ترامب ونتنياهو.. حربٌ بلا نصر سياسي!

إذا تم توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بالصورة الراهنة التي تم تسريبها لوسائل الإعلام طوال الأيام الماضية، فإن طهران ستكون قد حققت نجاحًا سياسيًا حقيقيًا، وستكون الولايات المتحدة ومعها إسرائيل قد مُنيتا بخسارة استراتيجية كبرى.
قد يتعجب البعض من هذه المقدمة ويسأل مستنكرًا: ولكن أمريكا وإسرائيل تمكنتا من الانتصار عسكريًا، ووجهتا ضربات قاتلة لإيران وبنيتها التحتية والعسكرية، واغتالتا المرشد الأعلى علي خامنئي، ومعه عشرات القادة وكبار المسؤولين وعلماء البرنامج النووي، وحجم الخسائر البشرية والمادية الإيرانية أعلى عشرات وربما مئات المرات من مثيله لدى أمريكا وإسرائيل؟

وهذا تساؤل منطقي وطبيعي، ويردده كثيرون في كل لحظة، لكن النقطة المهمة التي يغفلها هؤلاء أن النتائج الفعلية للمعارك العسكرية لا تُقاس إطلاقًا بحجم الأضرار أو الخسائر البشرية والمادية فقط، بل تُقاس في الأساس بالنتائج السياسية طويلة المدى المتحققة على الأرض.

نعلم تمامًا أنه لا توجد مقارنة إطلاقًا بين حجم القوة العسكرية الأمريكية المهولة والأكبر عالميًا، ومعها القوة الإسرائيلية الأقوى إقليميًا بفضل الدعم الأمريكي، وبين القوة العسكرية الإيرانية متوسطة المستوى، لكن لو أن القياس فقط بحجم القوة النيرانية والأسلحة والمعدات، بل والقنابل النووية، فالسؤال المنطقي هو: لماذا انهزمت أمريكا النووية في فيتنام وأفغانستان وربما العراق، رغم أن الطرف المقابل تكبد خسائر بشرية واقتصادية مهولة؟

ولا يمكن أن ننسى أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل كنّ متفوقات عسكريًا على مصر أثناء العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، لكن ما انتهت إليه الحرب هو انتصار سياسي مصري واضح، أدى إلى بداية النهاية للإمبراطورية البريطانية «لحظة السويس»، وصعود نظيرتها الأمريكية، وقيادة مصر للأمة العربية.

نعود إلى ما بدأنا به، ونقول إن إسرائيل حينما شنت الحرب، ومعها أمريكا، على إيران في حزيران/يونيو الماضي، ثم حينما شنت أمريكا الحرب مرة أخرى، ومعها إسرائيل، في ٢٨ شباط/فبراير الماضي، فإن الأهداف الأساسية لهذه الحرب كانت إسقاط النظام الإيراني، ومعه كل وكلائه، وتصفية وتفكيك البرنامج النووي الإيراني، وتسليم اليورانيوم المخصب لأمريكا، وتقليص البرنامج الصاروخي الإيراني بحيث لا يصل في أي حال من الأحوال إلى إسرائيل. وبمقارنة هذه المطالب والشروط بالواقع بعد حرب الأربعين يومًا، يتضح طبقًا لمعظم المراقبين، بمن فيهم كثير من الأمريكيين والإسرائيليين، أنه لم يتم تحقيق غالبية هذه الأهداف حتى هذه اللحظة.

المفارقة الأولى، واستنادًا إلى بنود مذكرة التفاهم المقترحة، فستكون هناك مفاوضات لمدة شهرين بشأن البرنامج النووي الإيراني؛ حيث أعلنت طهران أكثر من مرة أنها لم توافق حتى الآن على إنهاء برنامجها النووي بالكامل، أو تسليم اليورانيوم المخصب للولايات المتحدة. وبالمناسبة، هذا هو ما كان مطروحًا على طاولة المفاوضات قبل بدء الحرب في نهاية شباط/فبراير الماضي.

ثانيًا: لم يكن مطروحًا رفع العقوبات عن تصدير النفط الإيراني، أو فك التجميد والحظر عن الأموال الإيرانية المجمدة بصورة جادة قبل الحرب. أما الآن، فتوافق أمريكا على هذين الشرطين المهمين مقابل فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.
والخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي وقع فيه ترامب وإدارته أنه لم يدرس إطلاقًا احتمال أن تستخدم طهران مضيق هرمز كورقة تفاوضية، برغم أن خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز يمر عبره، وانساق وراء أوهام وأحلام نتنياهو!

ثالثًا: لم نسمع إطلاقًا أي حديث في مذكرة التفاهم بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني أو المسيّرات، وهو الأمر الذي يزعج إسرائيل تمامًا، بجانب قضية البرنامج النووي.

رابعًا: لا تتضمن مذكرة التفاهم كلامًا محددًا عن إنهاء دور وكلاء إيران، بل إن طهران تشترط أن يشمل وقف النار جميع الجبهات، خصوصًا جنوب لبنان، وإذا تم اعتماد هذا الشرط، فسيكون أسوأ ضربة يمكن أن يتلقاها نتنياهو، ما لم يتمكن من إقناع ترامب بأن يصر على استمرار النهج المتبع حاليًا مع حماس في غزة، أي حرية حركة الجيش الإسرائيلي ضد حزب الله، على أن يلتزم الأخير الصمت الدائم.

مرة أخرى، هذه قراءة مبدئية وغير نهائية، وتتوقف على الصيغة النهائية لمذكرة التفاهم، وصولًا إلى الاتفاق الكامل الذي يُفترض توقيعه خلال ٦٠ يومًا من وقف إطلاق النار.

علينا الانتظار حتى تصل المذكرة إلى مقر إقامة المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي ويوافق عليها، لكن، وفي كل الأحوال، فإن الأمور لم تسر كما كان يتمنى ترامب، وحتى لو استؤنف القتال مرة أخرى، فطالما أن النظام الإيراني لم يسقط أو يرفع راية الاستسلام، فإن ترامب يكون خاسرًا كبيرًا، ومعه نتنياهو.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  17 تشرين: لحظة تاريخية.. لولادة جديدة
عماد الدين حسين

كاتب وصحافي مصري

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  بين قمتي جدة وطهران.. حروب و"جسور" وفرص!