وينطبق “الستاتيكو الجيوسياسي” على إدارة النزاع بشأن تايوان، حيث جاهر الرئيس الصيني برسم خطوطٍ حمرٍ، محذراً ترامب من أنه إذا أسيء تدبر هذا الملف، فإن الطرفين يُجازفان بمواجهة، علماً أن البيان الأميركي تجاهل هذا الموضوع تماماً، قبل أن يكشف ترامب لاحقاً أنه لم يتخذ أي التزام في شأن صفقة أسلحة مقررة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار، معتبراً أنها مفيدة في السياق التفاوضي.
أما المجال الإقتصادي الذي يخضع لحسابات ترامب الانتخابية كأولوية، فإن الصين ستشتري من حيث المبدأ سلعاً أميركية تصل قيمتها إلى 300 مليار دولار، ويعني ذلك أن الرئيس الأميركي الذي تفيد استطلاعات الرأي بتراجع شعبيته على نحو مقلق، يمكنه استباق الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل بالتعويل على تحسين الأوضاع الاقتصادية وتعزيز فرص العمل في الولايات المتحدة، يضاف إلى ذلك إنشاء هيئتين للتجارة والاستثمار لتجنب حالات التصعيد المفاجئة بين الجانبين.
وهكذا تكون قمة بكين قد ساهمت في إنشاء آليات حوار تجنباً لمواجهة انزلاقات غير محسوبة النتائج والتداعيات، أي تكريس مساحة تهدئة مؤقتة بين العملاقين وذلك في أعقاب حرب التعرفات الجمركية خلال العامين 2024 و2025، ومن ثم الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بتداعياتها المستمرة حتى الآن، ولا سيما منها استمرار إقفال مضيق هرمز.
وقد نجح شي جين بينغ في تكريس صورة دولية للصين على قدم المساواة مع القوة الأميركية العظمى، مثلما رسم خطوطاً حمر في ملف تايوان من دون تقديم أي تنازل جوهري.
في المقابل، حصل ترامب على “انتصاراته التعاقدية” ووعود بمشتريات صينية من دون تحقيق أي اختراق بنيوي في التجارة أو التكنولوجيا أو حتى في الملف الإيراني.
ويستحق “الستاتيكو” حول تايوان التوقف عنده لأبعاده العملية، ذلك أن ترامب وشي جين بينغ لم يُوقعا على السلام في هذا المضمار، بل قرّرا تجميد النزاع أربع سنوات تلتزم واشنطن خلالها بوقف بيع الأسلحة الهجومية لتايوان مثل الصواريخ البعيدة المدى وطائرات “إف 35” والاكتفاء بالنظم الدفاعية مثل الرادارات والصواريخ المضادة للسفن.
والأمر اللافت للانتباه هو “الصمت السياسي” الذي يقود إلى وقف زيارات المسؤولين الأميركيين إلى العاصمة التايوانية تايبه، وإبقاء السفارة الأميركية هناك على مستوى “مكتب تجاري”.
في المقابل، تتوقف سلطات بكين عن التلويح بفرض الحصار على جزيرة تايوان أو اجتياحها عسكرياً لتكتفي بتمارين بحرية حول الجزيرة أو في المضيق لتأكيد الحضور والجهوزية.
لكن تايوان تبقى تحت الضغط الاقتصادي لكون 40% من صادراتها تذهب إلى “جمهورية الصين الشعبية” التي يُمكن أن تمنحها حكماً ذاتياً شبيهاً بذلك الذي حظيت به هونغ كونغ بين العامين 1997 و2020 في ظل انقلاب ميزان القوى لمصلحة بكين.
وبعد قمة بكين قد يتبين أن واشنطن توافق على أن تقوم الصين ببناء الكوريدور البرّي (باكستان – الصين) عبر ميناء غوادار، فضلاً عن قناة كرا في تايلاند للالتفاف على عقدة مضيق ملقا، وخط النفط “سيبيريا 2” من روسيا إلى الصين. والحصيلة أن 45% بالمئة من النفط الصيني يمر عبر اليابسة، في الوقت الذي يفقد البحر دوره الحيوي في السباق على تأمين الطاقة على الصعيد العالمي.
يعني ذلك أن زيارة ترامب إلى الصين لم تكن حدثاً دبلوماسياً عادياً يرتبط بالخلافات التجارية أو الرسوم الجمركية أو التنافس التكنولوجي أو بالملفين الإيراني أو التايواني فحسب، بل جاءت في لحظة تشهد تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، حيث بدأت الولايات المتحدة تدرك أن العالم يتجه تدريجياً من مرحلة الهيمنة الأميركية الأحادية إلى مرحلة الصراع على إعادة توزيع مراكز القوة العالمية.
ويحتاج ترامب إلى تسويق “الستاتيكو الاستراتيجي” مع الصين لدى قاعدته الانتخابية من خلال إغرائها بدفتر شيكات بمشتريات صينية لا تتعدى 300 مليار دولار، هي القيمة الإجمالية لزيت الصويا وطائرات “البوينغ” وأشباه الموصلات الإلكترونية، ما يبعد خطر الكساد الاقتصادي عن العام 2026. ولا ننسى نقل 20 مصنعاً صينياً إلى تكساس وأوهايو تنتج “صُنع في أميركا” بأيدٍ صينية، فضلاً عن توقف الشركات الصينية عن تصدير مكونات تدخل في تركيب مخدر “الفانتانيل”، ما يسمح للرئيس الأميركي بإعلان ربح الحرب على المخدرات التي تجتاح الولايات الأميركية.
وفي هذا السياق، تبرز نقطة ضعف تتمثل في المدى القصير لـ”الصفقة” (إذا صحّ التعبير)، كون المصانع تعود صينية خلال 5 سنوات، فيما تحصل إيران على معبر بري يلتف على استراتيجية القوة البحرية لألفرد ماهان، ويرفض الرئيس الصيني التخلي عن طهران تاركاً الغموض يُخيّم على تايوان التي يتراوح مصيرها بين غياب الاستقلال وعدم التعرّض للغزو، الأمر الذي يوحي بأن “الستاتيكو” يميل إجمالاً لمصلحة الصين.
وكان لافتاً لانتباه المراقبين سيل التحذيرات الباردة التي اعتمدها الرئيس الصيني رداً على فيض الإشادات من جانب الرئيس الأميركي، ومنها التحذير من حتمية عودة تايوان إلى “الوطن الأم”، حيث أن بكين لم تعد تكتفي بمطالبة واشنطن بعدم دعم استقلال تايوان، بل تصر على أن تُعبّر الحكومة الأميركية بوضوح عن معارضتها لهذه النزعة.
غير أن التحذير الصيني، الذي لفت انتباه المراقبين، تمثل في مقاربة دينامية العلاقات بين العملاقين المتنافسين. فقد عرض شي جين بينغ رؤيته للعالم، مشيراً إلى “فخ توسيديديس” (*) الذي يتعين على الصين وأميركا بذل الجهد لتجنب الوقوع فيه.
وهكذا تبدو قمة بكين أشبه باتفاق ضمني على تأجيل المواجهة الكبرى لا منعها. فالصين لم تتراجع في تايوان، ولم تتخلَّ عن إيران، ولم توقف مشروعها الجيوسياسي الممتد من آسيا الوسطى إلى البحار الدافئة، فيما لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض اختراق حاسم في أي من الملفات الكبرى، مكتفيةً بإدارة التوازنات ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في لحظة دولية شديدة الهشاشة.
لكن خلف هذا “الستاتيكو الجيوسياسي” يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل يستطيع النظام الدولي تحمّل التعايش الطويل بين قوة أميركية تخشى الهبوط وقوة صينية تعرف أن صعودها لم يعد قابلاً للتراجع؟
ربما لهذا السبب استعاد شي جين بينغ تحذير “فخ توسيديديس”، لأن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس الحرب المباشرة، بل ذلك التراكم البطيء للتوترات الذي يجعل الصدام يبدو، مع مرور الوقت، أقل استحالة وأكثر قابلية للحدوث.
***
(*) توسيديدس هو مؤرخ إغريقي شهير من القرن الخامس قبل الميلاد، ويُستدل من عبارة “فخ توسيديدس” النزوع إلى الحرب عندما تواجه دولة مهيمنة (إسبارطة) تحدياً من دولة صاعدة (أثينا). ويتفاقم الاتجاه نحو الحرب عندما يبدأ الناس بالتفكير في أن التورط في الحرب غير وارد. وتهدف عبارة “فخ توسيديدس” إلى التنبيه إلى احتمال انفجار نزاع غير مفيد للطرفين المتصارعين (قوة هابطة وقوة صاعدة)، وتالياً إلى إمكان تجنّبه.
ويُعدّ “توسيديدس” أول مُنظّر في العلاقات الدولية، ولو أنه لم يضع أي نظرية بالمعنى المعاصر للمصطلح.
وفي سرديته التراجيدية عن الحرب يكشف “توسيديدس” مرة تلو الأُخرى أن البشر تُحركّهم في المقام الأول مشاعر الخوف والطموح والمصلحة الذاتية والرغبة في التحكم في الآخرين.
ويتفق المورخ اليوناني القديم في مقاربة الفوضى في النظام الدولي مع وجهة النظر الواقعية، وفحواها أن بناء شكل من توازن القوى هو الطريقة الوحيدة للحفاظ على الأمن في منظومة تفتقر إلى سلطة عليا.
واستناداً إلى “توسيديدس:، فإن الواقعية السياسية تعني أن أكثر ما يهمّ الدول هو أمنها، وبالتالي فإن الأولويات لديها تصبح حشد الثروات وبناء الجيوش. ويقود هذا التصور إلى فرضية أن المجتمع الدولي هو على الدوام في حال تنازع على السيطرة.
