لهذا، لا تبدو دراسة »كلفة الحرب والأزمات على لبنان: واحد من كل ثلاثة لبنانيين يرغب في الهجرة«، الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مجرد استطلاع يقيس نيات اللبنانيين تجاه الهجرة. فالدراسة، وإن جاءت في قالب إحصائي، تفتح باباً أوسع لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي أصابت المجتمع اللبناني خلال السنوات الأخيرة. إنها لا تقيس حركة السكان بقدر ما ترصد التحول الذي طرأ على علاقة الإنسان بالمكان، وعلى صورة الوطن في الوعي الجمعي.
تكمن قيمة الدراسة في أنها تنقل النقاش من سؤال: كم لبنانياً يريد الهجرة؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا يعني أن يصبح الرحيل خياراً عادياً بالنسبة إلى مجتمع بأكمله؟
البقاء لم يعد بديهياً
في المجتمعات المستقرة، لا يحتاج الإنسان إلى تبرير بقائه في وطنه؛ فالبقاء هو القاعدة، والهجرة هي الاستثناء. أما عندما يصبح سؤال الهجرة جزءاً من الحياة اليومية، فإن القاعدة نفسها تبدأ بالتغير.
تشير الدراسة إلى أن 37 في المئة من اللبنانيين يرغبون في الهجرة. قد يبدو هذا الرقم، للوهلة الأولى، مجرد مؤشر اقتصادي مرتبط بالبطالة أو انخفاض الدخل. لكن القراءة السوسيو-أنثروبولوجية تقود إلى نتيجة مختلفة. فالرغبة في الهجرة ليست مجرد تعبير عن ضيق اقتصادي، بل هي مؤشر على تغير التمثلات الاجتماعية للمستقبل.
فالإنسان لا يعيش في الحاضر وحده، بل يعيش أيضاً داخل صورة يتخيلها لمستقبله. وعندما تصبح هذه الصورة أكثر وضوحاً خارج الوطن منها داخله، فإن الهجرة تتحول من خيار اقتصادي إلى أفق اجتماعي وثقافي.
ومن هنا، لا تقيس الدراسة حجم الهجرة المقبلة، بل تقيس حجم التراجع الذي أصاب قدرة لبنان على إنتاج الأمل بوصفه مورداً اجتماعياً.
من الوطن إلى المنصة
تقدم الدراسة معطى آخر لا يقل أهمية، وهو أن الذين اتخذوا خطوات عملية للهجرة لا تتجاوز نسبتهم 9.3 في المئة، برغم أن الراغبين في المغادرة يبلغون أربعة أضعاف هذا الرقم تقريباً.
هذه الفجوة ليست تفصيلاً إحصائياً، بل تكشف عن ظاهرة اجتماعية جديدة. فالمجتمع يعيش في حالة استعداد دائم للرحيل، حتى وإن لم يمتلك أفراده الوسائل الكافية لتحقيقه.
وكأن لبنان تحول، بالنسبة إلى شريحة واسعة من مواطنيه، من فضاء للاستقرار إلى منصة انتظار؛ مكان تُدار فيه الحياة مؤقتاً إلى حين توافر فرصة للمغادرة.
وهذا التحول بالغ الدلالة. فالإنسان عندما يبدأ بتنظيم حياته على أساس أنها مؤقتة، تتغير معه قراراته المتعلقة بالتعليم والعمل والاستثمار وتكوين الأسرة والانتماء المحلي. أي أن الهجرة لا تؤثر في المجتمع عندما تحدث فقط، بل تبدأ بإعادة تشكيله قبل وقوعها.
إعادة تعريف الانتماء
لطالما ارتبطت الهجرة اللبنانية بشبكات القرابة، وبالتاريخ الطويل للانتشار اللبناني في العالم. إلا أن الدراسة تشير إلى تحول مختلف.
فالرغبة في الهجرة لم تعد مرتبطة بطائفة معينة، ولا بمنطقة دون أخرى، ولا حتى بمستوى تعليمي محدد، بل أصبحت منتشرة بدرجات متفاوتة بين مختلف الفئات الاجتماعية.
وهذا يعني أن الهجرة لم تعد تعكس اختلافات المجتمع، بل أصبحت تعبر عن خبرة جماعية مشتركة.
ومن منظور أنثروبولوجي، تكشف هذه النتيجة عن إعادة تعريف الانتماء ذاته. فالانتماء لا يقوم فقط على الارتباط بالأرض، بل على الاعتقاد بأن هذه الأرض قادرة على احتضان المستقبل. وحين يضعف هذا الاعتقاد، لا يختفي الانتماء بالضرورة، لكنه يعيد تشكيل نفسه في صور جديدة، قد يكون الوطن فيها حاضراً عاطفياً، وغائباً بوصفه مشروعاً للحياة.
لذلك، لا تبدو الهجرة هنا نقيضاً للوطنية، بقدر ما تبدو تعبيراً عن أزمة العلاقة بين المواطن والدولة.
جغرافيا الأمل
من أكثر نتائج الدراسة إثارة للاهتمام خريطة الوجهات التي يفضلها اللبنانيون.
فأوروبا تأتي في المرتبة الأولى، تليها دول الخليج، ثم الولايات المتحدة وكندا. لكن أهمية هذه النتائج لا تكمن في ترتيب الدول، بل في الرموز التي تمثلها.
فالناس لا يهاجرون إلى الجغرافيا وحدها، بل إلى الصور التي يبنونها عنها. وأوروبا، في المخيال الاجتماعي للشباب اللبناني، لا تمثل مجرد قارة، بل منظومة كاملة من الاستقرار، والتعليم، والضمانات الاجتماعية، وسهولة الحركة، وإمكانية التخطيط للحياة.
في المقابل، لم تعد دول الخليج تُنظر إليها كسوق عمل مؤقتة كما في العقود السابقة، بل كفضاءات حديثة للنمو المهني والتطور التكنولوجي، بما يعكس تحولاً في صورتها داخل الوعي اللبناني.
ومن هنا، فإن خريطة الهجرة ليست مجرد توزيع جغرافي للرغبات، بل خريطة للمعاني التي يمنحها الناس للأماكن، وللوعود التي يعتقدون أنها تقدمها.
الحرب وصناعة المستقبل
قد تبدو الدراسة، للوهلة الأولى، منفصلة عن الحرب، لأنها تتناول الهجرة. لكن الحقيقة أنها تقدم واحدة من أهم القراءات غير المباشرة لكلفة الحروب.
فالحروب لا تعيد تشكيل المدن فقط، بل تعيد تشكيل الزمن الاجتماعي. إنها تغيّر الطريقة التي يفكر بها الناس في الغد، وتدفعهم إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، وإلى البحث عن فضاءات أكثر استقراراً يمكن أن تستوعب مشاريع حياتهم.
ولذلك، فإن الهجرة ليست فقط نتيجة للحرب، بل إحدى الطرق التي تستمر بها آثار الحرب بعد توقف القتال.
فحين تغادر الكفاءات والشباب، لا تخسر الدولة سكاناً فقط، بل تخسر الزمن الذي كان يمكن أن ينتجوه داخلها؛ تخسر الأفكار التي لم تُولد، والمشروعات التي لم تُنفذ، والعلاقات الاجتماعية التي كان يمكن أن تعيد بناء المجتمع.
وهنا، تكتسب الدراسة بعداً يتجاوز الديموغرافيا، لتصبح قراءة في الكلفة الاجتماعية طويلة الأمد للحروب والأزمات.
ما الذي تضيفه الدراسة؟
لا تقدم الدراسة نظرية جديدة للهجرة، لكنها تلفت الانتباه إلى تحول يستحق التأمل. فهي تتعامل مع الرغبة في المغادرة بوصفها مؤشراً اجتماعياً، لا مجرد قرار فردي.
ومع ذلك، كان يمكن أن تذهب أبعد في ربط نتائجها بالأدبيات السوسيولوجية والأنثروبولوجية المتعلقة بالهجرة، ولا سيما تلك التي تنظر إليها بوصفها تحوّلاً في أنماط الانتماء وإنتاج الهوية، أو أن تقارن بين موجات الهجرة التي أعقبت الحرب الأهلية (1975-1990) وحرب تموز(يوليو) 2006، وبين الموجة الراهنة، لمعرفة ما إذا كان لبنان يعيش استمراراً لمسار تاريخي، أم انتقالاً إلى مرحلة جديدة في علاقته بأبنائه.
غير أن هذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة الدراسة، بل تؤكد أنها تفتح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة، وهو ما يميز الدراسات التي تستحق النقاش.
في النهاية، لا تقول هذه الدراسة إن واحداً من كل ثلاثة لبنانيين يريد الهجرة فحسب، بل تكشف أن المجتمع اللبناني يعيش تحولاً في معنى البقاء نفسه. فحين يصبح الوطن مكاناً يقيم فيه الناس، لكنهم يتخيلون مستقبلهم في مكان آخر، فإن القضية لم تعد قضية تنقل سكاني، بل قضية إعادة تعريف للعلاقة بين الإنسان ووطنه.
ولعل هذا هو أخطر ما تتركه الحروب والأزمات؛ فهي لا تكتفي بإضعاف الاقتصاد أو استنزاف المؤسسات، بل تعيد تشكيل المخيال الاجتماعي، بحيث يصبح الرحيل جزءاً من التفكير الطبيعي، ويغدو البقاء قراراً يحتاج إلى تبرير. وعندها، لا يعود السؤال: كم سيغادر من اللبنانيين؟ بل كيف يستعيد الوطن قدرته على أن يكون أفقاً للمستقبل، لا مجرد مكان للإقامة؟
(*) كلفة الحرب والأزمات على لبنان: واحد من كل ثلاثة لبنانيين يرغب في الهجرة، دراسة صدرت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026.
