من الصداقة إلى القطيعة.. سكوت ريتر يروي مراحل تحوّل موقفه من إسرائيل

18018005/04/2026
في مراجعة سياسية وشخصية ممتدة من نكبة العام 1948 إلى ما بعد 7 أكتوبر 2023، يُعيد الضابط الأميركي السابق سكوت ريتر بناء موقفه من إسرائيل، لا بوصفه انقلابًا عاطفيًا طارئًا، بل نتيجة مسار طويل من الاحتكاك المباشر بالسرديات الإسرائيلية، ثم الاصطدام بحدودها التاريخية والأخلاقية والسياسية. والجدير ذكره أن ريتر هو مفتش أسلحة سابق تحول إلى محلل سياسي، اكتسب شهرته من معارضته لحرب العراق، ويواصل اليوم الظهور كصوت معارض لسياسات دونالد ترامب ومثير للجدل في قضايا الشرق الأوسط.

في نص مطوّل أعاد نشره في مطلع نيسان/أبريل الحالي، يقدّم المفتش الأممي السابق سكوت ريتر مراجعة شاملة لموقفه من إسرائيل، منطلقًا من تجربة شخصية ومهنية امتدت لسنوات، قبل أن تنتهي، كما يقول، إلى قطيعة سياسية وأخلاقية كاملة معها. لكن أهمية النص لا تكمن فقط في إعلان هذا التحول، بل في الكيفية التي يسرد بها صاحبه مسار انتقاله من التعاطف مع إسرائيل إلى الانحياز الصريح لفلسطين.

لا يبدأ ريتر من اللحظة الراهنة، بل يعود إلى الأصل: إلى عام 1948، إلى النكبة، إلى القرى التي أُفرغت من سكانها، وإلى غزة بوصفها، في نظره، إحدى النتائج المباشرة لذلك الاقتلاع التأسيسي. وهو بذلك لا يتعامل مع الحرب الجارية باعتبارها حادثة منفصلة، بل كحلقة في بنية تاريخية متصلة، بدأت مع قيام إسرائيل نفسها، واستمرت بأشكال مختلفة من الإقصاء والسيطرة والحصار.

النكبة باعتبارها البنية المؤسسة

جوهر أطروحة ريتر أن الرواية الإسرائيلية الرسمية عن “حرب الاستقلال” أخفت، لعقود، حقيقة أخرى: أن قيام الدولة ارتبط، في الوجه الآخر من القصة، بطرد الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وإقامة واقع جديد بالقوة. ولذلك فإن النكبة، في قراءته، ليست حدثًا من الماضي يُستعاد في الذاكرة فحسب، بل هي الأساس الذي لا يزال ينظم العلاقة بين المشروع الصهيوني والشعب الفلسطيني.

ومن هذه الزاوية، تبدو غزة أكثر من مجرد ساحة حرب. إنها، في نص ريتر، خلاصة جغرافية وتاريخية لمسار التهجير الطويل. فعدد كبير من الذين انتهى بهم المطاف في القطاع، هم، في الأصل، ناجون من قرى وبلدات اقتُلِع أهلها من النقب ومحيطه. ومن هنا، فإن فهم الغضب الفلسطيني، في نظره، لا يستقيم من دون العودة إلى تلك اللحظة التأسيسية.

بوابات غزة” وما وراءها

يستعيد ريتر، في هذا السياق، الخطبة الشهيرة التي ألقاها موشيه دايان عام 1956 في تأبين روعي روتنبرغ، أحد مستوطني “ناحال عوز” قرب غزة. يرى في تلك الخطبة اعترافًا إسرائيليًا مبكرًا بأن العداء الفلسطيني لم يولد من فراغ، بل من اقتلاع الناس من أرضهم، ومن تحويل قراهم إلى ملكية إسرائيلية، ومن حشرهم في مخيمات اللجوء، فيما كانوا يشاهدون، من بعيد، قيام واقع جديد على أنقاض عالمهم السابق.

لكن ريتر لا يقرأ كلام دايان باعتباره لحظة نقد ذاتي، بل بوصفه تعبيرًا مبكرًا عن منطق أشد تركيبًا: الاعتراف بمصدر الغضب الفلسطيني، بالتوازي مع الإصرار على مواصلة المشروع الإسرائيلي بالقوة. هنا بالضبط، في رأيه، تتجلى إحدى العقد الأساسية في التجربة الصهيونية: فهم المأساة الفلسطينية، من دون التراجع عن إنتاجها.

ولهذا يذهب إلى أن الكيبوتسات والمستوطنات المحيطة بغزة لم تكن مجرد تجمعات مدنية بريئة، بل جزءًا من بنية عسكرية-استيطانية صُممت، منذ البداية، لتطويق القطاع وضبط سكانه. ومن هنا أيضًا، يربط بين ما جرى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وبين السياق التاريخي الأوسع، بدل عزله في لحظة أمنية أو أخلاقية منفصلة عن جذوره.

ريتر وتجربته مع إسرائيل

ما يضفي على نص ريتر ثقله ليس فقط مضمونه السياسي، بل أيضًا موقع صاحبه. فهو لا يكتب من خارج التجربة الإسرائيلية، ولا من موقع الخصومة التقليدية معها، بل من داخل علاقة امتدت لسنوات مع “المؤسسة الإسرائيلية”. يذكّر بأنه، خلال حرب الخليج، ثم خلال عمله بين 1994 و1998 مع لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالتفتيش في العراق، نسج علاقات تعاون وثيقة مع المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، وعمل مع ضباط ومسؤولين على ملفات شديدة الحساسية تتعلق بالصواريخ العراقية وأسلحة الدمار الشامل.

في تلك الفترة، كما يروي، لم يكن خصمًا لإسرائيل، بل أقرب إلى “صديق” لها. ويشير إلى أنه أُعجب بكفاءة بعض مؤسساتها، وبقدرات من عمل معهم، وحتى ببعض أشكال الصراحة التي لمسها لدى شخصيات إسرائيلية ناقشت معه تاريخ قيام الدولة وتناقضاته. لكن هذه العلاقة نفسها، التي صنعت نوعًا من القرب، أفضت لديه، مع الوقت، إلى نتيجة معاكسة: كلما اقترب أكثر من الداخل الإسرائيلي، رأى بوضوح أكبر حدود الرواية التي قامت عليها الدولة، والتناقضات التي تحكم خطابها وممارساتها.

المؤسسون والصراحة المفقودة

من النقاط اللافتة للانتباه في نص ريتر تمييزه بين جيل المؤسسين الإسرائيليين وبعض الساسة الإسرائيليين المعاصرين. فهو لا يبرئ المؤسسين من الجريمة، بل يرى أنهم كانوا شركاء مباشرين في اقتلاع الفلسطينيين، لكنه يذهب إلى أنهم، على الأقل، امتلكوا في بعض اللحظات قدرًا من الصراحة في توصيف ما جرى.

لهذا يستحضر أقوالًا منسوبة إلى دايفيد بن غوريون، يعترف فيها، بصراحة لافتة، بأن الفلسطينيين يرون أن بلدهم سُرق منهم، وأن من الطبيعي ألا يقبلوا بذلك. بالنسبة إلى ريتر، لا تجعل هذه الصراحة المشروع أقل عنفًا، لكنها تكشف أن الإنكار لم يكن كاملًا في بداياته كما صار لاحقًا.

إقرأ على موقع 180   كتاب "المبعوث".. تأريخ الإنحطاط السياسي في العراق!

في المقابل، يقدّم بنيامين نتنياهو بوصفه التعبير الأوضح عن مرحلة إسرائيلية جديدة: مرحلة لا تكتفي بممارسة القوة، بل تؤسس وجودها السياسي على التهويل والكذب الدائمين. وهو لا يحصر المشكلة في نتنياهو كشخص، لكنه يجعله ذروة نمط كامل من السياسة الإسرائيلية، قوامه تضخيم الأخطار، وتعبئة المجتمع بالخوف، واستخدام الحرب باعتبارها أداة دائمة لإدارة الداخل والخارج معًا.

العراق من التهديد إلى التلفيق

يخصّ ريتر نتنياهو بنقد حاد في ما يتعلق بالدور الإسرائيلي في الترويج للحرب على العراق. فبحكم عمله السابق في ملف أسلحة الدمار الشامل، يقول إنه يعرف، من داخل التجربة، الفارق بين الوقائع الفعلية وبين السردية التي دُفعت لاحقًا إلى الكونغرس والرأي العام الأمريكي.

ويشير إلى أن نتنياهو ساهم من موقعه في البعثة الإسرائيلية في الولايات المتحدة في تضخيم الخطر العراقي، وفي الدفع نحو خطاب يبرر الحرب، برغم أن المعطيات التي كانت متوافرة لدى ريتر ولدى المؤسسات الدولية لم تكن تسند ذلك. ومن هنا، فإن المشكلة، بالنسبة إليه، لا تتعلق فقط بخطأ في التقدير، بل بنمط سياسي متكرر: صناعة تهديدات أو تضخيمها لتبرير خيارات عسكرية كارثية.

ما بعد 7 أكتوبر.. الانكسار النهائي

إذا كانت النكبة هي البداية التاريخية في نص ريتر، فإن ما بعد 7 أكتوبر هو لحظة الحسم الشخصي والسياسي. فهو يقرّ بأن رد فعله الأولي كان، بحكم مساره السابق، أقرب إلى التعاطف مع إسرائيل. لكن هذا التعاطف، كما يقول، لم يصمد أمام ما تلا الهجوم: الخطاب الإسرائيلي الداعي علنًا إلى الإبادة، اللغة التي جرّدت الفلسطينيين من إنسانيتهم، والرواية التي قُدّمت إلى العالم عن الحرب بوصفها دفاعًا صرفًا عن النفس، فيما كانت غزة تتعرض لتدمير شامل.

ويضيف أن ما عمّق القطيعة لديه لم يكن فقط حجم العنف الإسرائيلي، بل أيضًا الطريقة التي استقبل بها الغرب هذا العنف: تعاطف غير محدود مع الرواية الإسرائيلية، وصمت أو انتقائية فاضحة أمام قتل الفلسطينيين، ولا سيما الأطفال. وهنا يصل إلى خلاصته الأساسية: أن المشكلة لم تعد، في نظره، محصورة بسياسات حكومة بعينها، بل بمنظومة كاملة تبرر العنف، وتعيد إنتاجه، وتطلب من العالم أن يتعامل معه باعتباره أمرًا طبيعيًا أو ضروريًا.

مع فلسطين وليس مع حماس

مع ذلك، يحرص ريتر على توضيح نقطة يعتبرها مركزية: انحيازه إلى فلسطين لا يعني تأييد حماس. بل إنه يقول صراحة إنه لم يقف مع الحركة يومًا، ولن يفعل. غير أن رفض حماس، في منطقه، لا يمكن أن يتحول تلقائيًا إلى تبرير لإسرائيل أو تبنٍّ للمشروع الصهيوني.

بل يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن هزيمة كل من حماس وإسرائيل الصهيونية، معًا، لا تكون إلا عبر دعم قيام دولة فلسطينية حرة ومستقلة وقابلة للحياة. بالنسبة إليه، فإن قيام دولة كهذه يسحب الذريعة من التنظيمات المسلحة، وفي الوقت نفسه يضع إسرائيل أمام استحقاق التخلي عن بنيتها الاستيطانية والعنصرية، والانتقال، تحت ضغط الضرورة التاريخية، إلى شكل آخر من العيش المشترك.

في المحصلة، لا يُقدّم سكوت ريتر مجرد نص اعتذاري عن موقف سابق، ولا مجرد شهادة شخصية على تبدل في المزاج السياسي. ما يُقدّمه، في جوهره، هو سردية متكاملة تقول إن إسرائيل لا يمكن فهمها خارج النكبة، وإن حاضرها لا ينفصل عن منطق التأسيس الذي قام على الطرد والإحلال والسيطرة، وإن ما يجري اليوم ليس انحرافًا عن ذلك المنطق، بل استمراره الأكثر عريًا ووحشية.

لهذا ينتهي ريتر إلى موقف حاسم: لم يعد يقف مع إسرائيل، وبات يقف مع فلسطين، انطلاقًا من قناعة بأن أي سلام فعلي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم إلا على أساس دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس الشرقية، تكسر الحلقة المغلقة التي حكمت الصراع لعقود. (ترجمة ChatGPT بتصرف 180 بوست).

Print Friendly, PDF & Email
180

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الاصطفاء الإلهي وتحريف المعنى: في جذور الفشل البنيوي للصهيونية