الفصل بين المقدس والسياسي: مناظرات ما بعد الثورة في إيران (1)

ثمة مناظرة حيوية مغدورة حول "ما بعد الثورة الإسلامية" في إيران، تتناول الجذور العميقة لأزمة النظام الديني، وسط انسداد آفاق الإسلام السياسي وتعثر تجاربه في إدارة الدولة والمجتمع والتنمية على نطاق العالمين العربي والإسلامي. وقد ظهرت هذه المناظرة باكراً في الجمهورية الإسلامية في إيران عندما حاولت نخبة من المفكرين المستنيرين التصدي فلسفياً لهذه الإشكالية الكبرى واقتراح الحلول المناسبة.

لقد انطلق هؤلاء المثقفين الإيرانيين، وهم من دعاة التجديد في الفكر الديني يتقدمهم الدكتور عبد الكريم سروش (*) الذي اشتهر بنظرية “القبض والبسط في الشريعة”، من حالة الخيبة وسقوط الأحلام الثورية بسبب الوضع المتردي للاقتصاد وانحسار شرعية المسؤولين في السلطة، في سياقات دولية تتميز بتفكك الاتحاد السوفياتي وتراجع الفكرة الثورية سواء أكانت إسلامية أو غير إسلامية، واقترحوا رؤية واقعية لقضايا المجتمع الإيراني بعدما خاضوا تجربة الثورة الإسلامية وتلمسوا نقاط ضعفها أو الاختناقات في مساراتها. وعلى الرغم من أن هؤلاء المنظرين لمرحلة ما بعد الثورة، ومنهم علماء أو مثقفين دينيين مثل محسن كاديوار ومجتهد شبستري وآية الله حائري (**)، كانوا يعلنون الانتماء إلى نظام قيم دينية، فإن تفكيرهم كان يقود إلى رسم “مجال مدني” متحرر من النظام الديني، وذلك لاعتراضهم في المقام الأول على الجمع بين السياسي والمقدس الذي يركز عليه تيار الإسلام السياسي الساعي إلى إضفاء الشرعية على الإدارة السياسية للمجتمع، كما يراها علماء الدين التقليديين بحجة التقوى أو العصمة.

اعتراض هؤلاء المثقفين الإيرانيين أو نقدهم، ينبثق من حقول مختلفة تقع عملياً في مجالات اختصاص كل واحد منهم (الاقتصاد، علم الاجتماع، العلوم الدينية الإسلامية، الفلسفة الغربية خصوصاً مدرسة فرانكفورت.. إلخ).

فلسفة إسلامية

غير أن النقطة المشتركة بين هؤلاء المثقفين المنشغلين بقضايا “ما بعد الإسلامية”، هي تقديم رؤية للإسلام تفصل بين السياسي والديني على أساس فكري من داخل الدين الإسلامي وليس نقداً خارجياً للمفهوم الديني. لذلك قيل في عملهم أنه يندرج في إطار فلسفة إسلامية وليس فلسفة من النمط الغربي، وإن بدا تأثير النمط الأخير حقيقياً على أفكارهم.

وفي إطار النزعة الإسلاموية، اتسم عمل هؤلاء المثقفين بالاستمرارية والنقد في آن معاً، وللمثال، فقد اعترضوا على مفهوم “ولاية الفقيه” الذي استندت إليه السلطة الجديدة في إيران غداة تأسيس الجمهورية الإسلامية، على أساس اجتهاد ديني وليس حداثة علمانية غربية.

أكثر ما يثير الاهتمام في محاولة المثقفين الدينيين الإيرانيين، هو رفض فكرة الثيوقراطية بناء على منطق الفكر الإسلامي. ولقد قادتهم المحاججة المتعددة الأبعاد والمبنية على تفسير النصوص الدينية والتحليل الاقتصادي ومراقبة تطور العالم، إلى الاستنتاج أنه يتعين عدم الخلط بين المجالين السياسي والديني، وذلك لكون السياسي هو مجال المقاربة النسبية، في حين أن الديني أو المقدس ينطوي على قيم أبدية غير مقيدة زمنياً وإذا ما تم الخلط بين المجالين، فإن الأخطاء السياسية قد توضع في حساب الدين، ما يؤدي إلى التشكيك فيه آجلاً أو عاجلاً.

وهكذا رأينا أن الترجمة العملية لنقد المثقفين “ما بعد الإسلاميين” أفضت إلى التأكيد أن الإسلام السياسي الذي يدعو إليه الإمام الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، ليس سوى اجتهاداً لا يحوز على إجماع أكثري في الفكر الإسلامي، وأن شرعيته في أفضل الحالات تعتبر نسبية جداً، كما أن انحياز مرشد الثورة آية الله خامنئي إلى ولاية الفقيه مصدره تفضيل فردي وبالتالي ظرفي، وأن هذا الخيار ليس في حد ذاته ضرورياً أو نهائياً.

دولة القانون

وينظر دعاة التجديد هؤلاء إلى الإسلام على قاعدة أنه لا يمكن أن يُختزل بسلطة معيّنة من شأن قصورها أن ينسحب عليه، ولذا فإن الفصل بين الدين والدولة لا يرمي – من وجهة نظرهم- إلى إضعاف الدين بل إلى صونه من عثرات سلطة قد تحاول أن تلقي عليه علامات قصورها أو حساباتها الظرفية. على أن الأمر اللافت للانتباه لديهم كان هاجس قيام دولة القانون، أي أنهم كانوا يريدون أن تخضع الدولة للقانون الذي أُبرم من طريق الإرادة الشعبية، علماً أن فكرة دولة القانون كانت طاغية في الحملة الرئاسية للسيد محمد خاتمي عام 1997، كما في حملة السيد مير حسين موسوي عام 2009.

ولم يكن غريباً أن تواجه ظاهرة هؤلاء المثقفين بموقف إقصائي من جانب النظام، وبالمقاطعة من الصحافة الإيرانية المحافظة، لكنها تبقى علامة فارقة تساعد في إلقاء نظرة نقدية على تجربة حاولت إعادة الاعتبار إلى المفهوم السياسي بعيداً عن وضع الدين في خدمة السياسة، ورسم مجال سياسي قائم بذاته تحكمه المناقشة والتصويت. ومن هذه الزاوية، كان هؤلاء المثقفون المستنيرون في حالة قطيعة مع التقليد الإيراني للتفكير السياسي منذ عشرينيات القرن الماضي بكونهم عملوا بأدوات النقد الفلسفي والديني وشكلوا معارضة فكرية لا تسعى إلى انتزاع السلطة عبر العنف الثوري ولا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة باسم مشروع ثوري طوباوي، إنما العمل قبل أي شيء لفتح مجال عام للتعبير والمناقشة يمكن للأفكار السياسية أن تتناظر فيه.

في أي حال يُسجل للطاقة الحيوية للشعب الإيراني بكل مكوناته، أنها حققت ثلاث ثورات كبرى في قرن واحد: (1) الثورة الدستورية (1906-1911)؛ (2) ثورة تأميم النفط التي قادها الدكتور محمد مصدّق في خمسينيات القرن الماضي؛ (3) الثورة الإسلامية التي بدأت مدنية ترفع لواء حقوق الإنسان في وجه الاستبداد ونظام الشاه، ثم تلقفتها الحركة الخمينية لتدخل سياقاً قومياً دينياً تمخض عن ولادة جمهورية هجينة في العام 1979.

إقرأ على موقع 180  برّاك يفاجئ بيروت: إيران شريكٌ وجارٌ في مسار التسوية اللبنانية!

ويتبين من خلال هذه المسيرة التاريخية، أن كل جيل من الثائرين والمعارضين في إيران كان يُقرّر مصيره بمعزل عن طموحات وتطلعات الجيل السابق الذي كان يتصرف وكأنه هو الذي يُحدّد آفاق الجيل اللاحق الذي لا يلبث هو أيضاً أن ينقلب على من سبقه.

والملاحظ أن هذه الظاهرة الأنتروبولوجية تتكرر في التاريخ الإيراني، حيث يتصرف كل جيل من الأحرار الدينيين والمدنيين على أساس أن القيام بالثورة مبدأ وواجب، وإن لم يكن مؤكداً أنها قادرة على المضي إلى الأمام وإنجاز مشروعها.

من هنا كانت حركة الإصلاح والتجديد في عهد الرئيس خاتمي بمثابة “ثورة صامتة” أثارت مخاوف طبقة رجال الدين في السلطة ودفعت المقدمين منهم إلى الرهان على تطوير منظومة الحرس الثوري لجعلها ضمانة أمنية لحماية أهل السلطة وتأمين المستقبل. وقد تحدث بعض المحللين في حينه عما أسموه “انقلاباً زاحفاً” من شأنه إعادة إنتاج آليات الاستبداد على النحو الذي أودى بمكتسبات حركة مصدّق، خصوصاً وأن نظرية ولاية الفقيه تعود جذورها إلى النظام الصفوي.

(*) عبد الكريم سروش اشتهر بنظرية القبض والبسط في الشريعة، الكتاب الذي ترجم إلى العربية، والذي يتمحور حول الثابت والمتغير في الدين. أكمل دراساته في الفلسفة خارج إيران ثم عاد بعد انتصار الثورة وأصبح عضواً في مجلس الثورة الثقافية بتوجيه من الإمام الخميني، وهي الهيئة التي كلفت بأسلمة الجامعات والدروس الجامعية، ولكنه استقال بعد حين لتعارض وجهة نظره مع وظيفة المجلس ليتفرغ للعمل الأكاديمي والبحوث الفكرية. ترجم وألّف دراسات عدة في فلسفة العلوم ونظرية المعرفة. غادر إيران ليُحاضر في جامعات أميركية وبريطانية كأستاذ زائر في مادة الفلسفة والتصوف الإسلامي.

(**) من المؤسف عدم توافر نتاج هؤلاء المفكرين المُجدّدين باللغة العربية، علماً أنهم لعبوا دوراً مهماً في نقد الفكر الديني المعاصر وتحليله وعرضوا منهجية جديدة في هذا المضمار. إن أكثر البحوث والكتب التي ترجمت إلى اللغة العربية لا تعكس وجهة نظر هؤلاء الإصلاحيين والمُجدّدين في الثورة الإيرانية وغلب على أكثر الاختيارات الطابع الإسلامي التقليدي.

Print Friendly, PDF & Email
ميشال نوفل

كاتب وصحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  هلوسة.. من وحي زمن غزة