تغيّر قواعد اللعبة
طوال مراحل سابقة، جرى التعامل مع لبنان كـ”ورقة” لإرسال الرسائل بين القوى الإقليمية والدولية: عمليات محدودة لرفع الكلفة، وتصعيد محسوب لاختبار الردود، وضبط إيقاع يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة. في تلك المقاربة، كان الجنوب وسيطًا للتواصل غير المباشر، لا بندًا تفاوضيًا بحد ذاته. لكن معطيات الميدان الجنوبي الأخيرة تشير إلى تحوّل واضح.. مع تغيّر القاعدة.
إصرار إيران على تضمين وقف إطلاق النار في لبنان في أي مسار تفاوضي يكشف انتقال الجبهة من أداة ضغط إلى شرط تفاوضي. وما يجري في الجنوب لم يعد يُقرأ فقط كتصعيد أو تهدئة، بل كجزء من عملية تُصاغ شروطها على الأرض. الدور المركزي في هذا التحول يعود إلى المسار العسكري للمقاومة. فالأداء الميداني لم يقتصر على إرباك الكيان المؤقّت، بل فرض معادلة جديدة: لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار/مارس، أي لا عودة إلى مرحلة الخمسة عشر شهراً التي تخللها أكثر من 20 ألف انتهاك إسرائيلي ذهب ضحيتها أكثر من خمسمائة شهيد لبناني وأكثر من ألف جريح.
معادلة دفع لبنان ثمنها الكثير من الدماء لكن أداء المقاومة، وفق مصادر عبرية وغربية، “اتسم بفعالية دفاعية واستمرارية عملياتية برغم الاستنزاف الشديد”. وقيمة هذا الأداء أنه حوّل الميدان إلى عامل ضغط دائم ينعكس مباشرة على حسابات التفاوض؛ إذ لم يعد الجنوب خلفية للأحداث، بل أحدّ محدّداتها.
المفاجأة والتقديرات الواهية
بعد نحو 15 شهرًا من الهدنة التي تلت اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، سادت تقديرات بأن قدرات حزب الله تراجعت إلى حد التلاشي. لكن ما ظهر لاحقًا كان عكس ذلك. فقد أظهرت المواجهات التي سبقت هدنة العشرة أيام (إذا صمدت طبعاً) دقة أعلى في الاستهداف، وتنوعًا وابتكارًا في الوسائط والوسائل، وقدرة على إدارة الاشتباك ضمن سقوف مدروسة، كما حصل في الخيام وبنت جبيل، على سبيل المثال لا الحصر.
وتلتقي تقديرات استخبارية غربية عند القول إن الحزب أثبت أنه ما يزال يحتفظ بقدرة تشغيلية فعّالة، وأن “قدرة التعطيل الإسرائيلي لم تصل إلى حد الشلل العملياتي”، ما يؤكد قدرة المقاومة على إعادة التنظيم وتعويض الخسائر واستمرار النشاط القتالي، حتى في ظل فقدان قيادات بارزة واستهداف مستمر.
وتُعدُ ثنائية الاستنزاف مقابل التكيف عنصرًا مركزيًا في فهم أداء المقاومة الحالي، وكفاءتها العملية على مستوى القيادة والسيطرة. هذا التحول شكّل مفاجأة للإسرائيلي، وبرزت إشارات صريحة إلى فجوة بين التوقعات والواقع. النتيجة كانت ارتفاع كلفة أي تصعيد محتمل، وتزايد عدم اليقين في الحسابات العسكرية، ما عزّز وزن الجبهة اللبنانية داخل مسار التفاوض.
في قلب هذا التحول، يبرز دور حزب الله بوصفه الفاعل الميداني الأكثر تأثيرًا في ترجمة الوقائع إلى قوة تفاوضية. فالحزب أظهر كفاءة عالية في سياق تناسق أداء ساحات المحور، ما جعل أداءه جزءًا من توازنات التفاوض بين طهران وواشنطن. كما وفّرت إدارته الدقيقة للاشتباك رافعة ميدانية تمنع في الوقت نفسه فرض وقائع إسرائيلية أحادية، وقدرة على تحويل الإنجازات السياسية إلى شروط سياسية. بمعنى آخر، يصبح حزب الله جزءًا من بنية القوة التفاوضية التي تفسّر تمسّكها بإدراج لبنان ضمن أي اتفاق محتمل، برغم ما جرى ويجري من تشويش في الداخل اللبناني بعنوان “التفاوض المباشر مع إسرائيل”.
إيران ووقف النار في لبنان
في ضوء هذا الواقع، يصبح الإصرار الإيراني على ربط وقف إطلاق النار في لبنان بالتفاوض مفهومًا أكثر، وهذا ما عبرت عنه طهران بقرارها الأخير القاضي بإعادة إغلاق مضيق هرمز، حيث ربطت إعادة فتحه بفك الحصار البحري عنها وبالتزام الجانبين الأميركي والإسرائيلي بموجبات وقف النار على كل الجبهات ولا سيما جبهة لبنان.
ولا تتعامل طهران مع الجنوب اللبناني كملف ثانوي، بل كأحد عناصر القوة التي تمتلكها. هذا الإصرار يعكس هدفًا مزدوجًا: أولًا؛ تثبيت مكسب ميداني تحقق عبر إدارة الاشتباك؛ وثانيًا؛ تقييد حرية العمل العسكري الإسرائيلي عبر تحويل الجبهة إلى جزء من تفاهم أوسع. وفي هذا السياق، صدرت مواقف إيرانية واضحة تؤكد هذا التوجه. فقد شدد مسؤولون إيرانيون، ومنهم رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، في تصريحات علنية، على أن أي مسار سياسي يجب أن يضمن وقف الاعتداءات على لبنان، مؤكدًا أن “استمرار الضغط على لبنان لا يمكن فصله عن أي تفاهم سياسي في المنطقة”، في إشارة مباشرة إلى رفض فصل الجبهة اللبنانية عن مسار إسلام آباد، ولا يأتي هذا الموقف من فراغ، بل يتقاطع مع الوقائع الميدانية. فخلال الأسابيع الأخيرة، أظهرت العمليات النوعية للمقاومة -سواء من حيث دقة الاستهداف أو توسيع نطاق الضغط المدروس- أن الجبهة قادرة على فرض معادلات ردع مرنة، ما يعزز منطق تحويل هذه الوقائع إلى شروط سياسية قابلة للتثبيت. هذه المواقف لا تُقرأ كتصريحات سياسية عابرة، بل كجزء من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى دمج الميدان بالسياسة، وتحويل الوقائع العسكرية إلى شروط ملزمة.
في الخلاصة، لم يعد لبنان مجرد ساحة تتأثر بالتفاوض الأميركي–الإيراني، بل أصبح جزءًا من شروطه. الجنوب اليوم ليس فقط ميدانًا للاشتباك، بل مساحة تُصاغ فيها قواعد التفاوض. وما تحقق ميدانيًا لم يعد مجرد عامل ضغط، بل تحول إلى عنصر يُعاد تثبيته سياسيًا. بهذا المعنى، لم يعد التفاوض يجري حول لبنان فقط، بل بات يجري عبره وبه. هذا التحول يفرض على إسرائيل والولايات المتحدة إعادة حساباتهما. فالجبهة اللبنانية لم تعد مجرد تهديد أمني، بل أصبحت قيدًا استراتيجيًا: 1) كلفة التصعيد ارتفعت؛ 2) هامش المبادرة العسكرية تقلّص؛ 3) عدم اليقين في التقدير ازداد. هذه العوامل تجعل من الصعب فصل لبنان عن مسار التفاوض، أو التعامل معه كساحة مستقلة، وتدفع نحو إدخاله ضمن أي ترتيبات محتملة كطرف تفرضه معادلة موازين القوى الجديدة.
