بين الحسم المستحيل والاستنزاف المفتوح.. قراءة في حرب إيران

لا تُقاس الحروب الحديثة بنتائجها العسكرية المباشرة فحسب، بل أيضًا بقدرة الأطراف المتصارعة على إدارة الرواية السياسية والإعلامية التي تُفسّر مسارها ونتائجها. وفي هذا السياق، برزت محاولة واضحة لتقديم العمليات العسكرية باعتبارها نجاحًا استراتيجيًا للتحالف الأميركي–الإسرائيلي في حربه التي دخلت أسبوعها السادس ضد إيران، برغم وجود مؤشرات ميدانية وسياسية معقدة تُظهر أن مسار الحرب ونتائجها لا يمكن حسمها بهذه السهولة.

الأهداف الأميركية.. والميدان

بدأت العمليات العسكرية في 28 شباط/فبرايرفي ظل أهداف أميركية معلنة، تمثلت في القضاء على البرنامج النووي الإيراني؛ تدمير القدرات الصاروخية الباليستية؛ إضعاف القوة البحرية الإيرانية، إلى جانب هدف أساسي يتمثل في إسقاط النظام السياسي في طهران، وهو الهدف الأعمق، فضلاً عن سحق ما تُسمى “الأذرعة” الحليفة لطهران.. وصولاً إلى ضرب نفوذ إيران الإقليمي.

غير أن تطورات الميدان أظهرت منذ الأيام الأولى أن تحقيق هذه الأهداف ليس مسألة سريعة أو محسومة. فقد استمرت إيران في إطلاق الصواريخ وتنفيذ عمليات عسكرية متعددة، ولم تظهر أي مؤشرات على انهيار النظام السياسي أو تفكك مؤسسات الدولة.

وعلى الرغم من الضربات التي استهدفت قيادات عسكرية وسياسية، تمكنت القيادة الإيرانية من إعادة تنظيم نفسها بسرعة والحفاظ على تماسك مؤسسات الحكم، ما جعل هدف تغيير النظام بعيد المنال.

في الوقت نفسه، كشف مسار الحرب عن فجوة واضحة بين التوقعات الأولية والواقع الميداني. فقد قُدِّمت العمليات في بدايتها على أنها حملة محدودة قد تستمر أيامًا أو أسابيع، لكن استمرار المواجهات وتوسع نطاقها أظهرا أن الصراع مرشح لأن يكون أطول وأكثر تعقيدًا.

الخليج في مرمى النيران

برز أحد أخطر أبعاد الصراع في استهداف شبكة القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في الخليج، من قطر والبحرين والكويت إلى السعودية والإمارات وعُمان والأردن.

شكّلت هذه القواعد الركيزة الأساسية للنظام الأمني الذي بنته الولايات المتحدة في غرب آسيا خلال العقود الماضية. إلا أن الضربات التي استهدفت بعضها والبنى التحتية المرتبطة بها كشفت حدود فعالية هذا النظام، وأثارت تساؤلات حول قدرة واشنطن على حماية منشآتها وقواتها في بيئة إقليمية معقدة.

وقد انعكست هذه التطورات على السياسات الأمنية لدول الخليج، التي ارتبطت منظوماتها الدفاعية ارتباطًا وثيقًا بالحماية الأميركية. وبدأت تبرز مخاوف من تحول هذه الدول إلى ساحات مباشرة للصراع في حال توسع الحرب.

مضيق هرمز وسوق الطاقة

تمكنت إيران من الإمساك بورقة مضيق هُرمز، لما له من أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المركزي الذي يلعبه الخليج في سوق الطاقة العالمية، حيث تمر عبر ممرات المضيق البحرية نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز.

ومن هنا، برزت مخاطر اقتصادية وجيوسياسية واسعة، خصوصًا مع تصاعد التهديدات التي تطال مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

فأي تعطيل لحركة الملاحة في هذا المضيق يؤدي إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة وارتفاع كبير في الأسعار، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره. وقد بدأت بالفعل مؤشرات هذا الاضطراب بالظهور، مع انخفاض الإنتاج العالمي وارتفاع الأسعار نتيجة المخاوف من توسع العمليات العسكرية.

وبرغم التهديدات والمحاولات الأميركية، فشلت حتى الآن كل محاولات فتح المضيق الذي صار بندأً تفاوضياً أساسياً لا يتقدم عليه بند آخر.

إيران.. الصمود والتكيف

في المقابل، أظهرت إيران قدرة ملحوظة على الصمود والتكيف مع الضربات العسكرية. إذ يستند النظام السياسي في طهران إلى بنية مؤسساتية وأيديولوجية تمكّنه من امتصاص الصدمات وإعادة تنظيم قدراته بسرعة.

وقد ساهمت التعبئة الشعبية في تعزيز هذا التماسك، حيث شهدت المدن الإيرانية تظاهرات مؤيدة للنظام ومنددة بالهجمات الخارجية، ما عزز شرعيته الداخلية في لحظة حرجة.

كما أظهرت القوات الإيرانية قدرة على مواصلة العمليات برغم الضربات المكثفة التي استهدفت منشآتها العسكرية والصناعية، كما لم تفلح كل محاولات استهداف البنى التحتية والخدماتية والطاقوية في تعديل موقف القيادة الإيرانية.

الحرب الإعلامية

إلى جانب البعد العسكري، لعبت الحرب الإعلامية دورًا محوريًا في إدارة الصراع. فقد حرصت القيادة الأميركية على تقديم صورة تؤكد التفوق العسكري وتبرز حجم الضربات التي استهدفت القدرات الإيرانية، مع الإشارة إلى تراجع وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرات.

غير أن هذا الخطاب استخدم في كثير من الأحيان مفردات حاسمة مثل “التدمير الكامل” و”الشلل التام”، من دون تقديم صورة دقيقة عن حجم القدرات المتبقية لدى إيران أو قدرتها على إعادة الإنتاج العسكري.

ويشير ذلك إلى أن الخطاب الإعلامي كان جزءًا من حرب إدراكية تستهدف التأثير في الرأي العام وطمأنة الحلفاء والضغط النفسي على طهران.

انقسام الداخل الأميركي

انعكس مسار الحرب أيضًا على الداخل الأميركي، حيث أثار قرار استخدام القوة نقاشًا سياسيًا ودستوريًا واسعًا.

فالنظام الأميركي يقوم على توزيع صلاحيات الحرب بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ما أدى إلى بروز خلافات داخل الكونغرس حول شرعية القرار العسكري وحدود صلاحيات الرئيس في إطلاق العمليات دون تفويض واضح.

وقد طالب عدد من المشرعين بفرض قيود أكبر وفتح تحقيقات في كيفية اتخاذ القرار وأهدافه الاستراتيجية.

كما أظهرت استطلاعات الرأي انقسامًا واضحًا داخل المجتمع الأميركي، بين قلة من المؤيدين يرون في الحرب وسيلة لاحتواء إيران، وأغلبية من المعارضين يحذرون من التورط في صراع جديد، خصوصًا بعد تجربتي العراق وأفغانستان.

إقرأ على موقع 180  طلال سلمان.. أرثيك وأبكي زماننا العربي الرديء

بين الاستنزاف وإعادة التوازن

في ضوء هذه المعطيات، تتزايد التساؤلات حول كيفية إنهاء الحرب ومسارات الخروج منها على عتبة أسبوعها السادس، خصوصاً وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث في خطابه الأخير إلى “الأمة الأميركية” عن أسبوعين أو ثلاثة أسابيع “حاسمة”؛ فاستمرار العمليات من دون تحقيق أهداف واضحة قد يؤدي إلى استنزاف الموارد الأميركية، ويفتح الباب أمام تصعيد إقليمي أوسع يهدد استقرار غرب آسيا.

في المقابل، فإن أي انسحاب أميركي تحت ضغط الخسائر قد يُفسَّر كانتصار سياسي لإيران، ما يمنحها موقعًا تفاوضيًا أقوى في أية ترتيبات إقليمية مستقبلية.

في المحصلة، يكشف مسار الحرب عن تحولات أعمق في توازنات القوة. فالصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية وحسب، بل اختبار لفعالية منظومات الردع والتحالفات الدولية، وقدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات في عالم متغير.

ومن هذا المنظور، لن تُقاس نتائج الحرب بحجم الدمار فقط، بل أيضًا بتداعياتها السياسية والاستراتيجية التي قد تعيد رسم خريطة النفوذ في غرب آسيا لسنوات قادمة.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

أستاذة جامعية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  القانون الدولي في خطر... ضرب القنصلية الإيرانية في ميزان القانون الدولي