في صدارة هذه الأسباب يتصدر المُشَيَّعُ نفسه، شخصيته، نمط حياته، فهو قبل أي شيء، وقبل أي أحد، ثقة الإمام الخميني المؤسس الأول، الذي قال فيه يوم أوصى به قائداً من بعده: “إن السيد خامنئي شمس تبعث الضياء”، فالرجل ذو تاريخ حافل بالجهاد والنضال، خرّيج سجون الشاه، طريد المنافي والفيافي، قائد الجبهات في القتال، بذا هو ربيب الثورة، ورِبِّيُها الأول- يوم ندر الرِبِّيون،{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} (آل عمران/ 126) والرجل هو باني إيران الدولة، وناقلها من عهد الثورة، إلى طور المأسسة على مدى 37 عاماً، واضعاً لكل عام شعاراً: “عام الإقتصاد المقاوم”، “عام الإنتاج المعرفي”، “عام الاقتصاد والثقافة بعزيمة وطنية وإدارة جهادية»،”عام الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية”، وتلك ميزة اختُص بها، يتّسق ذاك مع شخصية جامعة، هي جامعات بكلّياتها من الفقه الذي هو حوزته، والسياسة التي هي عين دينه، والعلوم الملمّ بصنوفها، والفلسفة المختص فيها، والأداب والشعر الذي يتذوقه، والإقتصاد الذي يعرفه، والفنون والرياضة التي يجيدها مشياً فجراً إلى قمة “دماوند” في أعالي طهران، إلى تواضعه وتقشفه الذي جعل الرجل الأوّل في البلاد يستقرض 20 ألف تومان لإقامة مجلس عزاء في عاشوراء، التي بها ومنها كان يرتسم طريقة شهادته التي اختارها بملء إرادته، وعن سابق تصوّر وتصميم، شهادة كربلائية بكل ما في كربلاء من شجاعة الإقدام، ومعاني التضحية والفداء، شهادة كانت وطريقتها، السبب الأول لهذا الحضور الشعبي، و”خاصية الشهادة هي جذب القلوب” كما كان يقول، ويُحرج فريق حمايته عندما يصرّ على انتقاله إلى ملجأ حصين لأنه مُستَهدَف بسؤال: “وهل أستطيع أن أنقل تسعين مليون إيراني إلى الملاجئ”، رافضاً أن يحمي نفسه ويحتمي تاركاً شعبه تحت القصف الهمجي الذي لا يرحم ولم يرحم بنات مدرسة “ميناب” الـ156، ولذا كان من الطبيعي لهذا التسعيني أن يختار خاتمته، وقلة من الأخيار من تتاح لهم حرية الإختيار، إختيار الختام، وطريقة النهاية، نهاية جسدية لبداية حسينية، لا يفقهها إلاهُ ومن اتخذ طريق ذات الشوكة سبيلا، ولذا بشّر صهره بالشهادة معه وهذا ما حصل، ليمشي القائد إلى شهادته، شهادة لا ينتظرها، ولا ينتظر أن تأتي إليه، وبذا يرتحل عن إيران وهي في حال المحور، محور المقاومة، ومحور الحدث العالمي، بما يحمله ذلك من تركة ثقيلة ثقل ملفات الداخل والخارج، ليمسي تشييعه هو الأمل للمستقبل الآتي و”القائد هو تاجر الأمل”، كما رأى نابوليون بونابرت (1769-1821) ذات يوم مع فارق البون الشاسع بين الإثنين.
هنا يتبلور السبب الثاني في طبيعة الشعب الإيراني المتّحد بتنوعه، المتوحّد بأعراقه إذا ما ادلَهَمَّ خطر خارجي، أياً كان النظام وأياً كان قائده،- “ولكي تكون وحدة الشعب حقيقية، يجب عليها أن تصمد أمام أقصى أنواع الضغط دون أن تنكسر” كما يعتبر “المهاتما غاندي“- (1869-1948)، مروراً بتكوين الإيراني السيكولوجي المبتنى على عقيدة التقديس، وتطويب المقدّس، وحفظ مكانة نظام الحكم الثيوقراطي في مخياله الواسع، و”نوروز” الأساطير المؤسِسة والمغذّية لسرديات التفوق والإنتصار، مطعّمةً بميتافيزيقيات بلا حدود، وصولاً إلى التموضع الميثولوجي في ثقافته الحضارية، وحياته النمطية، وتركيبته الإثنية، وهي كلها كيمياء يجهلها كثيرون من جيرانه العرب، وأعدائه في الغرب، وأولهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومفاجأته “برؤية الإيرانيين يبكون في جنازة خامنئي” وهي شهادة بمعزل عن صدقيته فيها، تشي بالكثير في لحظة تشييع القتيل بلحاظ القاتل، -“والفضل ما شهدت به الأعداء”، والمفاجأة هنا ليست في البكاء، فالإيرانيون معروفون بأنهم بكّاؤون، هم شعب بكّاء، في أيام عاشوراء، وفي مجالس العزاء، لكنهم اليوم في بكاء سياسي، غير مسبوق إلا يوم رحيل الإمام الخميني عام 1989 بعد عشر سنوات من انتصار الثورة الإسلامية وقيام جمهوريتها باستفتاء شعبي عام، حتى على إسمها وليس فقط على نظامها، مع فارق الدافع ما بين استفتاءين، بالأمس استفتاء عربون وفاء للخميني المخلّص، واليوم استفتاء ثأرٍ وانتقام للمؤسس، وهو استفتاء سياسي لم يدعُ إليه أحد، ولم يُدعَ إليه أحد، إستفتاء على الثورة، وعلى الدولة، وعلى الجمهورية، وعلى النظام، وعلى خياراته الإستراتيجية، وفوق ذلك كله هو انتخاب إختياري بلا انتخابات، وتصويت انتخابي حرّ بدون مقاعد، بدون تصويت ولا أصوات غير أصوات البكاء، والإحساس بذنب الجهل بخاصية المستشهد في سبيل الباكين، بذا تتحول شهادة القائد إلى مناسبة لاستفتاء على ثورة ثانية، إستفتاء على اليوم التالي، ويمسي دمه شهادة حُسن سلوك شعبية للنظام الذي شنّ ثنائي ترامب-نتنياهو حربهما لإزالته من الوجود، وإذا بالنتيجة هي هذا الوفاء، و”شعب لا يعرف الوفاء شعب لا يعرف التقدم”، كما يقول المثل التايلندي.
ومن التشييع المحلي من مدينة إلى مدينة، بما يعنيه ذلك من أبعاد وطنية، إلى التطواف في الإقليم، بما يُخرج الرمزية من محلّيتها، إلى حيّزها الإقليمي العابر للحدود، وهو ما قلّ نظيره، وندر مثيله، خصوصاً عندما يكون المُشَيَّع مرجعاً دينياً على مستوى أمة كالإمام الخامنئي، في بلدِ مرجعيةٍ دينيةٍ على مستوى الأمة أيضاً كالإمام السيد علي السيستاني، بالتقاطع مع وشائج القربى العراقية-الإيرانية على كافة الصعد، وما أرادت طهران أن توصله من رسائل الى العراق أولاً، والجوار العربي ثانياً، والإقليم الإسلامي ثالثاً، والأميركي الغربي رابعاً، والعالم كله خامساً، بأن إيران بعد الحرب ليست ايران ما قبلها، وأن عزلها في شرنقة جغرافيتها بات تاريخاً، وعلى هذا الأساس تُرتّب أوراقها، وعلى سواها مجاراتها وحذو حذوها في الخارطة العتيدة.
ومن أقلمة التشييع، إلى عالميته التي أريدَ لها أن تكون شاهداً على إحدى نتائج الحرب الأخيرة على إيران، فهي بدل أن تعزلها عن العالم جاءت بالعالم إليها، وهي بدل أن تبقيها في حال المحاصَر، جعلتها في وضع المحاصِر، وحوّلت طهران مدينة مفتوحة، لوفودٍ من 100 دولة و15 ألف مراسل من وسائل الإعلام الأجنبية والمحلية لتغطية تشييع نفذه 15 مليوناً بحسب “الفايننشال تايمز” البريطانية، (وهو بالمناسبة عدد سكان طهران)، ما جعلها “الجنازة الأضخم بالتاريخ”، وفق CNN الأميركية، في انسياب أمني مضبوط على إيقاع الأمن الإيراني المتعافي بعد اختراق قاتل دون حادثة تذكر.
إذن هو الطوفان السياسي المرتد أو الممتد من أو إلى “طوفان الأقصى” الذي أدى ضمن ما أدى إليه إلى “طوفان طهران” و”طوفان النجف” و”طوفان كربلاء” المليوني؛ طوفانات شكّلت أطرها الأربعة صورة عن شكل ايران في اليوم التالي، من خلال تقدّم العسكر طوفان التشييع، وتصدّرهم المشهد واضحٌ بأن ايران الغد هي الذين دافعوا عنها في الحرب الأخيرة، وصنوها هو هذا الشعب الذي واظب على المياومة في الشارع كجزء منها، وأن التشييع ليس نهاية رجل شجاع، بقدر ما هو استمرارية نظام شجاع نحو بداية أخرى تشي بأن ايران ذاهبة الى الثأر السياسي و”الشعب الذي لا يشعر بالحقد لا يمكنه أن يهزم عدواً همجياً”، على قول الثائر الأممي “تشي غيفارا” (1928-1967) ولهذا فإن رفع الأعلام الحمراء في جنازة الأيام السبعة، ترميز مقصود للثأر والإنتقام، لكنه لا يعني ولا يستلزم بالضرورة الدم، ولا مندوحة أن يكون بغيره، وأهل تلك البلاد ذوو باعٍ في اجتراح البدائل، لتخليد البطل، فـ”التاريخ يصنعه الأحياء، لكنه يُكتب بأقلام الموتى”، كما يقول “غاستون باشلار” (1884-1964) لكن ما ذنب التاريخ عندما لا يقرأ رجل الكاوبوي الأميركي “شاهنامه” الفردوسي (940-1025)، أو “ديوان حافظ” الشيرازي (1326-1390) وهو جهل أين منه جهل الثنائي الأميركي-الاسرائيلي بحقائق إيرانية أربع: الحضارة الايرانية؛ القوة العسكرية؛ المزاج الشعبي؛ وتماسك النظام السياسي، ألم تقل “جين فوندا” الأميركية نفسها: “لا أعرف كيف يمكن تسمية بلاد يجهل شعبها الواقع والتاريخ بلاداً حرة”؟
