حين قادتني الدبلوماسية إلى قلب الحضارة الهندية

كنت أعدّ لآخر امتحان لي في قسم العلوم السياسية عندما انعقد مؤتمر باندونغ الشهير في الهند في شهر نيسان/أبريل، وبفضله تعلّقت بشخصيات لم أكن أعرف الكثير عنها.

لم أدرك وقتها أن إعجابي برئيس وزراء الهند لن يكون سوى حلقة أولى في سلسلة من الحلقات أثمرت الكثير من الأحداث. بدأت برغبة قوية للتعرّف على الهند تاريخًا وثقافةً وأديانًا وآثارًا، مرورًا بتعييني بوزارة الخارجية ضمن مجموعة من أكثر من خمسين، وانتهاءً بأن أحظى، بعد مرور خمسة شهور، بقرار إلحاقي بعاصمة الهند ملحقًا دبلوماسيًا بسفارتنا لديها. كنت سعيدًا بالقرار، ليس فقط لأنها الهند، ولكن أيضًا لأنه راعى، أو لعله لم يراعِ، حقيقة كوني أحد ثلاثة هم الأصغر سنًا في وزارة الخارجية المصرية.

كانت حقًا مرحلة غريبة في حياتي، أحداثها متلاحقة ومتسارعة. أنهيت الجامعة دون تخلف أو تعطيل. نشبت حرب السويس فكانت بندًا في امتحان الخارجية، وانتهت بسرعة، وبعد أقل من عام كنا على مكاتبنا في مختلف إدارات الوزارة. كان من نصيبي التعيين بإدارة الصحافة، وكأن القدر يقدّر لي ما لم أقدّر، ولا أحد كان يقدّر. خلال أيام لا أكثر، كنت في الطائرة المتوجهة نحو طائرة أخرى في بيروت. قضيت في هذه المدينة الساحرة يومًا في انتظار طائرة ثالثة أقلّتني إلى بومباي، ومن هناك طائرة رابعة إلى نيودلهي.

هناك في العاصمة الجديدة عرفت أن السفارة تفضلت وحجزت لي في فندق شعبي بدلهي، العاصمة التاريخية. كانت الغرفة بدائية، كما الفندق. أدخل الغرفة بإزاحة ساتر من البامبو. من يمر في الردهة يسمع ما يدور في الغرف، ولكل الغرف حمام مشترك في نهاية الردهة. لم أحتجّ، فبالفندق زملاء بين النزلاء. تذكرت ما سبق وما رأيت أثناء تجولي منفردًا في بومباي. رأيت فقرًا لا يعادله في ذاكرتي، وأنا طالب، عن رحلات في غزة وليبيا ومعظم مدن وبعض قرى مصر فقرًا مماثلًا. لكني تذكرت في الوقت نفسه ما قرأت عن تاريخ الهند في كتب الإنجليز. كتبوا عن حملة “شركة الهند الشرقية” في القرن السابع عشر، عندما كانت الهند، تحت حكم إمبراطورية المغول، تنتج وحدها ما يعادل 28% من الناتج العالمي، أي ما هو أعلى مما كانت تنتجه أوروبا وإمبراطورية الصين مجتمعتين. وقتها كانت النخبة الهندية تتكلم وتكتب باللغة الفارسية. استعدت أيضًا من الذاكرة واقع التقدم في العلوم والرياضيات والآداب في الهند في القرن الثاني قبل الميلاد، في عهد الإمبراطور “أشوكا”.

***

أذكر أيضًا ما سجله الرحالة العرب عن رخاء “كيرالا”، الولاية الهندية الواقعة في أقصى جنوب غرب الهند، حتى أطلقوا عليها بلاد “خير الله”، وصارت باللغة المحلية، التي هي مزيج من المالايالام والسانسكريت والتاميل، “كيرالا”. اطلعوا على آدابها وعقائدها وعاداتها وانبهروا. شاهدوا بعيونهم قبل قلوبهم كيف ازدهر الحب بين قدامى الهنود. مجّدوا تقدم الهندسة وجمالها أيام المغول، حين شيد شاه جاهان مبنًى من رخام بلون العاج، والمعروف بجوهرة الفن الإسلامي، ليرقد فيه جثمان حبيبة قلبه وروحه زوجته “ممتاز محل”. تاج محل حطم أسطورة سادت عبر التاريخ تزعم أن الحب الوحيد في حياة الرؤساء والسياسيين عمومًا هو حب السلطة، ولا حب آخر يمكن أن يعادل حب السلطة أو حتى يوجد إلى جانبه.

الهنود، قبل المغول، مجّدوا الحب أيما تمجيد حين أقاموا له معبدًا فريدًا بين كل ما عرفه التاريخ عن معابد وكهنة وأديان، إنه معبد “كاجوراو”؛ معبد زاخر بتماثيل جسدت العاطفة والشغف والجنس بكافة أشكاله وأوضاعه، وهي نفسها ظلت لآلاف السنين تذكّر الهنود بأن الحب حق للآلهة أيضًا، وكذلك للكهنة الساهرين على سلامة العقيدة ليحسنوا إدارة البشر. أعرف شاعرًا عربيًا خاطب المعبد بعد أن جال في أرجائه بترخيص خاص من الدولة، فقال في أبيات سبق أن وردت في مقال لي عن “تماثيل خلفت أثرًا في حياتي”:

“كاجوراو، هل من حرمةٍ.. لك عند رائيها، تُصان
كم زائرٍ أدمى فؤادك.. بما أسرّ وما بان
أخفى الرضى وتظاهرت.. بالسخط، عيناه اللتان
تتحريان وتنهلان.. وتسكران وتحلمان”.

***

ترك البريطانيون وراءهم الفقر والتخلف، وبالفعل كانا أول من قابلني في بومباي ودلهي ثم في كلكتا. لكن بعد أيام في العمل عادت تتوالى الأحداث، منها وأهمها ما أزاح جانبًا الانطباع الأول، وهو سيئ، لصالح انطباعات أخرى.

أود، قبل الاستطراد، أن ألمح إلى السمعة الطيبة التي خلفها وراءه السفير السابق. كان واحدًا من الرعيل المخضرم، أي المستمر في وظيفته الدبلوماسية متجاوزًا عملية “التطهير” التي نفذتها حكومة الثورة. اختار أن تكون السفارة في دلهي القديمة. هناك الشعب الحقيقي، وهناك يستطيع أن يتبادل الحديث مع المواطنين الهنود بلغاتهم المحلية. أسرّ لي هنود مسؤولون أن السفير المصري كانت له شعبية كبيرة، ليس فقط في الشارع الهندي، ولكن أيضًا في دوائر النخبة الحاكمة، وعلى رأسها جواهر لال نهرو، وتردد أنهما كانا يتحدثان في لقاءاتهما بالسانسكريت، اللغة القديمة التي لا يجيد التحدث بها وقراءتها إلا قلة من الباحثين ورجال المعابد وأساتذة الدين. يُذكر أيضًا، كما أسرّ لي مسؤولون مصريون زاروا الهند، أن السفير السابق يعود له فضل التمهيد لتقوم علاقة شخصية قوية بين زعيمي مصر (جمال عبدالناصر) والهند (لال نهرو) في ذلك الحين.

إقرأ على موقع 180  "أنور السّادات".. أو "الشّتاء العربي" الطّويل

***

“يطلبونك على الهاتف”، جاءني، وأنا على مكتبي، نداء السكرتيرة الهندية. لاحظت على الصوت نبرة استغراب وفضول. لم أكن على مكتبي إلا ليومين أو ثلاثة حتى يدعوني عميد السفراء العرب لحضور غداء رسمي بنادي العاصمة. العميد، أي أقدم السفراء العرب، يدعو الملحق بالسفارة المصرية حديث الوصول. هيمن الفضول على زملاء بالسفارة مراتبهم عالية، ولم يتورع أحدهم عن الاستفسار عن علاقتي بمعالي الشيخ الفوزان، سفير المملكة العربية السعودية، حتى يدعوني مع سفراء عرب وأجانب!

يومها، يوم الحفل، أضاف إلى سلسلة الأحداث المتسارعة والملحة حلقة جديدة. جاءت جلستي إلى جانب نجلة سفير سوريا. تعارفنا وتحادثنا واتفقنا واختلفنا ثم تواعدنا. بعد أربعة شهور وجه السفير السوري الدعوة إلى رؤساء السلك العربي وعائلاتهم للاحتفال بعقد القران. قاد تنفيذ الإجراءات الشرعية سفيرا السودان والسعودية وبعض مشايخ الهنود. عدنا فاجتمعنا، بعد شهرين من عقد القران، ومعظم وزراء الهند ورئيستهم أنديرا غاندي وأغلب قيادات السلك الدبلوماسي لإشهار الزواج. شهران آخران تقرر خلالهما في القاهرة نقلي إلى السفارة في بكين.

***

قال لي المشعوذ الهندي الذي تجاسر وأوقفني بينما كنت في طريقي إلى “جاي لورد”، مقهاي المفضل في وسط نيودلهي، قال بلغة إنجليزية متميزة: ستسافر قريبًا يا فلان نجل فلانة، لتعود إلينا في وقت غير بعيد. قالها واختفى في زحام السوق الشهيرة. صدق الساحر أو المشعوذ في نبوءته وأخطأ. عدت فعلًا إلى الهند، ولكن مرتين: المرة الأولى عندما خرجت الطائرة الهندية التي كانت تقلنا، أنا وعائلتي الصغيرة، من هونج كونج إلى روما عن مسارها في مطار بومباي واصطدمت بالأرض. أما المرة الثانية فكانت بصفتي صحفيًا ضمن وفد من مؤسسة “الأهرام”، والتقينا بالسيدة غاندي التي احتفلت بنا، فدعت الوفد، وكان يرأسه محمد حسنين هيكل، لحضور مؤتمر شعبي في القلعة الحمراء بالعاصمة ترأسته وخطبت فيه. جلسنا القرفصاء حولها من الناحيتين. أبدعت كعادتها.

عشت بعد هذه الحلقات من مسلسل الأحداث المتسارعة حلقات أخرى ليست أهدأ ولا أبطأ. عشت فيها أحلم بالهند تعود إلى مجدها القديم. الحلم أراه اليوم يتحقق. أرى الهند، كما الصين، تنتصران على الفقر وتعيدان آسيا إلى عظمة آلت إليها منذ قديم الزمان واستمرت حتى وصول الاستعمار الأوروبي.

(*) بالتزامن مع “الشروق”

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  ترامب يجعل أميركا شخصية حاضرة - غائبة في الشرق الأوسط