا الآن؛ كلها تحتم على تركيا البحث عن مصادر تمويل إضافية أخرى، وخصوصاً الاستثمارات التي يمكنها أن توفر فرص عمل لملايين العاطلين عن العمل.

إذا ما أُقِرَّت العقوبات الأميركية التي تشمل حظراً على بيع السلاح التركي الذي يشمل مكوّنات أميركية، إضافة إلى القيود على التجارة مع أوروبا، خلال قمة الاتحاد الأوروبي المزمع عقدها في آذار/مارس القادم، فسيكون الأمر بمثابة ضربة قاصمة للاقتصاد التركي، مما سيقلل أيضاً فرص تركيا في الحصول على قروض مالية من مؤسسات تمويلية دولية.

قد يحبط “منتدى غاز الشرق الأوسط” مخطط تركيا لتصبح مركزاً إقليمياً لتسويق الغاز في أوروبا وقد يخربط توقعاتها بشأن عوائدها من نقل الغاز، ثم من تسويق الغاز الذي ستعثر عليه في البحر الأبيض المتوسط، لاحقاً. صحيح أن تركيا اكتشفت حقلاً هائلاً من الغاز في البحر الأسود، إلا إنها تحتاج إلى فترة طويلة من الزمن حتى تصبح قادرة على البدء بإنتاجه وتسويقه. حتى ذلك الحين، ستواصل الاعتماد على الغاز الذي تستورده من روسيا. سوف تحتاج تركيا إلى بذل جهود كبيرة لترميم علاقاتها مع جاراتها، مع الولايات المتحدة ومع أوروبا، قبل أن تتمكن من الانتقال من مكانة الدولة المشتبه بها إلى مكانة الدولة العظمى الإقليمية الرائدة.(المصدر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  تهديد فرنسي بمنع وصول 900 مليون دولار إلى لبنان