الاحتجاجات
يُمكن القول إنها توقفت مبدئياً، وخبا أوارها، لكن الحديث عنها يرتد إلى آخر العهد بجذورها، بعد انقلاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الإتفاق النووي في 8 أيار/مايو 2018، والذي تم توقيعه في 14 تموز/يوليو 2015، والذي حظي بعد خمسة أيام بغطاء مجلس الأمن الدولي من خلال القرار 2231 الذي اعتُمد في 20 تموز/يوليو 2015. هذا الإتفاق كان يُفترض أن يُعيد لإيران أصول أموالها المقرصنة أميركياً وغربياً (120 مليار دولار) وأن يُخفّف تدريجياً الحصار الغربي المفروض عليها منذ انتصار ثورتها عام 1979، ويفتح باب تصدير نفطها وغازها وثرواتها.. لكن تمزيق ترامب للإتفاق الدولي جعل إيران تلجأ إلى ما بات يُعرف بـ”قانون العملة التفضيلية” والقاضي ببيع كبار التجار عملة الدولار الصعبة بأسعار أقل من سعر الصرف في السوق المحلي كي يتسنى لهم استيراد الأساسيات لسد الضروريات في تصنيع الحاجيات، لكن بعضهم من جشعين ومافيات استغلوا ذلك فكانوا يأخذون الدولار “الرخيص” من الحكومة ويبيعونه في السوق بسعر السوق بدل أن يستوردوا به ضروريات شعبهم، محققين أرباحاً طائلة وسهلة بلا جهد أو عناء، ما ساهم بشكل أساسي إلى جانب الحصار الغربي في مفاقمة التضخم من 40% إلى 48% عام 2025، ناهيك بعوامل أخرى، ومنها الفساد الذي بات ينخر بعض مفاصل الجهاز الحكومي.
حاولت الدولة إبان عهد الرئيس الراحل السيد إبراهيم رئيسي التحرر من هذا القانون الذي كان يكلفها كثيراً دون جدوى إقتصادية، لكنها لم تستطع منه فكاكاً، إلى أن تمكنت من هذا التحرر في عهد الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، ما تسبب بتضرر بعض مافيات السوق.. وهنا كانت بداية المشكلة.
أول احتجاج (28 كانون أول/ديسمبر الماضي) قام به نفرٌ لا يتجاوز عددهم المئة من أصحاب المحلات معظمهم من صغار التجار في السوق الكبير (بازار) وسط طهران، وكل ما قاموا به أنهم أغلقوا محلاتهم وتجمعوا أمامها، قبل أن تتدخل المافيات المالية لتستغل وقفتهم وتضغط عليهم للتحرك والتوسع، من خلال ضمّ مئات العمال الأفغان الذين يعملون في البازار، مقابل مبالغ مالية يحلمون بها، قياساً إلى أجورهم اليومية المتدنية، وما لا يعرفه كثيرون أن في إيران مليون لاجىء أفغاني بينهم ستون بالمئة ممن كانوا في الجيش الأفغاني الذين درّبهم الجيش الأميركي قبل انسحابه من أفغانستان في 31 آب/ أغسطس عام 2021 بعد عشرين سنة من إحتلالها.
الإستباحات
هكذا اتسعت رقعة الاحتجاج الى خارج بازار طهران، وخرج بضعة آلاف في أول ثلاثة أيام، وهي الأيام الثلاثة الأخيرة من شهر كانون أول/ديسمبر الماضي، ليبلغ مجموع المشاركين نحو 200 الف شخص، بعد أن تحولت الإحتجاجات إلى فوضى، ثم إلى اضطرابات، ثم إلى جرائم قتل وإحراق وإرهاب، معظمها تركز في غربي ايران، وتحديدًا في ثلاث محافظات هي: ايلام وكرمانشاه ولورستان، وهي محافظات معظم أبنائها منخرطون في سلك الشرطة لكن الأهم من ذلك كله أن هذه المحافظات الثلاث ذات أهميات ثلاث:
الأهمية الأولى أنها تضم تحت جغرافيتها المترامية الأطراف معظم ما يُعرف في ايران بـ”المدن الصاروخية” دون أن يعني ذلك بالضرورة عدم وجودها في غيرها من المحافظات الإيرانية الـ27.
الأهمية الثانية أن هذه المحافظات الثلاث كانت قاعدة أو قواعد “الإشتباك الصاروخي” الإيراني- الإسرائيلي، بمعنى أنها كانت قواعد اطلاق أكثرية الصواريخ التي أطلقت على الكيان الاسرائيلي في حرب الـ 12 يوماً خلال حزيران/يونيو الماضي، ولهذا كانت هدفاً أولاً في الاستهداف هذه المرة.
الأهمية الثالثة أن هذه المحافظات الثلاث شكلت ولا تزال، معبراً بل معابر للسلاح وللمسلحين، ولهذا كانت المحاولات عبر الاحتجاجات والعمليات إيجاد ممراتٍ لدخول جماعاتٍ إرهابية مسلحة بالرغم من كون عشائر وقبائل محافظات الغرب والجنوب هم من حراس البلاد الأساسيين (اللور- الكرد- العرب). وفي بلوشستان، تشارك سرايا من أهل السنّة في حماية الحدود الشرقية ولهذا بدأت أعمال الشغب من مدن صغيرة في المحافظات الغربية ليتبين أنها كانت تمهيدية لغيرها مما هو أفظع.
هكذا إنطلقت الشرارة، وهكذا اتسعت حتى كان يوم “الخميس الدامي” (هكذا بات يُعرف في إيران) عندما بدأ المحتجون بالإحراق والتكسير وبإطلاق الغازات المسيلة للدموع؛ “هنا كان لا بد من الإستعانة بقوات من “الحرس” مخصصة لهذه الحالات، لكن ذلك لم يجدِ، فهذه القوات المشكّلة من فرق، كل فرقة منها تضمّ 72 عنصراً لمكافحة أعمال الشغب، مزودة ببنادق ذات رصاص مطاطي، ولديها بندقية “كلاشينكوف” واحدة فيها رصاصتان فقط للدفاع عن النفس عند الضرورة القصوى، وهذا دأبها منذ انتصار الثورة”، على حد تعبير أحد الزملاء في طهران.
لكن المشهد انقلب، “وراح يتطور إلى ما هو أخطر، وتعدى استهداف رجال الشرطة والحرس إلى استهداف المدنيين بالقتل من مسافة صفر، والكل لم يكن معهم ما يدافعون به عن أنفسهم، فهناك أشخاص كانوا يمرّون بالصدفة قُتلوا من الخلف برصاص الإرهابيين، وعندما هجم مسلحون على مركز الطب الشرعي في طهران، هرب كل من استطاع النجاة بنفسه إلا ثلاثة أشخاص، فقتلوهم وأحرقوا الجثث التي وجدوها بثياب شرطة، وهناك من تمّ التمثيل بجثثهم”، وعندما قلت لصديق ودبلوماسي عارف يعيش في طهران منذ فترة طويلة: هل صحيح ما أخبرونا إياه أن هناك قتلى من الشرطة والمدنيين برصاص المسلحين. استغرب وقال: “ألم يخبروكم بأنهم قطعوا رؤوساً لمدنيين ورجال شرطة ووضعوها على السيارات؟ ألم يخبروكم بأنهم أحرقوا ضباط شرطة وهم أحياء”؟
الإحتواءات
عند هذا الحد- يضيف “الصديق العارف”- إتضح لدى الدولة أن المخطط أكبر من احتجاجات، وأن المنفذين غريبون عن المجتمعات الإيرانية. الأساليب “داعشية” بامتياز. الأهداف بث الرعب ونشر “الفوضى الدموية”. كان لا بد من خطوة أولى، فتمّ قطع الإنترنت عن كل انحاء إيران، لكن الأعداء بدأوا الخطة باء، ففعّلوا خدمة “ستارلينك” في خدمة الإرهابيين، وهو ما أعلنه ثنائي دونالد ترامب- إيلون ماسك علناً، وكان ذلك تحدياً خطيراً، لكن الأدمغة العلمية الإيرانية استطاعت بسرعة وقتٍ قياسية، تحديد أماكن وجود كل “راوتر” يعمل عبر “ستارلينك”، وهو ما أمكن من تحديد غرف عمليات الإرهابيين واعتقالهم أينما وجدوا، وتعطيل إمكانية القيام بأية عملية تنزيل (download) أو تحميل (upload) فيما تم تعطيل الأقمار الصناعية لـ”ستارلينك” (40 ألف قمر صناعي) بمساعدة الحليف الصيني، حسب رواية “الصديق العارف”.. وهنا لجأ المخربون إلى جهاز “دي. يو” (D.U)، وهو أرخص كلفةً لكن تم تعطيله وبتقنيات إيرانية أيضاً، “لتنتهي المجزرة بأكثر من ثلاثة آلاف من المدنيين ما بين رجال ونساء وأطفال ومن عناصر الأجهزة الأمنية ما بين شرطي وضابط، مقابل 690 قتيلاً من المسلحين”. ليبقى السؤال بأن إيران كدولة أمنية بامتياز، ألم تتعلم الدرس بعد الإنكشاف الأمني الذي كشفته حرب الـ12 يوماً؟
لا تخفي ايران أنها فوجئت بما حصل، وتردّ ذلك إلى أن أعداءها يتبعون في كل مرة أسلوباً جديداً لإسقاط النظام، فهم كانوا حائرين أو منقسمين بين من يرى أن الأنجح والأنجع شنّ حربٍ عليها تليها احتجاجات لنشر الفوضى تؤدي في نهاية المطاف إلى إسقاط النظام، وبين من يرى أن العكس هو الأفضل، بمعنى نشر الفوضى عبر احتجاجات وأعمال شغب واضطرابات، يليها القيام بحرب قاضية على ما يتبقى من منظومة النظام، وما بين هذا وذاك، كان اختبار “الحرب ثم الفوضى” في حرب 12 يوماً الماضية، ولم ينجح، فكان اليوم اختبار “الفوضى ثم الحرب” فهل ينجح؟
يجيب “الصديق العارف”، وهو دبلوماسي عريق: “هذا الخيار فشل كما فشل غيره، بحكم فشل الفوضى في التمهيد للحرب”، ولكن ماذا لو قام الأعداء بضربة محدودة من أجل التفاوض، أو من باب “حفظ ماء الوجه”؟ الجواب الإيراني مفاجىء: “هم أشاروا إلى ذلك وكان جوابنا سواء أكانت ضربة محدودة أم غير محدودة، الرد هذه المرة ومنذ اللحظة الأولى، سيكون شاملاً”. شاملاً بأي معنى؟ الجواب على الطريقة الإيرانية من الغموض الاستراتيجي: “لكل حادث حديث”.
