السفارات والحراك اللبناني.. أولوية الشعارات والأهداف

Avatar18024/10/2019
ما هو الموقف الأميركي من الوضع اللبناني، اليوم، في ضوء ما آلت إليه تطورات الحراك الشعبي غير المسبوق وردود الحكومة اللبنانية التي لم ترق حتى الآن إلى مستوى اللحظة الإستثنائية التي يشهدها الشارع أو يعاني منها الإقتصاد في لبنان؟

تشير معظم المعطيات إلى أن الأميركيين يتمسكون حتى الآن ببقاء حكومة الرئيس سعد الحريري، وهم أبلغوا هذا الأمر صراحة إلى الحريري، وكذلك إلى حلفاء آخرين في لبنان بينهم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، كما أبلغوه إلى جهات دولية أبرزها العواصم الأوروبية المعنية بمؤتمر سيدر ودول مجموعة الدعم الدولية للبنان (واشنطن، موسكو، باريس، روما، لندن، بكين، برلين، الإتحاد الأوروبي، الجامعة العربية والمنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان).

وسرعان ما ترجم هذا الموقف بصدور بيان مجموعة الدعم المساند للخطوات الإصلاحية للحكومة، والذي حثّ “المسؤولين والجهات السياسية الفاعلة في لبنان على الاستماع إلى المطالب الشرعية التي يطرحها الناس”، كما دعا إلى “الامتناع عن الكلام والأفعال التي يمكن أن تلهب التوترات وتحرض على المواجهة والعنف”.

وفيما لقي موقف جنبلاط تقديرا أميركيا بقراره عدم مغادرة الحكومة (طلب تأجيل زيارته التي كان ينتظرها منذ فترة طويلة إلى العاصمة الأميركية)، فإن موقف جعجع لم يلق إرتياحا عند الأميركيين، وهو ثاني موقف يتخذه رئيس القوات اللبنانية خلافا لرأي الإدارة الأميركية، بعدما كان الأول في العام 2016، عندما قرر دعم وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية لقطع الطريق على سليمان فرنجية خلافا لإرادة الأميركيين آنذاك.

ولعل نقطة الإلتقاء بين الأميركيين وكل من جنبلاط وجعجع وحتى حزب الكتائب اللبنانية بقيادة سامي الجميل، تتمثل في محاولة نقل الضغط السياسي من مربع السرايا الحكومي الكبير في وسط بيروت إلى مربع القصر الجمهوري في بعبدا، خاصة وأن واشنطن تعتبر أن مواقف العماد عون منذ ثلاث سنوات حتى الآن، وفّرت المشروعية لحزب الله ليس على رأس الشرعية اللبنانية بل وفي كل المنابر الدولية والعربية والإقليمية.

وما تبلغه الحريري من السفارة الأميركية في بيروت، أعادت التأكيد عليه، أمس الأربعاء وزارة الخارجية الأميركية بإشارتها إلى أن الشعب اللبناني “غاضب بحق” من سلطته السياسية لرفضها مكافحة الفساد، وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن “تدعم حق اللبنانيين بالتظاهر السلمي”، وذلك إستكمالا لموقف أميركي سابق مفاده أن عقودا من الخيارات الإقتصادية السيئة والفساد “دفعت الدولة اللبنانية إلى حافة الانهيار السياسي”.

وفي هذا السياق، يعترف موظف حكومي لبناني كبير لـ “180” إنه على هامش مؤتمر سيدر، تلقينا تحذيرات من الأميركيين والفرنسيين ومؤسسات دولية بأن المسار الإقتصادي والمالي في لبنان “سيؤدي إلى نتائج وخيمة”، ويضيف الموظف نفسه أن ملف الكهرباء وحده إستنزف حوالي الخمسين في المئة من الدين العام الإجمالي، وقد قدم الفرنسيون تصورا يبدأ من تشكيل الهيئة الناظمة وتعيين مجلس إدارة المؤسسة وصولا إلى إعادة النظر بالتعرفة من دون المس بمداخيل الطبقات الوسطى والفقيرة، وتبلغنا في مطلع العام 2019 من “ستاندرد أند بورز” أنه يمكن إعادة النظر في تصنيف لبنان إلى مستقر “إذا كانت الحكومة اللبنانية قادرة على تقديم إصلاحات أساسية إقتصادية وضريبية من شأنها تفعيل النمو الاقتصادي وخفض مستويات الدين على المدى المتوسط، بما في ذلك مقاربة الثغرات وقصور الفاعلية في قطاع الكهرباء”.

يقول الموظف الحكومي نفسه إن بعض العواصم الغربية “بدت وطنية أكثر من بعض المسؤولين اللبنانيين، بغيرتها على المال العام، فيما البعض كان يفكر بنهب الخزينة وجني الأرباح الخيالية”.

يكاد ملف الكهرباء “يشكل وصمة عار على جبين الطبقة السياسية اللبنانية منذ تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا”. لذلك، يقول الموظف الحكومي نفسه إن بعض العواصم الغربية “بدت وطنية أكثر من بعض المسؤولين اللبنانيين، بغيرتها على المال العام، فيما البعض كان يفكر بنهب الخزينة وجني الأرباح الخيالية”.

بهذا المعنى، يكاد موقف بعض العواصم يتطابق مع حزب الله الذي ما كان بمقدوره إنتزاع الإجراءات الإصلاحية التي كان ينادي بمعظمها سابقا، إلا بالإستفادة من مشهد الشارع الضاغط على الطبقة السياسية برمتها.

هل هناك “اجندة” سياسية عند بعض السفارات؟

حتما، وهذه في صلب نظرة هذه السفارات إلى مفهوم الأمن القومي لبلادها. السوري والإيراني من مصلحتهما إضعاف خصوم حلفائهما في لبنان، والعكس صحيح بالنسبة إلى السعودية والإمارات والولايات المتحدة. هكذا، لا يكون غريبا رؤية بعض الوجوه والرايات المدعومة سعوديا وإماراتيا في قلب الحراك مع التركيز على أولوية إستقالة سعد الحريري وتحميل التسوية الرئاسية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع اليوم.. يسري الأمر على بعض الوجوه التي تحركت في طرابلس نحو بيوتات سياسية معينة بأوامر من خارج الحدود.

ولا يتقدم عند الأميركيين تحديدا أي عنوان سياسي على عنوان حزب الله. هم يقاربون ملف لبنان بالدرجة الأولى من زاوية منتج سياسي وعسكري وأمني يحسب له ألف حساب في واشنطن وتل أبيب. المقاربة الأميركية تتمحور حول كيفية إضعاف نفوذ حزب الله سواء بتجفيف موارده أو محاولة إنهاك البيئة الحاضنة له أو تشظي البيت الشيعي أو ضعضعة تحالفاته أو حلفائه. هم يركزون حاليا على الحدود البرية مع سوريا (وقف تهريب السلاح) والحدود البحرية مع إسرائيل (تقديم لبنان تنازلات وفق خط فريديريك هوف) ومسألة الصواريخ الدقيقة (المعامل والمخازن)، وهذه الأولويات إسرائيلية قبل أن تكون أميركية.

هل وصل الأمر بالأميركيين حد الإستعداد إلى قلب الطاولة وأخذ لبنان إلى الفوضى من أجل زلزلة الأرض التي يقف عليها حزب الله؟

من المبكر الجزم لا بالإيجاب ولا بالسلب. حتى الآن، يعطي الأميركيون كل الإشارات الدالة على تمسكهم بإستقرار لبنان، ولو من زاوية مصالح لا تندرج بالضرورة في مصلحة لبنان واللبنانيين. أولوية ملف الغاز في البحر، ملف اللاجئين السوريين (وأيضا الفلسطينيين)، ملف قوات اليونيفيل (ضمنا أمن إسرائيل)، والأهم من ذلك “إدراكهم العميق أن الفوضى في لبنان ستمكن حزب الله من الإمساك بالبلد، أو أقله بالعاصمة والبقاع والجنوب”، يقول محلل سياسي لبناني.

هل يمكن للأميركيين أن يستفيدوا من الحراك؟

نعم، يمكنهم ذلك ويمكن لغيرهم أن يستفيدوا. يكفي هنا الإستشهاد بما قاله أحد الزملاء بأن تسلل بعض المندسين إلى مناسبة أو مسيرة عاشورائية أو دينية لا يعني أن المناسبة نفسها أو المسيرة نفسها صارت سيئة أو خطيرة. عندها، يصبح من واجب الحريصين على المناسبة أن يمنعوا المندسين من تحويل المناسبة إلى منبر لشعاراتهم وأهدافهم. هنا تكمن مسؤولية الحراك بأن يحافظ على شعاراته الأصلية وأن يمنع بعض الغوغائيين والمتسلقين والإنتهازيين من أخذ الحراك إلى “اجنداتهم” سواء أكانت داخلية أو خارجية.

Avatar

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free