“نورد ستريم”… هل يدفع ترامب الأوروبيين إلى التقارب أكثر مع روسيا؟

موقفان بالغا الرمزية حدّدا خلال الأيام القليلة الماضية ملامح تموضعات جديدة محتملة في العلاقات الشائكة بين أوروبا وروسيا من جهة، وبين أوروبا والولايات المتحدة من جهة ثانية. الأول جاء على لسان فلاديمير بوتين الذي طمأن الأوروبيين بشأن مسألة بالغة الحساسية بالنسبة إليهم: ضمان امدادات الطاقة؛ والثاني اتى على لسان برلماني الماني بارز توعّد بـ"رد مناسب" على أي إجراء أميركي محتمل لتقويض خط الأنابيب "نوردستريم" الذي تقترب روسيا من تدشينه بعد تجاوز الكثير من العقبات.

خلال طاولة مستديرة أقيمت في مقر إقامته “بوشاروف روتشي” في سوتشي قبل أيام، بعث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالكثير من الرسائل الايجابية لضيوفه، وهم ممثلو أكثر من 20 شركة ومؤسسة اقتصادية ألمانية، أبرزهم رئيس شركة “نوردستريم 2” ماثياس فارنيغ ورئيس شركة “سيمنز” جو كايسر.

بعد عبارات الترحيب والمزاح باللغة الألمانية، التي يتقنها بحكم عمله في ألمانيا الشرقية خلال حقبة الـ”كا جي بي”، ألقى بوتين على ضيوفه ما ينتظرون سماعه بالفعل: ألمانيا هي واحدة من أهم الشركاء الاقتصاديين لروسيا، الاستثمارات الألمانية في الاقتصاد الروسي تتجاوز حالياً 20 مليار دولار ، الاستثمارات الروسية في الاقتصاد الألماني تصل إلى ما يقرب من 10 مليارات دولار،  هناك حوالي 5 آلاف شركة برأس مال ألماني في روسيا بإجمالي مبيعات يصل الى 50 مليار دولار، وبالتالي فإن المانيا تحتل المركز الثاني بين شركاء التجارة الخارجية لروسيا بعد الصين… رغم أنها كانت “للأسف” تحتل المرتبة الأولى قبل أعوام.

علاوة على ما سبق، حرص بوتين على تقديم “دعاية” ضرورية لجذب قطاع الأعمال الألماني، حين أشار إلى أن استقرار الاقتصاد الكلي في روسيا مكفول، موضحاً أنه خلال العام الماضي، زاد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.3 في المئة، ودينامياته الايجابية مستمرة برغم التراجع المتوقع خلال العام الحالي، ومتطرقاً الى مؤشرات أخرى من بينها نمو الإنتاج الصناعي بواقع 3 في المئة في العام الماضي، وانخفاض مستويي البطالة (4.6 في المئة) والتضخم (3.6 في المئة) إلى الحد الأدنى التاريخي، بجانب تذكيره بالسياسات المتصلة بإزالة الحواجز الإدارية وضمان العبء الضريبي الأمثل لقطاع الأعمال، وإنشاء مناطق اقتصادية وأخرى خاصة بالتنمية المتسارعة في المناطق الروسية حيث يتلقى المستثمرون الكثير من الفوائد التي يمكن أن تقلل تكاليف رأس المال بشكل كبير.

بعد تقديم الإحصاءات، انتقل فلاديمير بوتين إلى الموضوع الذي يثير دوماً قلق ممثلي الدول الأوروبية، وهو إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا. مُجدداً بعث بوتين برسائل تطمين ليست الاولى من نوعها: خط أنابيب “نوردستريم 2” بات على وشك الانتهاء، وسيؤدي تشغيله إلى إلى مضاعفة كميات الإمدادات المحتملة من الغاز الروسي على طول طريق البلطيق.

هذا التطمين امتد إلى ملف آخر ذي صلة، حيث أشار الرئيس الروسي إلى أنه “حتى لا تكون هناك تفسيرات مغايرة لما سبق أن أكدته مرّات عديدة، أريد أن أقول مرة أخرى: هذا لا يعني على الإطلاق أن روسيا تعتزم وقف عبور الغاز عبر أراضي أوكرانيا، فالقضية ليست مسألة أرض، بل سؤال يتصل بالجدوى الاقتصادية”، لافتاً إلى أن ثمة مفاوضات روسية- أوكرانية نشطة حول هذه القضية، من المتوقع أن تؤتي ثمارها.

تزامناً مع هذه التصريحات، كانت رسالة من نوع آخر حول التعاون الروسي-الأوروبي في مجال الغاز تتردد أصداؤها في “البوندستاغ”: رئيس لجنة الاقتصاد والطاقة في البرلمان الألماني كلاوس ارنست حذر من أنه “إذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات على (نوردستريم 2)، فإنّ ألمانيا سترد”.

بحسب البرلماني الألماني “لا ينبغي أن يشعر الأميركيون بالقلق إزاء كيفية صياغة برلين لسياسة الطاقة”، موضحاً أنه “كأحد خيارات التدابير المضادة، يمكن زيادة الرسوم المفروضة على الغاز الأميركي المستورد”.

امتداداً لملف الغاز، بدا موقف ارنست أقرب إلى الموقف الروسي في ما يتعلق بأوكرانيا: “ما زالت كييف تتلقى دعماً سياسياً ومالياً كبيراً من الاتحاد الأوروبي، ولكنها في الوقت نفسه تؤيد العقوبات الأميركية التي تقوّض سياسة الطاقة لدينا. وبالتالي، فإن ثمة حاجة إلى السؤال عما إذا كانت ثمة حاجة لتقديم إلى مزيد من المساعدة إلى أوكرانيا”.

يعود أساس الموقف الألماني إلى الخطط التي تجري مناقشتها في الولايات المتحدة أمام تقدّم مشروع “نوردستريم”، والتي تبدو أقرب إلى سباق مع الوقت قبل أن يصبح الأنبوب الروسي-الالماني أمراً واقعاً.

قبل أسابيع، صرّح رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، جيم ريتش بأن الولايات المتحدة “باتت لديها فرص أقل وأقل لوقف (نوردستريم 2)، حيث أن معظم الأنابيب قد تم بناؤها بالفعل”، وبالتالي فإن “الفرصة الاخيرة تبقى الضغط على الشركات الأوروبية” للانسحاب من المشروع.

لفهم أسباب الاندفاعة الأوروبية والريبة الأميركية تجاه “نوردستريم” يكفي النظر إلى طبيعة المشروع، لجهة كونه خط أنابيب يمتد على طول قاع بحر البلطيق، ما يوفر الكثير من المزايا لكل الأطراف الشريكة فيه، برغم تكلفته العالية.

وبالنسبة إلى روسيا، يقلل الخط البحري من مخاطر اختلاس الغاز، الذي اتهمت أوكرانيا به قبل أعوام. اما بالنسبة إلى الأوروبيين فهو يعد طريقاً أكثر أماناً للحصول على الامدادات من روسيا حتى في وقت الأزمات الكبرى، لا سيما المتصل منها الصراع الروسي-الأوكراني، كما حدث حين تم اغلاق الصمام (مؤقتاً) في كانون الثاني/يناير العام 2016 بعد تعثر المفاوضات بين موسكو وكييف بشأن اتفاقيات العبور.

في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى خط الأنابيب الجديد من منطلق أنه سيوفر للغاز الروسي منفذاً بعيداً عن الضغوط الجيوسياسية، وتحديداً تلك الآتية من البوابة الاوكرانية، علاوة على طابعه الاستراتيجي المتصل بتمتين العلاقات الروسية-الأوروبية، حيث تشكل امدادات الطاقة عنصراً اساسياً لبراغماتية سياسية بين الجانبين.

“نورد ستريم” سيحرر امدادات الغاز الروسية من الضغوط الجيوسياسية

وتتبدى هذه البراغماتية في أن الكثير من الدول الأوروبية تجاوزت الخلافات السياسية مع روسيا، وانخرطت مباشرةً في المشروع الطموح.

على رأس هذه الدول تأتي ألمانيا والنمسا، اللتان سئمتا من بلدان العبور غير المستقرة، وتسعيان للعب دور رائد في قطاع الطاقة الأوروبي، بما في ذلك قضايا التسعير.

كذلك وافقت كل من هولندا وفرنسا وجمهورية التشيك وسويسرا على المشاركة في “نوردستريم” من خلال الشركات المتعاقدة التابعة لها.

ومع ذلك، فقد واجه المشروع بعض المعوقات الأوروبية بخلفيات متعددة، سواء من دول مثل أوكرانيا وبولندا لأسباب سياسية متصلة بعلاقاتهما القوية بالولايات المتحدة، بجانب العامل الاقتصادي المتمثل في خشيتهما من تضاؤل دورهما كدولتي عبور، أو من دول مثل السويد والدنمارك اللتين تذرعتا بأسباب “بيئية”، وإن كان كثيرون يرونها غطاءً لاعتبارات سياسية.

وعلى سبيل المثال، فقد رفضت الدنمارك في البداية السماح بمرور الأنابيب عبر المنطقة الاقتصادية الخاصة لها بسبب عدم ملاءمة المشروع مع المعايير البيئية، ولكن البعض نظر الى الأمر باعتباره حرصاً من جانب كوبنهاغن على عدم إلحاق الضرر بالعلاقات مع واشنطن.

ومع تبدي الإصرار الروسي على استكمال المشروع من خلال خطط بديلة طرحها المهندسون الروس لتجاوز الدنمارك، سارعت الأخيرة الى تبديل رأيها بشكل غير متوقع، لتوافق مؤخراً على تمرير 147 كيلومتر من “نورد ستريم” في جنوب شرق جزيرة بورنهولم.

مع ذلك، لم تتخلَّ الولايات المتحدة عن جهودها لإحباط المشروع، فالرئيس الاميركي دونالد ترامب، وفور وصوله الى البيت الابيض قبل ثلاث سنوات، اتخذ قراراً بتزويد السوق الأوروبية بالغاز الأميركي المسال والذي يمكن نقله بواسطة ناقلات.

ولكن بالنظر إلى الكلفة العالية للغاز الاميركي، لم يكن هذا العرض جذاباً للمشترين الأوروبيين، وهو ما دفع ترامب لاعتماد سياسة العصا والجزرة مع أوروبا، سواء بالتحذير من مخاطر الاعتماد الكامل على الغاز الروسي، أو من  خلال الضغط المباشر، حين هدّد بفرض عقوبات على الشركات المنخرطة في “نوردستريم”.

كان ذلك كافياً لاندلاع حرب تجارية حقيقية بين الحلفاء، بدأت حين اتهمت واشنطن بروكسل بعمليات تلاعب غير قانونية بالعملات والدخول في صفقات تجارية سيئة، وفرضت بالتالي رسوم استيراد بنسبة 25 في المئة على الصلب و 10 في المئة على الألومنيوم المصنعين أوروبياً، في إجراء رد عليه الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم على 200 سلعة أميركية.

وبالرغم من أن الجانبين تمكنا من حل النزاع، إلا أن عقدة “نوردستريم” ظلت قائمة، وقد تشكل عنواناً لنزاع اقتصادي جديد على خط واشنطن-بروكسيل، لا سيما بعد إقرار مجلس الشيوخ الأميركي قانون العقوبات على الشركات المنخرطة في المشروع الروسي-الألماني، والذي لا يزال ترامب متردداً في التوقيع عليه، بعد تلويح الاتحاد الأوروبي برد مناسب.

يتساءل بعض الاوروبيين عن سبب الاعتماد على أميركا طالما أن البديل الروسي موجود

ويبدو أن السلوك الاميركي قد بدأ يثير رد فعل قوياً في الرأي العام الأوروبي، حيث تكثر التساؤلات عن سبب شراء أوروبا الغاز المسال من الولايات المتحدة طالما أن الغاز الروسي متاح، وهو ما أشارت إليه على سبيل المثال صحيفة “هاندلسبلات” الاقتصادية الالمانية، التي لفتت الى أن الأمر لا يتعلق بالكلفة المباشرة فحسب، حيث الغاز الروسي أرخص من الغاز الأميركي بواقع 25 في المئة، ولكن لأن استيراد الغاز من الولايات المتحدة يتطلب انفاق اموال اضافية على بناء محطات جديدة لهذا الغرض، لتخلص الى السؤال: “لماذا كل ذلك طالما أن ثمة بديل أفضل – نوردستريم 2؟”.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تتخلى ألمانيا عن الغاز الأميركي المسال، ذلك أن فكرة تنويع مصادر الطاقة تبقى الهم الشاغل للأوروبيين منذ عشر سنوات على الأقل، وبالتالي فإن الاتحاد الأوروبي يبدو أكثر انفتاحاً على مقاربة تقوم على الدفع باتجاه اتمام “نوردستريم” من جهة (يتوقع أن يبدأ الضخ في صيف العام 2020)، مع تقديم بعض التنازلات للولايات المتحدة من جهة ثانية تجنباً لحرب تجارية، ولا سيما لجهة زيادة حصة الغاز الأميركي في السوق الأوروبية.

لكن الأمر قد لا يكون بهذه البساطة في حال قرر دونالد ترامب الذهاب بعيداً في المواجهة، حينها قد يصبح للأصوات المشككة بالشريك الأميركي والمنفتحة على تعاون أوثق مع روسيا صدى مدوياً في دوائر صنع القرار الأوروبي.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course