يستحضر العقل ميلان كونديرا، الذي فهم أن أخطر ما يصيب الإنسان ليس الاستبداد وحده، بل اعتياده، وأن الضحك، حين يصبح آخر خط دفاع للعقل، يتحول إلى فعل مقاومة لا إلى مجرد تسلية. هنا يقترب الشبه أكثر، كلاهما أدرك أن خفة السخرية قد تحمل من الثقل ما لا تحمله المراثي الجادة. لكن كونديرا كتب من المنفى البعيد بلغة الغائب الذي يرى وطنه من خلال زجاج الذاكرة، أما زياد فبقي يكتب عن العطب الذي أصابنا وهو غارقٌ في الواقع حتى عنقه، لا كمن ينظر إليه من بعيد.
ويستحضر العقل برتولت بريشت، الذي رفض أن يترك الجمهور يذوب في الوهم المسرحي، فكسر «الجدار الرابع» عمدًا ليُذكّر المتفرج أن ما يراه صناعة، وأن عليه أن يفكر لا أن يتماهى فقط. وهنا يقترب الشبه كثيرًا. زياد أيضًا لم يكتب مسرحًا يُنسي الناس همومهم، بل مسرحاً يُشعل الأسئلة والقلق في منتصف الضحكة. لكن بريشت نظّر لمسرحه ببرودة المفكر، ووضع لتغريباته قواعد صارمة، أما زياد فكان «تغريبه» فوضى حيّة، ارتجالاً يعرف حدوده بالغريزة، أقرب إلى نكتة الشارع منه إلى أطروحة الصالون الفكري.
ويستحضر العقل أيضاً عازفي الجاز والبلوز، أولئك الذين حوّلوا الوجع والعبودية والفقر إلى نغمةٍ تنفلت من القاعدة، ترتجل، وتتنفس حريتها في كل انحراف عن السلّم المتوقع. فزياد كان يفعل بالموسيقى ما فعله هؤلاء بتراثهم. تركها تُعبّر بلغتها الخاصة، وسمح للارتجال العفوي أن يقول ما تعجز الجملة الموسيقية «المهذبة» و”المهندسة” عن قوله. لكن الجاز، في جوهره، احتفاء بالحرية الفردية المطلقة، وانعتاق من كل قيد جماعي، وزياد، برغم تمرده، ظلّ مشدوداً بحبل سرّي إلى الجماعة، إلى القضية، إلى الوطن الذي لم يكفّ عن مساءلته وحُبّه والسعي إلى أن يكون مختلفاً.
قد يذهب البعض إلى سلفادور دالي، بحثا عن ذلك الجنون الخلّاق الذي يكسر المألوف ويعيد تشكيل الواقع بعين مُحرّفة. لكن دالي فتّت الواقع ليصنع منه حلمًا يطفو فوق الزمن والمكان والالتزام، بينما فعل زياد العكس تماماً. أخذ الحلم الرحباني الذي ورثه؛ ذلك اللبنان الأسطوري المُغنّى، وحطّمه عمداً، ليعيد الواقع إلى مكانه، بكل قبحه وعدالته المؤجلة.
فلا سيد درويش يكفي وحده، ولا كونديرا يكتمل بمفرده، ولا بريشت يفي بكل التمرد، ولا الجاز يمنح كل الحرية المنشودة، ولا دالي باستعاراته المجنونة. زياد هو مزيجٌ نادرٌ وعصيٌ على القوالب. يملك من تشارلي تشابلن السخرية السوداء، ومن فيلا كوتي الشراسة السياسية، ومن ثيلونيوس مونك عبقرية النشاز، ومن الشيخ إمام انحيازه الفطري إلى الصنايعية والغلابة، وإيمانه بأن الموسيقى تستطيع أن تصبح ذاكرة حيّة لوجع الشارع العربي وأحلامه.
لم يكن نسخة عن أحد. كان، كما أحب نفسه، يسخر من كل تصنيف، من كل استثناء ويرفض أن يُختصر في مرآة واحدة.
***
في السادس والعشرين من تموز (يوليو) 2025، لم يتوقف قلب زياد الرحباني فحسب، بل انكسر ذلك الميزان الغريب الذي كان يلتقط اضطراب هذا الشرق، جنونه، هذيانه، طائفيته، عبثيته، ثم يصهرها في لحن، أو مسرحية، أو مقالة أو ضحكة مُرّة. لم يكن يلتقط هذا الاضطراب ليصف مرضنا فقط، بل ليمنعنا من الاعتياد عليه.
لم يكن يرى الواقع كما يراه الآخرون، بل كان يرى عوراته. يرى ما يختبئ خلف الشعارات، وما يتوارى وراء الخطب الرنانة، وما تستره الطوائف والأحزاب من تناقضاتها. لم يكن زياد يملك سلاحاً إلا الكلمة حين تشتعل، واللحن حين يفضح، والسخرية حين تصبح حقيقة جارحة إلى حدّ أنها لا تُقال إلا ضاحكة.
واليوم، بعد سنة من رحيله، لا يبدو أن الهذيان قد خفّ، بل يبدو أننا فقدنا الرجل الذي كان يمنحه اسماً وصوتاً ومرآة يرى فيها هذا الشرق وجهه الحقيقي. غاب العقل الذي اختار أن يعيش خارج الاصطفافات السهلة والأفكار الجاهزة.
ربما لم يكن زياد الرحباني استثناءً من هذا الشرق. كان يشبهنا في أحلامنا الصغيرة المنكسرة، وخيباتنا الكبيرة المتجددة. كان يشبه غضبنا وسخريتنا وآلامنا وأمالنا. غير أنه امتلك شجاعة نادرة بأن يقول بصوتٍ عالٍ ما كنا نهمس به. كان يُعيد إنتاج الواقع بسخريةٍ مؤلمة، حتى يغدو العبث مرآةً للحقيقة.
***
لم يُخفِ زياد يومًا انحيازه إلى الناس البسطاء، ولا انتماءه السياسي، فقد بقي شيوعياً معلناً، منخرطاً في الحزب حتى رمقه الأخير. لم يساوم على فكرته ولم يتنكر لها حين تخلّى عنها كثيرون بعد انهيار الحلم السوفياتي.
لكن التزامه لم يكن انصياعًا أعمى، فقد كان شديد النقد لما كان يسمّيه هو نفسه «اليسار الخلاسي»؛ أولئك الذين رأى أنهم أفرغوا القضية من معناها، وحوّلوا المواقف إلى حسابات وانتهازية في الشعارات والاصطفافات.
تأييده للمقاومة لم يمنعه يومًا من انتقادها حين رأى أنها تخطئ في خياراتها، فقد ظلّ وفيًا لحقه في النقد، بقدر وفائه لحقها في مقاومة الاحتلال.
وقد لامست شقيقته ريما الرحباني هذه الحقيقة بعمق حين كتبت أن شيوعيته لم تكن تنظيرًا ولا مجرد انتماءٍ حزبي، بل ممارسةً يومية عاشها في بساطة حياته، وفي علاقته بالناس، وفي وفائه لما آمن به. وكان ولاؤه الأخير للفكرة التي ناضل من أجلها، لا للشعارات حين تفقد روحها؛ لهذا بقي زياد عصيّا على الاحتواء.
وحين كان يُحوّل ضجيج هذا الشرق إلى موسيقى، لم يكن يُجمّل الفوضى، بل يكشف نظامها الخفي. كان البيانو، في يديه، أشبه بمختبرٍ تُعاد فيه صياغة الهزائم والخيبات والآمال في لغةٍ لا تحتاج إلى شعارات. وكانت النغمات تقول ما تعجز السياسة عن قوله، وما يؤجل التاريخ الاعتراف به.
أدرك زياد مبكراً أن أخطر ما في المأساة ليس وقوعها فحسب، بل أن يعتادها الناس، وأن يفقدوا دهشتهم أمام الدم والخطأ، حتى يغدو الخراب جزءاً من مشهد لا يثير الغضب ولا الثورة.
وعرف أيضاً أن المأساة الكبرى ليست في سقوط الأوطان، بل في اعتياد سقوطها، وأن أخطر ما يصيب الإنسان ليس الظلم وحده، بل التبلّد أمامه.
***
رحل زياد وهو يرى كثيراً مما حذّر منه يتحقق أمام عينيه. لم يكن اضطراب هذا الشرق، في نظره، مجرد ضجيج سياسي عابر، بل بنية كاملة من العبث، حيث يصبح القتل خبراً يومياً، والطائفية قدراً، والعدالة استثناءً، والإنسان مجرد رقم في مواجز ونشرات الأخبار.
لذلك لم تكن سخريته ترفاً فنياً، بل دفاعاً عن فكرة ما. كانت السخرية محاولة لتعرية الواقع. واقع السياسة والفن والمثقفين والطوائف واليسار واليمين. كانت مقاومة للسائد كله.
رحل زياد الرحباني تاركاً لنا النوتة معلّقة في الهواء، سائلاً إيّانا: «بالنسبة لبكرة.. شو؟»، وتركنا في خضم هذا “الفيلم الأميركي الطويل” نبحث عن إجابة لم تُكتب بعد.
رحل زياد، الشيوعي المثالي، الذي لم يخلع معطفه الفكري حين تلوّنت المعاطف، ولم يساوم على وجع الناس في سوق التسويات.
وسيظل السادس والعشرون من تموز (يوليو) أكثر من ذكرى عابرة. إنّه اليوم الذي نتذكر فيه أن هذا الشرق لم يفقد فناناً عظيماً فحسب، بل فقد ذلك الميزان النادر الذي كان يلتقط اضطرابه وهذيانه، ثم يُحوّله إلى ألحان تُعيد للحقيقة صوتها، وللعقل مكانه، وللالتزام صدقه.
