إنحطاط الغرب.. أو سيرة “ضرّاب السيوف”!

بالدهاء والحنكة، في العلاقات بين الناس، يُمكن تحقيق أهداف ربما تكون صعبة المنال. وفي عالم السياسة تحديداً، يصح القول إن الدهاء والحنكة هما من القواعد التي لا يُمكن أن يُفرّط بهما سياسي عاقل.

ينقل أبو سعد الآبي (ت. 1030 م) في كتابه “نثر الدرّ في المحاضرات” قصّتين عن الحِلْم والدَهاء، منسوبتين إلى إثنين من عمالقة الدهاء والحنكة في التاريخ الإسلامي: الأحنف بن قيس التميمي (ت. 691) ومعاوية بن أبي سفيان (ت. 680).

يقول أبو سعد الآبي:

“أتى رجل الأحنف فلطمه. فقال له: لم لطمتني؟ قال: جُعِل لي جُعْل على أن ألطم سيّد بني تميم. قال: ما صنعت شيئاً، عليك بجارية بن قدامة فإنه سيّدهم. فانطلق فلطم جارية، فأخذه وقطع يده. وإنما أراد الأحنف ذلك به”.

“قال قوم من قريش: ما نظنّ أن معاوية أغضبه شيء قطّ. فقال بعضهم: إن ذكرت أمّه غضب. فقال مالك بن أسماء المنى القرشي (وهي أمه، وإنما قيل لها أسماء المنى لجمالها): والله لأغضبنّه إن جعلتم لي جُعْلاً. فجعلوا له جعلاً، وأتاه وقد حضر الموسم، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أشبه عينيك بعيني أمّك! قال: تلك عينان طالما أعجبتا أبي سفيان، يا بن أخي، خذ جعلك ولا تتّخذنا متجرّأً. ثمّ دعا معاوية مولاه سعداً، فقال له: أعدد لأسماء المنى ديّة ابنها، فإنّي قد قتلته وهو لا يدري. ورجع الغلام فأخذ جعله. فقال له رجل منهم: إن أتيت عمرو بن الزبير فشبهته بأمّه فلك ضعفا جعلك؟ فأتاه، فقال له: يا بن الزبير، ما أشبه وجهك بوجه أمّك! فأمر به فضرب حتى مات. فبعث معاوية إلى أمّه بديّته، وقال: ألا قل لأسماء المنى أم مالك/ فإني لعمر الله أقتل مالكا”.

بغضّ النظر إذا كانت هذه القصة أو تلك حقيقيّة أم من نسج خيال رواة الأخبار، فإن الهدف هو إبراز أهميّة الحنكة والدهاء في عالم السياسة، وضرورتهما من أجل نيل ما يبتغيه الشخص من دون أن يُجبر على فعله. كان بمقدور الأحنف أن يُعاقب ذلك المرء الذي أهانه، لكنّ حنكته ودهاءه ساعداه في تجنّب مأزق كبير ومشاكل كثيرة كانت لتحصل لو استخدم ساعده بدلاً من عقله. وهو كان يعلم أنّ لو قام ذلك الشاب بصفع جارية بن قدامة كان ليقتله على فعلته. فنال الأحنف ما أراده من دون أن يُلوّث يديه.. والأمر نفسه حصل مع معاوية.

منذ كارثة 11 أيلول/سبتمبر 2001، فقد الغرب عقله ودهاءه وحنكته، وأصبح لسانه، كما في القول الشهير: “أنا أعمى ما بشوف، أنا ضرّاب السيوف”. أصبح وجهه القبيح مكشوفاً، وسقطت الأقنعة التي كان يتخفّى وراءها

من دون شكّ، للقوّة الحربيّة دور رئيسي في صعود الأمم. لكنّ استمرار هذا الصعود يتصل بعناصر أخرى بينها الدهاء والحنكة. وكم سمعنا عبارة “ربح الحرب وخسر السلام”. قصارى القول إن القوّة وحدها عاجزة عن تحقيق الأهداف بعد النصر العسكري. ونحن شاهدنا كيف هُزم الغرب في أفغانستان والعراق، وفشل أيضاً في وأد “الإرهاب الإسلامي” برغم اغتيال العديد من قادته ومجموعاته بمسمياتهم المختلفة.

بنى الغرب مجده باستخدامه البارع للدهاء والحنكة، خصوصاً عندما عجزت آلته الحربيّة عن تحقيق أهدافه وأطماعه في استعمار العالم والعالمين وسرقة ثرواتهم الطبيعيّة والفكريّة والبشريّة. وكانت أمريكا حتّى زمن قريب من أبرع الدول استخداماً للدهاء والحنكة. لكن ما حدّث يوم 11 ايلول/سبتمبر من سنة 2001 غيّر الأمور جذريّاً، وأصبحت تلك القاعدة البسيطة منبوذة في الفكر السياسي الغربي. وما نشاهده منذ تلك الفترة هو تعبير واضح على مسار الإنحطاط التدريجي للغرب.

هل يُمكن أن نتصوّر أن عشرين سنة بعد احتلال أمريكا وأوروبّا وكندا وأستراليا لأفغانستان، انتهى الأمر بهم أن هربوا مذلولين وانتصرت حركة “طالبان”؟ هل يمكن أن نتصوّر بعد 22 عاماً من اعتداء 9 أيلول/سبتمبر، ما زال “الإرهاب الإسلامي” (ونحن نتحدّث عن مجموعة أضعف بكثير من “الطالبان”) مصدر رعب للغرب، مع العلم أنّ أمريكا وأوروبّا وكندا وأستراليا جنّدت العالم كلّه لمحاربة هذا “الإرهاب” وخصّصت لذلك مصادر ماليّة وبشريّة وتقنيّة لا تُعد ولا تُحصى.

ولننظر بجدّيّة وبكل موضوعيّة إلى ما يحدث الآن: أمريكا وحلفاءها مشغولون في محاربة الحوثيّين في اليمن وجماعات عراقيّة مسلّحة (ومن دون شكّ الغرب مشغول أيضاً في الحرب على حركة حمّاس وإسرائيل هي فقط واجهة هذه الحرب). هل هذه صورة القوي الجبّار أم صورة الغارق في مستنقع من الوحول وهو يصارع مجموعات ضعيفة من أجل انتصارات مدوية؟

من دون شكّ، لإيران دور في دعم هذه المواجهة مع أمريكا، لكن بحنكتها ودهائها تشغل أمريكا بحروب ثانويّة، بينما أمريكا منخرطة فيها حتّى نخاعها الشوكي. أصبح الغرب عاجزاً عن إيجاد من يحارب عنه، وهذا دليل متجدد على ضعفه.

لنسأل: لو استثمرت أمريكا وأوروبّا وكندا واستراليا تلك الطاقات البشريّة والماليّة والتقنيّة والسياسيّة الهائلة – التي استخدموها لمحاربة العالم منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001 – في محاربة الأمراض والفقر وعدم المساواة والاحتباس الحراري ونشر التعليم و..، ألم يكن بمقدورها أن تُنتج عالماً مختلفاً لا حياة فيه للتطرّف والحروب؟ وعندما يكون لسان حال أهل القرار في أمريكا (والغرب عامّةً) أنّ الحرب هي الحلّ الوحيد للمشاكل، أيدلّ هذا على حنكة سياسيّة أم على إنحطاط وفشل سياسي وأخلاقي؟

إقرأ على موقع 180  التنافس الجيوسياسي القطري الإماراتي.. إلى أين؟

منذ كارثة 11 أيلول/سبتمبر 2001، فقد الغرب عقله ودهاءه وحنكته، وأصبح لسانه، كما في القول الشهير: “أنا أعمى ما بشوف، أنا ضرّاب السيوف”. أصبح وجهه القبيح مكشوفاً، وسقطت الأقنعة التي كان يتخفّى وراءها.

خطر على بالي أثناء كتابة هذه السطور نقاش دار في منزل أستاذنا الراحل كمال الصليبي في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، تناول انحطاط الفكر السياسي عند الموارنة في لبنان، وكيف أنّهم يمرّون في أزمّة خطيرة وخانقة تضرّ بلبنان كلّه، من أسوأ ملامحها أنّ التنافس بينهم على منصب رئاسة الجمهوريّة أفقدهم بصيرتهم السياسيّة (ويبدو أنّ الأمر ما زال كما هو إلى يومنا هذا). فكان اقتراحنا أن على بعض المسلمين في لبنان واجب اعتناق الدين الماروني لإنقاذ الطائفة.. وإنقاذ لبنان.

يبدو لي أنّ الغرب يعاني من نفس العلّة التي يعاني منها الموارنة في لبنان منذ الحرب الأهليّة. ولع الغرب بالحرب كوسيلة وحيدة لمواجهة التحديّات التي تواجهه وإبقاء سيطرته على العالم أوصله إلى الحضيض وأصبح الرجل الأبيض عاجزاّ عن قيادة العالم إلاّ بالحروب، وهذا دليل الفشل والإنحطاط. الجيل الجديد من البيض إمّا عنصري مولع بالحرب أو كاره لها وبحاجة لمن ينقذه من غربه. قادته إمّا خرفانين أو مجرمين أو مستوردين. لا يبدو لي أنّ هذه صورة حضارة في عزّ مجدها، بل في آخر عمرها، تلفظ أنفاسها الأخيرة.

عندما يكون لسان حال أهل القرار في أمريكا أنّ الحرب هي الحلّ الوحيد للمشاكل، أيدلّ هذا على حنكة سياسيّة أم على إنحطاط وفشل سياسي وأخلاقي؟

أختم ببعض أبيات قصيدة للشاعرة الإيرلنديّة-الأمريكيّة لولا ريدج (Lola Ridge، 1873-1941)، كتبتها في سنة 1909، وعنوانها “شهداء الجحيم”:

هذا نَخبٌ إلى أرواح الشهداء المغضوب عليهم،
العبيد الذين تجرّأوا على الثورة.

إلى الذين حطّموا وتحدّوا وشاغبوا،
وبتغيير العالم حلموا،
وماتوا من أجل ملايين الكادحين.
همّ قلّة، لكنّهم وحدهم في طليعة الأمم”.

لنشدّ الأحزمة ونتهيّأ لعالم ما بعد الغرب.. ولنشكر من ساهم في إنحطاطه.

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  فكرة الدولة.. الشرعية والمشروعية