أين القضاة الشرفاء في لبنان؟

 مع إشتعال لبنان أولا بحرائق الطبيعة التي التهمت كثيراً من أحراجه وغاباته، وثانياً بغضب الناس الذين نزلوا من كل المناطق يفترشون الطرقات ويرفعون الصوت عالياً ضد الفساد والقهر والفقر والنهب وسوء الإدارة، يُصبح دور القضاء مفصلياً في تلقف هذا الغضب والتجاوب معه لرفع مستوى المحاسبة، وتأطير الغضب في إطار قانوني يسمح فعلياً بمحاسبة الفاسدين والسارقين.

تعرّفتُ في السنوات القليلة الماضية على عدد لا بأس به من الجيل الجديد من قضاة لبنان. هم مثقفون، يجيدون لغاتٍ عديدة، ضليعون في شؤون القضاء، وراغبون بالتغيير، لكن معظمهم مكبّل. فالقضاء في لبنان هو أيضاً ضحية ساسته الذين كبّلوا السلطة القضائية بقوانين تجعل القاضي رهناً بالسياسي إذا ما أراد الترقّي أو الانتقال من مكان الى آخر أو إحتلال منصب جيد. مع ذلك فأن عدداً من القضاة الشجعان لا يعيرون إهتماماً لأي إهتمام سياسي وينفذون أحكام القضاء بنزاهة وضمير مهما بلغ حجم التدخل.

حين سيق الساسة اللبنانيون سوقاً بضغوط دولية وإقليمية الى مؤتمر الطائف في العام 1990 ووضعوا “وثيقة الوفاق الوطني”  وتم تعديل الدستور، جرى الاتفاق أيضاً على  تأسيس “المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء” في لبنان وذلك بغية التمكن من محاسبة المسؤولين، بدءًا من رئيس الجمهورية مرورًا برئيس مجلس الوزراء وصولاً الى جميع الوزراء، في حال ارتكبوا أية مخالفات خلال ممارسة مهامهم الدستورية.

حُدّدت المخالفات والجرائم بالتالي: أولا، خرق الدستور من قبل رئيس الجمهورية – حامي الدستور. وثانياً، الخيانة العظمى. وثالثاً، الإخلال بالموجبات المترتبة على الرؤساء والوزراء (ومن بينها حكمًا قضايا الفساد وهدر الأموال العمومية).

في الشكل هذا رائع، ولو تم تطبيقه، لكان الكثير من الوزراء منذ 1990 حتى اليوم قد سيقوا كالمجرمين الى السجن بسبب ” الفساد وهدر الأموال العمومية”، لكن وعلى غرار كل شيء مهم في لبنان، يجري التحايل عليه بفذلكات قانونية تعيق تطبيق القوانين وتكبّل القضاء. فالمادة 80 من الدستور اللبناني تلحظ تأليف المجلس المذكور من 7 نواب ينتخبهم مجلس النواب و8 قضاة من أعلى الرتب أو وفقا للأقدمية، ويتم التصويت على قرارات التجريم بغالبية 10 أصوات.  هذا إذاً يجعل القضاة وحدهم غير قادرين على تأمين الغالبية.

بعد تعطيل لسنوات، انتخب مجلس النواب في آذار/ مارس الماضي 7 من أعضائه، لكن حتى اليوم لم يتم بعد اختيار القضاة، ولا تزال اللائحة التي أرسلت الى مجلس النواب في أدراجه. هذا ما زال إذا يعطل عمل المجلس.

أما التعطيل الثالث، فيكمن في جوهر طريقة المحاسبة، ذلك أنه لا يمكن إحالة رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو أي وزير آخر للمحاكمة أمام المجلس الأعلى إلا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب. فمن يستطيع في بلد الطوائف والمذاهب والمحسوبيات تأمين الثلثين؟

بغض النظر عن الخلل القانوني في تركيبة المجلس، بحيث يميّز بين الرئيس والوزير والمواطن العادي ويدخل في إطار “المحاكم الاستثنائية” فيخالف بالتالي الاتجاه الدولي لإلغاء مثل هذه المحاكم، ويخالف خصوصا المادة 7 من الدستور اللبناني التي تعتبر أن “كل اللبنانيين سواء أمام القانون”، فإن المجلس الذي كان يُفترض أن يشفي غليل المواطنين بسجن وزراء ومسؤولين فاسدين، لم يستطع أن يفعل شيئا، لا بل ان الوزراء يستهزؤون بالجسم القضائي ونادرا ما يلبّون طلب استدعاء فتضيع القضايا. لكن بعض القضاة الشجعان يُصر على الاستماع الى شهادة سياسي مهما علا شأنه، فيحصل على ما يريد. هذا جرى مثلا مع الاستماع الى شهادة سمير جعجع رئيس القوات اللبنانية أمام القاضية فاطمة جوني في  ملف محطة تلفزيون “ال. بي. سي”.

هل نكتفي بمعالجات أمنية، أم يجب أن يكون القضاء في الطليعة لانه أكثر معرفة بالمحاكمات والتحقيقات من الأمنيين؟

ملفات الفساد في لبنان فرّخت كالطحالب في العقود الثلاثة الماضية. نهبُ الناس من قبل السياسيين تم بوقاحة قل نظيرها. قلّما مرّ عل الحكومات وزير لم يفسد وينهب. تفاقمت ديون الدولة، وانتفخت جيوب المافيات السياسية والمصرفية وساءت أحوال الناس والوطن.  متى سنرى في لبنان مجموعة من القضاة الشجعان على غرار تلك المجموعة التي أسستها القاضية الفرنسية ايفا جولي فجعلت السياسيين يرجفون خوفا وترتعد فرائضهم وادخلت كثيرا منهم الى السجن او المحاكمة؟

نزل الغاضبون الى الشارع في لبنان، اندس بينهم طابور من الزعران حطّم المحال وكسّر وأحرق، فأساء للمتظاهرين ومطالبهم وخدم الفاسدين، فهل نكتفي بمعالجات أمنية، أم يجب أن يكون القضاء في الطليعة لأنه في جميع الأحوال أكثر نزاهة، وأكثر رحمة وأكثر معرفة بالمحاكمات والتحقيقات من الأمنيين.

لن يقوم لبنان، بلا قيامة قضائه، وتآلف القضاء مع اعلام شريف لا اعلام التأجيج والابواق. ولن يقوم القضاء الا بشجاعة أهله الذين عليهم أن يفرضوا فرضا حقوقهم على السياسيين وأن يعودوا سلطة أساسية مستقلة، وأن يترفّعوا عن تنافسهم وتبعيات بعضهم السياسية لهذا الزعيم أو ذاك. عليهم أن يعيدوا ثقة الناس بالقضاء بعدما فقد الناس تماما الثقة بالسياسة وأهلها… هذه هي المسؤولية الوطنية الكبرى في وقتنا الراهن، ولا شك أن ثمة قضاة شجعان قادرون على ذلك. ولا شك أن على القضاء أن يكون وسام شرف على صدر الوطن، لا مطية لهذا السياسي أو ذاك.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy course