لم يُعر دونالد ترامب وفريق إدارته اهتمامًا يُذكر لأفكار كلاوزفيتز خصوصًا، ولا للاستراتيجية عمومًا. وبدلًا من ذلك، استمر ترامب بعقلية الصفقات في اللعب على جميع الحبال، محاولًا إنجاح صفقاته، فمضى في توزيع المهل والتمديدات: عشرة أيام مهلة، ثم مهلة 15 يومًا لوقفٍ مؤقتٍ لإطلاق النار. لكن السؤال الجوهري يبقى: هذه المهل والتمديدات، لمن تحديدًا؟
على المستوى السياسي، ومن خلال الترويج لفكرة اقتراب التوصل إلى اتفاق مع إيران، يدفع ترامب الجميع إلى استبدال سياساتهم القائمة على النأي بالنفس، بضرورة الانخراط العميق في معالجتها، بل والتلويح بما هو أبعد من ذلك: تقديم الدعم بكل أشكاله لإنهاء المهمة، وهو ما كان يفتقده ترامب منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. فمن غير المرجّح أن يقبل معظم اللاعبين خروج إيران من مشهدية الحرب كما دخلتها، إن لم يكن بشكل أقوى، ما قد يفتح الباب أمام طرح المزيد من “الأجندات” على طاولة التفاوض، كما هو حاصل بالنسبة إلى مضيق هرمز.
ويذهب بعض المراقبين إلى اعتبار ترامب شخصية مضطربة أو أقرب إلى المهرّج السياسي، خصوصًا عندما يروّج لفكرة أنه أضعف النظام الإيراني وقضى عليه أو أنهكه إلى حد بعيد — وهو أمر لا تؤكده الوقائع حتى الآن — وفي الوقت نفسه يدعو إلى التفاوض معه. إلا أن هذا التناقض الظاهري يخفي إدراكًا عميقًا لدى ترامب بأنه ما يزال بعيدًا عن إيجاد مخرج حقيقي من هذا المشهد المعقّد والمشتعل، فضلًا عن إعلان نصر أميركي واضح.
لذلك، يختار الترويج لـ«بضاعته» السياسية: أي توسيع دائرة التورّط، عبر إشراك أكبر عدد ممكن من الدول، إقليميًا ودوليًا. ويتم ذلك من خلال المناورة بفكرة أن الوقت قد حان للتفاوض مع إيران، والترويج بأن طهران مستعدة لذلك قبل الوصول إلى «نقطة اللاعودة». الهدف الترامبي هو دفع الجميع إلى المشاركة في الحل بدل أن تبقى الأزمة عبئًا أميركيًا خالصًا. البضاعة نفسها تحاول إيران تسويقها، ولكن بكلفة أقل عليها، سعيًا لإثارة قلق إقليمي ودولي يدفع الأطراف الأخرى إلى الضغط على واشنطن، خشية إبرام اتفاق منفرد معها لا يراعي مصالح الآخرين دولياً وإقليمياً.
هذا المشهد لم يغب عن «تاجر السجاد الإيراني»، الذي قرأ المناورة الأميركية جيدًا وسارع إلى الرد عليها بمناورة مضادة تقوم على شراء الوقت. وهي مقاربة سبق أن استخدمتها إدارة ترامب في الحرب الروسية–الأوكرانية، حين كان يناور فلاديمير بوتين بأوروبا، بينما كانت أوروبا تناوره بأوكرانيا.
من هنا، يتضح أن المهلة ليست موجّهة لإيران بقدر ما هي موجّهة إلى المجتمع الدولي، ولا سيما أوروبا، بما فيها حلف حلف شمال الأطلسي، لدفعهم إلى الحضور إلى «طاولة المفاوضات الأميركية» بعروض وخيارات وأجندات أكثر جاذبية لترامب، وتخفّف في الوقت نفسه من العبء الواقع على الولايات المتحدة، خصوصًا بعد فشل دعواته الأخيرة لتأمين الممرات البحرية.
ومن المرجّح أن تحقق هذه المناورة قدرًا من النجاح، ليس لعبقريتها، بل لأن الجميع يفتقر إلى إجابات واضحة عن سؤالين أساسيين: ما شكل «اليوم التالي» للحرب؟ وكيف يمكن التعايش معه إذا خرج النظام الإيراني سالماً؟
وفي هذا السياق، يبدو أن محاولة دفع نائب الرئيس جي. دي. فانس إلى واجهة المشهد التفاوضي تعكس تراجع شهية إدارة ترامب لتحقيق مكاسب كبرى، وربما إدراكه صعوبة تحقيق ذلك، والاكتفاء بإدارة الأزمة بدل حلّها، والقبول بمكاسب تكتيكية محدودة، حتى وإن كانت انعكاساتها الداخلية ضيقة.
في المقابل، نجحت إيران، كعادتها، في المناورة عند حافة «نقطة اللاعودة». فالمقترحات المطروحة مليئة بنقاط خلافية تتيح لها هوامش واسعة للمناورة، وتعتمد على روافع سياسية تُستخدم لتعزيز موقعها التفاوضي أكثر مما تُستخدم لتحقيق تقدم فعلي على الأرض. لا ينفي ذلك أنها استخدمت ورقة اقتصادية موجعة وهي ورقة مضيق هرمز التي جعلت الاقتصاد العالمي أسير قرارها، سلباً وايجاباً.
ويُرجّح أن أي اختراق حقيقي في المدى القريب سيظل مرهونًا بتوسيع أجندة التفاوض لتشمل قضايا أعمق وأكثر تعقيدًا، خصوصًا تلك المرتبطة بمصالح اللاعبين الإقليميين، بدلًا من الأجندة الحالية ذات الطابع الأميركي–الإسرائيلي الضيق.
المشكلة أن ترامب، الذي يفتقر إلى عمق استراتيجي، لم يدرك تحوّل العامل الجيوسياسي من مجرد أداة ضغط إلى محرك أساسي يعيد تشكيل العلاقات والتحالفات، حتى داخل المعسكر الواحد. وفي ظل هذا التحول، لا تكون الأفضلية للأقوى، بل لمن يُحسن استثمار التوقيت وإعادة صياغة موازين القوى بسرعة في عالم شديد السيولة.
لذلك، من غير المرجّح أن تنجح محاولات ترامب في «تدويل» الأزمة بالشكل الذي يحقق مكاسب استراتيجية بعيدة المدى. فقد أصبحت خيارات واشنطن، كغيرها من الأطراف، محصورة في إطار المناورة السياسية والتوظيف الجيوسياسي التكتيكي، من دون القدرة على الحسم.
وفي المحصلة، تبدو كلفة الحلول أعلى من كلفة استمرار التحديات، ما يُبقي الجميع عالقين في دائرة إدارة الأزمات بدل حلّها. فالتحديات الاستراتيجية، في نهاية المطاف، تبدو أكبر من الجميع… بما فيهم القوى العظمى.
