الرسالة الدمياطية.. والدور المصري

ربَّما لا يوجدُ في العالم وطنٌ محاصرٌ بالاحتلال والقوى الغاشمة، مثلما هي الحالُ في وطننا العربي. [هذا إذا ما كانت تسمية الوطن العربي ما زالت سارية المفعول]. العرب المتناحرون بحروب الداخل والخارج حتى الاندثار، تُحيط بأرضهم خمسة مسطحات مائية/نارية كبرى من جهات الجغرافيا الأربع، أهمُّها البحران المتوسط والأحمر، والمحيطان الأطلسي والهندي، وبحر العرب، ممرُّهم الإستراتيجي إلى شبه القارة الهندية، ومنها إلى شرق آسيا وجنوبها عند مضيق مَلَقَا. كلُّهم لا يستطيعون-والأرجح لا يُريدون-حماية سواحلهم من التغوُّل الاستعماري الأميركي والغربي-الأوروبي والإسرائيلي، باستثناء مصر.

مهما تبلغ الصعوباتُ الداخلية في أرض الكنانة التي فاق سكانها مئةَ مليونٍ، فإنَّ مصر، حتى اللحظة – وعسى أن تستمرَّ – حافظت على ثلاث ركائز:

الأولى؛ وحدة الدولة واستقلالها بوجه رياح التقسيم التي تضرب المنطقة.

الثانية؛ قوة الجيش وتجهيزه وتطوير الصناعات العسكرية.

الثالثة؛ الهدوء الإستراتيجي في أداء دورها السياسي والاقتصادي إقليمياً ودولياً في ظلِّ الحروب المشتعلة حولها من الماء إلى الماء.

هذا الاستثناء المصري، برغم قيود كامب ديفيد، لا تريدُه الولاياتُ المتحدة، وإن كانت علاقاتها جيدة مع القاهرة. ولا ترغب به إسرائيل بصورةٍ خاصة، ولا تريدُه أوروبا الغربية، التي ما زالت تعيش أوهامَ الاستعلاء النابليوني منذ القرن التاسع عشر، وأضغاثَ الغرور الإمبراطوري الإنكليزي، الذي لم ينسَ جرح طرده من مصر في عهد جمال عبد الناصر بعد نحو ثلاثة أرباع قرنٍ من الاحتلال. هذه القوى كلُّها، مع بعض العرب، تلتقي خلف الستار عند زوايا إستراتيجيةٍ متنوِّعة، لا تتقبَّلُ دوراً إستراتيجياً لمصر في الشرق الأوسط، أو في التقاطع الأفريقي – الآسيوي الذي يفرضه موقعها الجغرافي والتاريخي منذ قدامى المصريين حتى الآن.

مصرُ الشعب، الدولة، الدور والحضارة، خسرتْ من عمرها وتقدُّمها نحو نصف قرنٍ من الزمن، أي منذ كامب ديفيد، عندما خضع أنور السادات لخطط هنري كيسنجر وبرنارد لويس. وبرغم ذلك، لم تَنْجُ يوماً من الاستهداف الأميركي – الإسرائيلي، ولا الأوروبي – الغربي، ولا البعض العربي.

هذا المناخُ هو الذي أحاط بالعدوان بمسيَّرةٍ حارقةٍ على ميناء دمياط. وهو أهمُّ موانئ شمال مصر على ساحل المتوسط، ولا سيَّما في حركة تصدير الغاز، خصوصاً إلى أوروبا. نجحت مصر في إخماد الحريق، بخلاف توقعات المعتدين الذين أرادوا منه إشعالَ الداخل المصري، وتوجيه رسالةٍ أمنية وعسكرية وسياسية إلى كلِّ المصريين، لا إلى الدولة فحسب. وإذا كان صحيحاً أنَّ مصر لم تسارع إلى الاتهام، ولم تعلن عن الجهة التي بعثت بالمسيَّرة – وربَّما لا تعلن الآن، أو لن تعلن – فإنَّ الصحيح أيضاً هو أرجحيةُ أنَّ المخابرات العامة المصرية لديها المعلومات، فهذا الأمر ليس صعباً عليها. أمَّا الخيار السياسي المصري بعد العدوان المُتستِّر، فكان الاستمرارَ في الهدوء الإستراتيجي الذي اعتمدتْه مصر منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، فهي تعرف أنَّها مستهدفةٌ بحربٍ لا تختار هي توقيتها، وأنَّها محاطةٌ بالقلاقل الخطيرة من الجنوب في صراعات السودان (وسد النهضة)، ومن الغرب في توترات ليبيا، ومن الشرق في عدوانية الاحتلال الإسرائيلي وأطماعه، ومن الشمال في البحر المتوسط، كما حصل في دمياط.

إنَّ نظرةً خاطفة إلى خريطة المشرق العربي تجعلنا نرى أنَّ مصر هي وحدها التي ما زالت قادرةً على حفظ وحدة دولتها، وما زالت خارج ساحات القتال، وهي آخر حصنٍ عربي يمكنُ أن يُعوَّل على شعبه في المستقبل، ولهذا يُراد لها أن تتورَّط كي تخسر نفسها ودورها. وهذه هي بالضبط فحوى الرسالة الدمياطية، أياً تكن الجهة المباشرة التي تقف خلفها. ومن هنا تبرز ثلاث ملاحظات:

1- يُعَدُّ الاعتداء على ميناء دمياط تطوراً إستراتيجياً خطيراً، لا مجرد عمليةٍ أمنية.

2- يهدف العدوان إلى توسيع جبهات الاشتباك في المنطقة نحو البحر المتوسط لإشعال النار في مياهه شمال مصر، بما يوازي النار المشتعلة في البحر الأحمر، بما يهدِّد قناة السويس، ويساعد في الترويج لقناة “بن غوريون” الموازية التي تريدها واشنطن وتل أبيب.

3- ضرب ميناء دمياط يستهدف عرقلة التجارة المصرية عامةً، وتصدير الغاز خاصةً، وتوجيه دعوةٍ بالنار إلى إعادة البحث في توزيع خريطة الغاز، وممرات الطاقة في المنطقة، ولا سيما أنَّ هذا الميناء يتمتَّعُ بمواصفاتٍ جغرافية وتقنية أفضل من غيره على ساحل المتوسط.

الملاحظات الثلاث الآنفة تؤكِّد أن الهدف الكبير خلف مسيَّرة دمياط هو دور مصر في هذه المرحلة المصيرية التي تمرُّ بها منطقتنا، وإثارة التوترات في وضعها الداخلي الصعب اقتصادياً، ومحاولة جرِّها إلى الخروج عن هدوئها الإستراتيجي لتوريطها في الحروب، خصوصاً أنَّها لم تدخل في ما يُسمَّى بالاتفاقات الإبراهيمية، وأنَّ شعبها لم يتقبَّل التطبيع خلال نحو خمسين عاماً بعد كامب ديفيد.

إذاً، من له مصلحةٌ في رسالة دمياط؟

هنا تبرز الخفايا الأميركية والإسرائيلية، وهذا ليس غريباً. ولطالما ضرب الأميركيون والإسرائيليون أهدافاً تخصهم هم أنفسهم من أجل توريط الآخرين. وما زلنا نذكر فضيحة “لافون” عندما فجَّرت الاستخبارات الإسرائيلية منشآتٍ أميركية وبريطانية عام 1954 من أجل الإيقاع بين مصر والغرب.

ستكشف المرحلة المقبلة من هي الجهة التي تقف وراء مسيَّرة دمياط، لكن الأهداف الإستراتيجية المعادية مكشوفة من الآن.

 

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  بنت جبيل.. معركة المعنى قبل معركة الأرض
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  للتنمية العربية كلفتها العالية.. وهذا ما تتجاهله دُولنا!