غير أن هناك درساً تاريخياً آخر كان جديراً بأن يسمعه ترامب من شي، وبخاصةً أنه لا يقرأ كثيراً، وهو درس “الحلف الديلي”. هذا الحلف الذي تأسّس بين المدن الإغريقية لمواجهة الخطر الفارسي. لم يكن مجرد تحالف عسكري، بل كان تعبيراً عن ضرورة العمل الجماعي في مواجهة التحديات المصيرية. ومع مرور الزمن، تحولت أثينا من قوة حامية إلى قوة متسلطة، وبدأ التحالف يفقد توازنه، حتى انتهى إلى تفكك وانقسام أعاد الخطر إلى الواجهة.
التاريخ هو المعلم الذي لا يستأذن الكلام. حين يفتح أبوابه فهو يهمس بسر من أسرار البدايات. لعل عقلاً بارداً يستطيع التقاط همساته التي تدل على إرهاصات المستقبل. هنا استخرج فصلاً من كتاب البدايات وأسرد قصة تعتبر من أساسيات العقل السياسي الغربي الحديث.
***
من على بحر إيجه وقفت المدن الإغريقية الصغيرة في آسيا الصغرى (الأناضول وبلاد الشام) بين خوفين. خوف من الجيوش الفارسية التي تتقدم وخوف من الحضارة اليونانية التي قد تبتلعهم. كان الهواء السياسي في تلك الأيام ثقيلاً. وكانت الهمسات عن الغزو تمر بين الناس كما تمر الريح الباردة في الأزقة الضيقة. في قلب هذا الاضطراب تنطحت المدينة الكبرى أثينا. أدارت وجهها نحو المدن المبعثرة وقالت لها إن الخلاص لا يكون إلا إذا اتحدت الأيدي قبل أن تتحد السيوف. ولد الحلف الذي سيعرفه التاريخ لاحقًا باسم “الحلف الديلي” سنة 478 قبل الميلاد نسبة الى جزيرة ديلوس اليونانية. حلفٌ لم يولد من طموح سياسي بل من شعور عميق بأن النجاة عمل جماعي وأن الخطر حين يعم لا يُواجه إلا من خلال قوة مشتركة.
جاء الانتصار. تراجع الفرس. انكفأت جيوشهم كما ينكفئ الموج عند صخور الشاطىء. عادت المدن إلى فضائها الطبيعي. لكن المُعلّم، أي التاريخ، لم يكن معنياً بلحظة الانتصار بقدر ما كان معنياً بما بعد اللحظة. بما بعد أن تنسى. فالنصر، كما يعرف كثيرون، لا يغلق الدفاتر بل يفتح فصولاً جديدة. فصولٌ أكثر تعقيداً من الحرب نفسها.
مع مرور الوقت، بدأ التحالف يتبدل وإن بدا في الظاهر راسخاً. صارت أثينا، حاملة راية الخلاص، تطلب من المدن المتحالفة تمويل العجز الذي خلّفته الحرب، ثم تمويل الاستعداد لحروب محتملة، ثم تمويل ما أصبح يُرى كشبكة مصالح تميل أكثر نحو أثينا مما تميل نحو غيرها. كانت الضريبة في بداياتها مشاركة مشروعة في عبء الدفاع. لكن مع مرور الأعوام اتخذت شكلاً آخر. تحولت الى عبء متزايد لا يخلو من الإكراه الناعم. ثم الإكراه الصريح حين حاولت بعض المدن الاعتراض.
هنا بدأ التحالف يفقد طبيعته الأولى. فإذ به يتحول في وعي بعض أعضائه إلى أداة تسهم في تكريس وجود مدينة واحدة. وبدأت الأسئلة الصامتة تظهر بين المدن: هل ما ندفعه اليوم لحماية أنفسنا؟ أم لحماية نفوذ أثينا؟ وهل الانتصار الذي تحقق ما يزال يحتاج إلى كل هذه الأثقال التي تفرض باسم “الأمن المشترك”؟ هذه الأسئلة لم تكن مجرد تساؤلات عابرة. فقد كانت إشارات مبكرة على الشرخ الذي يتسلل إلى قلب الحلف كما يتسلل الماء إلى الخشب فيُخرّبه.. بهدوء. لم تدرك أثينا ذلك في البداية. كانت غارقة في شعورها بأنها الحارس الوحيد للعالم الإغريقي. وأن قوتها هي الضمانة التي لا بديل عنها. وربما صدقت كما تصدق القوى المركزية عبر التاريخ أن العبء الذي تتحمله يعطيها حقاً أخلاقياً في فرض شروطها.
لكن المدن الأخرى كانت ترى الأمر من زاوية مختلفة. كانت تتذكر لحظة الرعب الأولى التي دفعتها إلى الاتحاد. لكنها كانت ترى أيضاً أن الخطر الفارسي لم يعد كما كان. وأن الأعباء التي تترتب عليها تجاوزت حدود المنطق. كانت تشعر في قرارة نفسها أن التحالف لم يعد يعكس توازناً بين المدن بل صار يميل ببطء وبثقل نحو أثينا وحدها.
ومع أن السفن كانت تواصل نقل البضائع بين الجزر والمدن، فإنها كانت تنقل معها أيضاً الهمسات المتوترة. وكلما وصلت سفينة جديدة إلى ميناء جديد كانت تحمل معها مزيداً من الشكوك في جدوى الحلف ومزيداً من الامتعاض من مطالب أثينا. كأن البحر نفسه صار وسيطاً لانتقال الشعور بأن العقد الذي جمع المدن قبل سنوات بدأ يتفكك.
***
التاريخ لم يلتزم الصمت. كان يُراقب ويُسجّل هذه اللحظات بعناية. سجّل كيف تتحول القوة من نعمة إلى نقمة. كيف ينقلب التحالف الذي ولد لحماية المدن إلى عبء يرهق كاهلها. سجّل كيف أن أثينا المنتشية بانتصارها لم تنتبه إلى أن القوة حين تتضخم تصبح مثل السفينة الثقيلة التي يحتاج تحريكها إلى طاقة أكبر مما يحتمله البحر.
وفي لحظة ما بدأت المدن بالتمرد. واحدة تلو الأخرى. لم يعد الامتناع عن الدفع مجرد موقف مالي بل إشهار فقدان ثقة برأس الحلف نفسه. أمام هذا العصيان المتنامي لم تجد أثينا إلا اللجوء إلى القوة. الشرخ أصبح شروخاً. التحالف تصدّع بفضل القوة، وما أن تتحول قوة المركز إلى وسيلة لإخضاع الأطراف حتى يفقد التحالف روحه، مهما بدا قوياً من الخارج.
وبينما كان الحلف يتهاوى كما يتهاوى سقف قديم فقد أعمدته، كانت الإمبراطورية الفارسية التي هزمت ذات يوم تجد طريقاً للعودة. لم تعد بحاجة إلى جيوش جرّارة هذه المرة. يكفيها أن ترى العالم الإغريقي ممزقاً بين أثينا والمدن التي كانت حليفة وصارت عدوة. هذا العالم بدا عاجزاً عن إعادة بناء الثقة المفقودة ومثقلاً بأعباء تحالف لم يعد أكثر من ظلال على رمال متحركة.
***
هذه القصة ليست مجرد حدث من القرن الخامس قبل الميلاد. إنها درس في طبيعة التحالفات حين تتجاوز عامل الخطر الذي من أجله ولدت. درسٌ في أن التحالفات التي تبقى بعد انتفاء الحاجة إليها تحتاج إلى توازن جديد وإلى معنى جديد وإلا أصبحت عبئاً بدل أن تكون حماية.
التاريخ في هذه الحكاية لا يقدم موعظة أخلاقية فقط. بل خريطة لفهم ما تفعله القوى الكبرى حين تقود تحالفات طويلة الأمد. تحالفاتٌ تبدأ من الخوف ثم تنتقل إلى حماية الجماعة ثم تتحول ببطء إلى مركز ثقل يستنزف الآخرين. وعندما تختل العدالة تبدأ الفجوة بالاتساع. وما أن تتسع حتى لا يعود ممكناً ردمها لا بالقوة.. ولا بذكريات المصالح التي تبدّدت.
تُعلّمنا أثينا درساً ما يزال صالحاً إلى يومنا هذا. التحالفات التي تولد من رحم الخوف سرعان ما تموت حين ينتفي الخوف.. والتحالفات حتى تستمر تحتاج إلى ما هو أعمق من مواجهة خطر عابر. تحتاج إلى عدالة. إلى توازن. إلى معنى. إلى قدرة على رؤية الآخرين لا كتوابع بل كشركاء. وإلا فإن مصيرها سيكون نسخة جديدة عما حلّ بـ”الحلف الديلي” الذي انتصر في الحرب وهُزم في السلم.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
