الخطأ الأكبر في قراءة هذا المشهد هو التعامل مع الغاز كأنه مجرد ثروة تحت البحر. فالثروات الطبيعية لا تكتسب قيمتها من وجودها فقط، بل من القدرة على تحويلها إلى تدفقات مستقرة: أنابيب، موانئ، أسواق، عقود، وتحالفات. ومن هنا تحديدًا يصبح شرق المتوسط ساحةً مفتوحة للصراع، لا لأن الغاز كثير فحسب، بل لأن الجميع يريد أن يكتب قواعد المرور عبره. إسرائيل تريد الغاز بوصفه ذراعًا إضافية للأمن القومي والهيمنة الإقليمية. تركيا تريده بوصفه ورقة مركزية لتحويل موقعها الجغرافي إلى ركيزة لا يمكن تجاوزها. ولبنان، في المقابل، يريد أن يحول ثروته البحرية إلى متنفس اقتصادي وسيادي، لكنه يجد نفسه محاصرًا بحربٍ لا تسمح له حتى بالتقاط أنفاسه، والأهم أنه متردد في مواجهة المسارات الغازية المتضاربة إقليمياً.
وحين تشن إسرائيل حربها على لبنان، فهي لا تضرب طرفًا عسكريًا فحسب، بل تضرب أيضًا أي إمكانية لاستقرار إقليمي يسمح بتحويل البحر إلى فرصة. فالمعادلة واضحة: لا استثمار من دون أمن، ولا أمن من دون حد أدنى من الاستقرار، ولا استقرار ما دامت الطائرات تقصف والتهديدات تحاصر الموانئ والمنشآت وشبكات النقل. لهذا فإن العدوان الإسرائيلي على لبنان لا يجب أن يُقرأ فقط باعتباره حربًا على حزب الله أو على الجبهة الشمالية، بل كجزء من سياسة أوسع ترمي إلى إبقاء لبنان في منطقة الرماد، دولة منهكة، عاجزة عن استثمار موقعها، ومحرومة من تحويل البحر إلى رافعة اقتصادية.
والأخطر أن الحرب لا تدمر الحاضر فقط، بل تسرق المستقبل أيضًا. فكل لحظة تصعيد ترفع كلفة التأمين البحري، وتؤخر الاستكشاف، وتضعف ثقة الشركات والممولين، وتعيد ملف الغاز اللبناني إلى نقطة هشّة. وقد أظهرت التجارب أن أي تسوية تقنية في البحر تبقى معلّقة فوق أرض سياسية غير مستقرة. من هنا، فإن اتفاقات ترسيم الحدود لا تكفي وحدها، لأن من يملك القدرة على تعطيل البيئة الأمنية يملك عمليًا القدرة على تعطيل الجدوى الاقتصادية كلها.
شرق المتوسط لم يعد بحرًا فقط
التحوّل الأهم في شرق المتوسط هو أن الصراع لم يعد على الحقول وحدها، بل على “الممرات”. ما يُحدّد القوة اليوم ليس فقط من يكتشف الغاز أو من يملك الاحتياطي، بل من يستطيع أن يحوّل الاحتياطي إلى سلعة في الأسواق. لذلك، فإن مشاريع مثل EastMed، وممرات التصدير عبر قبرص واليونان، ومشروع TANAP التركي، ليست تفاصيل هندسية. إنها خرائط نفوذ مكتوبة بلغة طاقوية.
إسرائيل تدرك هذا تمامًا. لذلك تسعى إلى بناء طرق تصدير تقلل اعتمادها على تركيا، أو تمنحها هامشًا أكبر في التفاوض مع أوروبا بعيدًا عن أنقرة. وفي المقابل، ترى تركيا أن موقعها الجغرافي لا يسمح لها بأن تكون مجرد دولة على الهامش؛ بل هي تريد أن تكون “العقدة” التي يمر منها الغاز شرقًا وغربًا. وهذا هو جوهر التناقض، إسرائيل تريد أن تمنح نفسها استقلالية في التصدير وتريد إبقاء المجال البحري والسياسي في شرق المتوسط تحت سقفها أو في دائرة تأثيرها المباشر، بينما تريد تركيا أن تجعل نفسها حلقة مركزية في العبور نحو أوروبا. وبين العقدتين، يتشكل صراع طويل الأمد على من يفرض شروط الممرات الغازية.
تركيا ليست خصمًا عابرًا
القراءة السطحية قد تقول إن التنافس التركي-الإسرائيلي مجرد خلاف سياسي يرتفع ويهبط بحسب المزاج الدبلوماسي. لكن القراءة الأعمق تُظهر أن المسألة أبعد من ذلك. تركيا ليست خصمًا عابرًا، بل منافس استراتيجي من نوع مختلف. فأنقرة تمتلك جيشًا كبيرًا، وصناعة دفاعية متقدمة، وحضورًا إقليميًا في أكثر من مسرح، سوريا، ليبيا، القرن الإفريقي، الخليج، البحر الأسود، آسيا الوسطى وحتى عقد الطاقة الممتدة باتجاه أوروبا. وهذه القدرة لا تعني فقط تفوقًا عسكريًا، بل قدرة على التأثير في خرائط التدفق نفسها.
وهنا تتبدل طبيعة الخصومة مع إسرائيل. فبدل أن تكون خصومة على “أيديولوجيا” أو على “لغة سياسية”، تصبح خصومة على الوظائف الجيوسياسية، من يسيطر على ممرات الطاقة؟ من يملك قدرة منع أو السماح؟ من يفرض على الآخر المرور عبر شبكته؟ هذا النوع من الصراع أكثر خطورة من الصراع التقليدي، لأنه لا يحتاج إلى حرب شاملة كي يترك أثره، بل يكفي أن يظل التوتر قائمًا حتى تتغير حسابات المستثمرين والدول والشركات.
هذا ما يجعل الحرب على لبنان ليست حدثًا منفصلًا، بل جزءًا من معادلة تحويل الإقليم إلى خرائط خاضعة للردع العسكري. فكلما اشتد الضغط على لبنان، ارتفعت قيمة البدائل التي تبحث عنها إسرائيل وأوروبا واللاعبون الدوليون. وكلما زادت احتمالات الانفجار، زادت أهمية من يمتلك البنية التحتية القادرة على التحكم بالعبور. لذلك يصبح الغاز في هذه المرحلة ليس فقط مصدر ثروة، بل أيضًا أداة للضغط السياسي، وأحيانًا وسيلة لعزل الخصوم وفرض شروط التفاوض عليهم.
لبنان بين الحق والحرمان
المشكلة ليست فقط في أن إسرائيل تقصف لبنان، بل أن الحرب تضعه في موقع المتلقي دائمًا، لا الفاعل. لبنان يملك شريطًا بحريًا واعدًا، وموقعًا يسمح له بأن يكون جزءًا من خريطة الطاقة الإقليمية، لكن هذا الموقع تحوّل في ظل الانهيار السياسي والعدوان المستمر إلى عبء أكثر منه فرصة. والأسوأ أن أي نقاش جدي حول اقتصاد الغاز اللبناني يبقى محاصرًا بسؤال السيادة: من يضمن أن البحر سيبقى مفتوحًا؟ من يمنع تحويل المنشآت إلى أهداف؟ ومن يحمي القرار الاقتصادي من الابتزاز الأمني؟
وهنا يظهر البعد الأخطر في الحرب، إنها لا تمنع فقط استخراج الثروة، بل تمنع بناء الدولة التي تستطيع أن تستثمر هذه الثروة. بمعنى آخر، ليس الهدف فقط تعطيل مشروع غازي معين، بل إبقاء لبنان كله ضمن حالة من الضعف تمنع تحويل ثروته إلى نفوذ. وهذه ليست مبالغة، بل منطق معروف في الجغرافيا السياسية، حين تعجز الدولة عن حماية ممراتها، تصبح ثرواتها قابلة للتعطيل، وموقعها قابلاً للمصادرة، ومستقبلها الاقتصادي رهينة للصراعات المحيطة بها.
صراع على العبور
إذا كان القرن الماضي قد شهد صراعات على الأرض والحدود، فإن هذا القرن يشهد صراعات على الشبكات والممرات. شرق المتوسط اليوم هو مثال صارخ على ذلك. الغاز فيه ليس مجرد مخزون تحت البحر، بل ورقة تفاوض فوق الطاولة وتحته. والبحر ليس مجرد مساحة مائية، بل طريق تتنازع عليه دول تريد أن تحوله إلى شريان، ودول أخرى تريد أن تبقيه تحت الرقابة، ودول ثالثة تعيش على ضفافه لكنها لا تملك رفاهية الاختيار.
في هذا الإطار، يبدو المستقبل مفتوحًا على تنافس أكثر تعقيدًا بين إسرائيل وتركيا، وفي الخلفية لبنان بوصفه الجبهة الأكثر هشاشة، والأكثر عرضة لدفع الثمن. فإسرائيل لا تريد أن تخرج تركيا من المعادلة فقط، بل تريد أن تبني حولها بدائل تتيح لها التحكم بالمشهد. وتركيا لا تريد أن تكون مجرد طرف مراقب، بل تريد أن تفرض نفسها كممر إجباري. أما لبنان، فإن فرصته الوحيدة تكمن في أن يدرك أن ملف الغاز ليس ملفًا تقنيًا، بل ملف سيادة وبقاء، وأن أي استثمار حقيقي يبدأ من إنهاء منطق الحرب الذي يحاصره اليوم.
الخلاصة التي لا مفر منها هي أن الحرب الإسرائيلية على لبنان ليست حادثًا معزولًا عن مشهد الغاز في شرق المتوسط، بل هي إحدى أدوات إعادة تشكيله. فإسرائيل تستخدم القوة لتثبيت معادلات النفوذ، وتركيا تستخدم الجغرافيا لتكبير دورها، ولبنان يقف في المنتصف، يدفع ثمن الحرب ويحاول ألا يُسحب من خريطة المستقبل. وبين الحقول والأنابيب والموانئ والحدود البحرية، يتحدد شكل النظام الإقليمي القادم. ومن لا يقرأ هذا الصراع باعتباره صراعًا على الممرات والوظائف الجيوسياسية، سيبقى يظن أن المعركة على الغاز تقنية، بينما هي في حقيقتها معركة على من يملك حق رسم الشرق الأوسط الجديد.
