أتوجّه إلى الأصدقاء الذين نختلف معهم حول عدد من هذه الوقائع تحديداً. لماذا؟ لأنّه من المُحزن، إذا ما أردنا أن نبنيَ مستقبلنا سويّاً في لبنان وفي الشّام وفي المنطقة، أن نظلّ – في الغالب – أسرى للتّشويش الاعلاميّ، وللتّأثّر العاطفيّ والمذهبيّ والأيديولوجيّ.
من المحزن، وربّما من القاتل، أن نكون عاجزين حتّى عن الوصول إلى الحدّ الأدنى من الموضوعيّة والواقعيّة. الموضوعيّة مهمّة جدّاً في هذه القضايا، والواقعيّة قد تكون أهمّ. من لا يُشاهد الواقع حوله فيراه، كيف سيبني مستقبلاً ومشاريع؟
بعض الأمور واضح وحقيقيّ “لك” إن جاز التّعبير، وبعضها واضحٌ “عليك”.. فالحكمة تقضي بأن تتقبّل هذه وتلك.. هذا إذا كنت ذا نيّة صادقة، لا سيّما في ما يعني بناء مجتمعاتنا ودولنا ومستقبلنا سويّاً كما أسلفت.
***
لِنعد إذن إلى الظّاهرة التّرامبيّة، ولنتوقّف عند النّقاط التّالية التي لفتت انتباهي كما أشرت، مع التّنويه بأنّني منفتحٌ بطبيعة الحال على مناقشتها، كما على مناقشة غيرها ممّا قد يقترحه بعض الأصدقاء:
النّقطة الأولى؛ في هذا الموضع وفي مواضع أخرى، يُكمل ترامب الإيحاء – بجرأة لافتة واقعاً – وكأنّ تقييم “حلفاء” الولايات المتّحدة في منطقتنا تحديداً مرتبطٌ بالثّروة المادّيّة المباشرة أو شبه المباشرة لكلّ حليف، وبالدّولارات الخضراء النّقديّة نفسها في أحيان كثيرة.
فطوبى بعد ذلك: من بين الحلفاء، لمن كثرت دولاراته (واستثماراته الأميركيّة طبعاً)، وليلطف الله بمن قلّت أمواله ودولاراته. لقد برهن ترامب، في عدّة مناسبات بيّنة، أنّ ادارته تنظر إلى حلفائها المشرقيّين، خصوصاً منهم العرب، بهذه الطّريقة.
وبالتّالي، لا يبدو على الأرجح أنّ هناك جانباً أخلاقيّاً أو مبدئيّاً أو ما شابه، في مضمون هذه الفلسفة التّحالفيّة وفي جوهرها: فمن دفع فإنّما يدفع لنفسه؛ ومن تخلّف عن الدّفع.. فعليها، والويل ربّما “للحليف” الفقير.
هنا، نسأل الأصدقاء: إلى أيّ حدّ، ترامب ما هو إلّا مجرّد “فاضح” لفلسفة جميع الإدارات الأميركيّة تقريباً؟ بكلّ موضوعيّة، وقد أكون مخطئاً: أليس هذا هو ما يقوله ترامب باختصار؟ أي إنّ علاقة الإدارة الأميركيّة مع عدد من “حلفائها” عندنا، هدفها الأساسيّ إنّما هو الاستفادة الماليّة السّريعة حيث أمكن، والاستفادة من ثروات دولنا وشعوبنا عموماً، من دون أي اعتبار أساسيّ آخر في أساس الأمور؟
إلى أيّ حدّ يُبالغ الذين يتّحدثون عن مفهوم الاستغلال – وربّما النّهب – الاستعماريّ الطّابع، المغطّى بشعارات التّحالفات وما إلى ذلك؟ وهل هذا هو الذي نُريده لدولنا ولنخبنا ولشعوبنا؟ مع احترام وتفهّم سياسات بعض أشقّائنا، سياساتهم الواقعيّة بنظرهم ربّما: ولكن.. لنضع هذه الزّاوية فعلاً بين يَدَي تفكّرنا وتأمّلنا، بهدوء وبموضوعيّة كما أشرت.
***
النّقطة الثّانية؛ في هذه المناسبة تحديداً، يتوجّه الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى الحاضرين وإلى المشاهدين وإلى بنيامين نتنياهو وإلى النّاس أجمَعين؛ قائلاً باختصار.. ما معناه الواضح إنّ الرّئيس التّركيّ رجب طيّب إردوغان هو صديق وحليف أساسيّ للولايات المتّحدة، وإنّ هذه الأخيرة تعلم بأنّه ما زال يقوم بأشياء كثيرة لمصلحة سياساتها في الشّرق الأوسط.
حسناً، كلّ الاحترام للرّئيس إردوغان وللولايات المتّحدة. صدقاً، ومن دون أيّ زاوية تهكّم وبكلّ صراحة: كلّ الاحترام للرّئيس إردوغان ولمن يؤيّده في المنطقة. ولكن، أيّها الأصدقاء الأحبّاء: هل نُقارب هذا الواقع الذي يُكرّر ترامب كشفه.. بما يكفي من الحياديّة ومن الموضوعيّة؟ لا شكّ في أنّ مستقبلنا مرتبطٌ بمستقبل إخواننا الأتراك بكلّ أطيافهم، ولا شكّ في أنّنا نشترك وفريق الرّئيس إردوغان في كثير من القضايا القيميّة والثّقافيّة. ولكن، مجدّداً: عندما نحلّل جميعنا حقيقة التّموضع التّركيّ، لا سيّما على المدَيَين المتوسّط والبَعيد، فهل نحلّل بما يكفي من حياد وموضوعيّة وواقعيّة.. خصوصاً في ما يعني الهامش الحقيقيّ الذي تملكه إدارة إردوغان تحديداً في ما يعني عدم الالتزام الكلّيّ بالمعالم الأساسيّة للسّياسة الأميركيّة في المنطقة؟
مع التّبسيط: إلى أيّ حدّ يُمكن لإردوغان وادارته الذّهاب بعيداً مع قضايا أمّتنا ومنطقتنا وشعوبنا.. من دون ثورة جدّيّة على التّموضع التّركيّ العميق الرّاهن (في ما يخصّ حلف “النّاتو”، والتّحالف العميق مع المشروع الغربيّ بشكل عامّ كما رأينا، وغيرهما أيضاً)؟
***
النّقطة الثّالثة؛ وهي نقطة قد لفتت الكثيرين واقعاً، على ما يبدو، ودفعت الكثيرين إلى التّوقّف عندها مليّاً، رغم محاولات التّشويش المؤسفة التي لم يزل يقوم بها بعض الاعلام العربيّ (المشوَّش بدوره استراتيجيّاً، في ما يعني مصالح الدّول نفسها التي تقف وراءه، وهذا حديث لا بدّ من العودة إليه لاحقاً). قال الرّئيس ترامب، بكلّ وضوح، لنتنياهو وللعرب وللفرس وللكرد وللتّرك وللأعاجم أجمعين: قال لهم إنّ الرّئيس أردوغان قد قام بخدمة كبيرة “لإسرائيل” من خلال مساعدته المباشرة في اسقاط النّظام “البعثيّ” السّوريّ السّابق، والذي كان – أيضاً بحسب تعبير ترامب نفسه – يعمل على الدّوام ضدّ “اسرائيل”. قالها، بجانبَيها، على مسمع من نتنياهو وبحضوره.
أحبّائي وأصدقائي، أعرف حساسيّة هذه النّقطة تحديداً بالنّسبة إلى الكثير منّا. ولكن، هلّا نتماسك قليلاً ونشدّ عقال أنفسنا هنيهةً، ونقبل بأن نُقارب هذا الملفّ من خلال الحدّ الأدنى من الموضوعيّة؟ لم يقل ترامب إنّ نظام البعث في سوريا لم يكن مثاليّاً أبداً في ما يعني حقوق الانسان والدّيموقراطيّة. ولم يقل ترامب إنّ هناك من الضّبّاط والجنود السّابقين من ارتكب على الأرجح جرائم كبيرة وفظيعة.. ولا بدّ للقضاء المختصّ، المكتسب للشّرعيّة وللمصداقيّة، أن ينظر فيها ويُنزل بالمجرمين العذاب الشّديد. ولم يقل إنّه، لهذه الأسباب الانسانيّة والأخلاقيّة إن شئت، نحن – أي نحن قادة الولايات المتّحدة والكيان الاسرائيليّ – سعيدون بسقوط النّظام السّوريّ السّابق، وممتنّون لإردوغان على مساعدته في ذلك فور انتهاء العدوان الاسرائيليّ على لبنان، وفي سياق معارك اسرائيليّة على عدد من حركات المقاومة والتّحرّر في المنطقة.
بل قال ترامب بكلّ وضوح: كان هناك، في سوريا، نظام – بإيجابيّاته وبسلبيّاته، بحسب وجهات نظرنا المعتمدة – معادٍ للكيان الاسرائيليّ.. فساعدت تركيا إردوغان هذا الأخير على التّخلّص منه. قيل هذا الكلام أمام نتنياهو، وذُكر فيه إردوغان بوضوح. ولم يعترض نتنياهو طبعاً، وهو الذي لم يزل يتباهى أصلاً بإسهامه الأساسيّ في اسقاط النّظام السّابق.. وعلى الدّوام.
علينا التّوقّف بموضوعيّة وبشفافيّة عند هذه النّقطة واقعاً، من دون ضرورة لتبنّي مقولة إنّ إردوغان قد ساعد “إسرائيل” بشكل مباشر. ولكن، من الصّعب التّغاضي عن التّقييم الأميركيّ والاسرائيليّ الواضح الجليّ للتّوجّه الحقيقيّ والعمليّ للنّظام السّابق في ما يعني مواجهة المشاريع الاسرائيليّة وبالتّالي الأميركيّة والاستعماريّة. أعرف حساسيّة الموضوع هذا وأحترمها بكلّ صدق. لذلك، سأكتفي بهذا المقدار في هذا المجال. ولكنّني أطلب، مجدّداً، من جميع الأحبّة، أن نُنصف واقعنا ووقائع أمورنا، قدر الإمكان، لكي نستطيع التّقدّم سويّاً نحو الأمام.
فلا يجوز أن نكون أسرى تحريض طائفيّ ومذهبيّ إلى هذا الحدّ، وأسرى بعض القنوات التّحريضيّة إلى هذا الحدّ، فلا نستطيع أن نرى أنّ لكلّ الظّواهر تقريباً جوانب ايجابيّة إلى جانب الزّوايا السّلبيّة. آمل أن يأتيَ يوم، على كلّ حال، نستطيع أن نفتح فيه تقييماً موضوعيّاً للأحداث السّوريّة التي أدّت إلى سقوط نظام البعث. ولا أستثني بطبيعة الحال: مقاربة عمليّة اسقاط نظام البعث في العراق أيضاً. اتّخاذ المواقف تحت التّأثير التّرويجيّ أو تحت التّأثّر الفئويّ.. خطيرٌ جدّاً.
***
النّقطة الرّابعة؛ في سياقٍ ليس ببعيدٍ واقعاً، لقد قال ترامب، بوضوح شديد أيضاً، إنّ رئيس السّلطة الانتقاليّة الحاليّة في سوريا، أحمد الشّرع، هو حليفٌ “موثوق” للولايات المتّحدة، وهو “رجلٌ قويّ” من وجهة نظر التّقييم الأميركيّ، وهو يتقدّم – “إن شاء الله” – في المفاوضات مع الكيان الاسرائيليّ. وكان ترامب، قبل أيّام وأمام الملأ، قد طمأن سيّدةً داعمةً للكيان، بأنّ موضوع الجولان قد حلّ.. وأنْ يا ليته طلب فائدةً معيّنةً بعد الذي عرفه عن القيمة الماليّة المحتملة لهذا المكان (!).
وقد أضاف رئيس الولايات المتّحدة في المؤتمر الصّحفيّ قيد النّقاش، وأمام العالم وعلى مسمع من نتنياهو نفسه أيضاً، إنّه يدعو هذا الأخير وأحمد الشّرع.. إلى أن يكونا جدّيّين أكثر في هذه المفاوضات (المباشرة وغير المباشرة)، مع تأكيده على ثقته بأنّ الرّجلَين سيصلان – “إن شاء الله” – إلى اتّفاق قريباً. وأضاف أبو البيت الأبيض، ضمن نفس السّياق تقريباً، أنّ الأمور ستكون “على ما يرام” في ما يعني العلاقة بين نتنياهو وإردوغان بشكل عامّ (بحسب كلامه هو، لا بحسب تحليل أيّ واحد منّا).
***
النّقطة الخامسة؛ أشار ترامب بوضوح إلى الجهات التي يعتبرها عدوّة للمشروع الأميركيّ-الاسرائيليّ في المنطقة. وبلا تمويه أبداً: سمّى الجهات الأساسيّة التي تُعلن بشكل واضح أنّ هدفها هو مقاومة “إسرائيل”، أي ليس كحال تنظيم “داعش” الذي يكاد لا يُطلق طلقةً واحدةً على جنديّ اسرائيليّ واحد. أليس كذلك؟
ثمّ، وبسحر ساحر، قُبيل ساعات ربّما من انعقاد اللّقاء بين نتنياهو وترامب.. تنطلق “مظاهرات” تدريجيّة معيّنة في الشّارع الايرانيّ، قبل أن يُعلن ترامب إنّه سيدافع عن “المتظاهرين” إذا ما قامت السّلطات الايرانيّة “بقمع” هذه التّحرّكات.
***
أيّها الأحبّة، سأكتفي بكلّ أمانة بهذا المقدار، فالأمور جليّة وواضحة عموماً، واللّبيب من الإشارة يفهمُ.. فكيف لا يفهم من الكلام الواضح غير المتشابه ولو بالحدّ الأدنى؟ نحن أهلٌ وجيرانٌ، وشعبٌ واحدٌ ولو مع وقف التّنفيذ في بعض البُقع.. ولكن، علينا أن نكون على الحدّ الأدنى من الموضوعيّة ومن الواقعيّة ومن الجرأة في مقاربة واقعنا الرّاهن.
أترك هذه النّقاط بين أيدينا جميعاً، عسى أن تشكّل مادّةً لإعادة تقييم بعض تأويلنا لما حدث ويحدث حولنا.
