“بعد ستة أشهر على الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، والتي أطلقت شرارة صراع هزّ أسواق الطاقة وعطّل حركة الشحن العالمية، لا تزال المواجهة بلا نهاية واضحة. ومع أن القدرات العسكرية الإيرانية تعرضت لأضرار كبيرة، فإن طهران لا تزال تحتفظ بورقة ضغط مهمة في مضيق هرمز.
ويرى خبراء من اتجاهات مختلفة ضمن أوساط صنع السياسات في واشنطن، أن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق أربعة أسئلة رئيسية: إلى متى تستطيع إيران تحمل الضغوط الاقتصادية؟ وهل يمكن للدبلوماسية تحويل المكاسب العسكرية إلى تسوية دائمة؟ وماذا سيحدث في مضيق هرمز؟ وهل ستساعد روسيا والصين طهران على إعادة بناء قدراتها؟
هجوم اقتصادي
يصف نائب الأميرال المتقاعد روبرت هاروارد، النائب السابق لقائد القيادة المركزية الأميركية، الوضع الراهن بأنه «حالة مستقرة»، لكنه يرى أن الوقت بدأ يضغط على طهران. ويقول: «الوقت هو مشكلتهم الأكبر»، ويعتبر أن استمرار الضغوط الاقتصادية يمكن أن يتحول في نهاية المطاف إلى تهديد داخلي للحكومة الإيرانية.
وكانت القضايا المعيشية قد أشعلت التظاهرات الجماهيرية في كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير، والتي لم تتمكن السلطات من إخمادها إلا باستخدام قوة شديدة أسفرت عن مقتل آلاف المحتجين.
وهذه هي الزاوية التي بدأت واشنطن تقدم من خلالها الصراع حالياً، إذ أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في 24 آب/أغسطس، ما وصفه بـ«هجوم اقتصادي» يتضمن إجراءات ترمي إلى زيادة عزلة إيران. ومن المقرر أن يضغط بيسنت على وزراء مالية مجموعة العشرين في هذا الاتجاه خلال اجتماعاتهم في آشفيل بولاية نورث كارولاينا، في 31 آب/أغسطس والأول من أيلول/سبتمبر.
وتحتل الصين موقعاً مركزياً في هذه الحسابات.
وقالت إيلين ديزنسكي، رئيسة مركز القوة الاقتصادية والمالية في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات، إن العلاقات الاقتصادية بين الصين وإيران مهمة، لكنها لا ترقى إلى مستوى التحالف بالمفهوم التقليدي، وأوضحت أن نحو 80 في المئة من صادرات النفط الإيراني تتجه إلى الصين، لكن النفط الإيراني لا يمثل سوى نحو 12 إلى 13 في المئة من إجمالي واردات الصين من النفط الخام.
وقالت ديزنسكي: «إذا أوقفت الصين مشترياتها من النفط الإيراني… فسيكون لذلك تأثير هائل». غير أن بكين قاومت، حتى الآن، الضغوط الأميركية المتعلقة بعلاقاتها التجارية مع طهران.
ولهذه القضية أيضاً بُعد مالي طويل الأمد، إذ إن بيع النفط الإيراني باليوان وتسوية المدفوعات عبر أنظمة تقع خارج شبكة الدولار الأميركي يمكن أن يساهما في تعزيز بنية مالية بديلة.
وقالت ديزنسكي إن «الطريقة التي تنفذ بها إيران هذه المعاملات، والطريقة التي تدعم بها الصين هذه المعاملات، تمثلان محاولة فعلية لتقويض دور الدولار الأميركي في سوق الطاقة العالمية».
هل يمكن إحياء الدبلوماسية؟
مع أن خيار القيام بعمل عسكري إضافي لم يُستبعد، فقد ألمح مسؤولون إلى أن العمليات العسكرية ربما بلغت حدود فعاليتها؛ وبعبارة أخرى، لم يعد هناك الكثير من الأهداف المتبقية التي يمكن ضربها.
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد قال في حزيران/يونيو إن القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية تعرضت لـ«دمار هائل»، مع تآكل تراوح بين 80 و90 في المئة من قدراتها. وقال الرئيس دونالد ترامب في البداية إن 90 في المئة من الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها دُمّرت، قبل أن يقدم لاحقاً تقديراً يبلغ 82 في المئة. كما كرر مراراً أن القوة البحرية الإيرانية قد دُمّرت.
ومع ذلك، أثبت ما تبقى من القدرات الإيرانية قدرة عنيدة على منع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وبالنسبة إلى برادلي بومان، المدير الأول لمركز القوة العسكرية والسياسية في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات: «واجهت أميركا باستمرار صعوبة في الشرق الأوسط في تحويل النجاح في ساحة المعركة إلى نتائج سياسية إيجابية ومستدامة. غالباً ما ننتصر في ساحة المعركة ونخسر على طاولة المفاوضات». ويرى أن أي تحول سياسي مستدام في إيران سيتطلب تحركاً حاسماً من الإيرانيين أنفسهم، مضيفاً أن واشنطن لا تمتلك الإرادة السياسية لإرسال «آلاف وآلاف» الجنود إلى إيران وتحمل الخسائر البشرية التي ستترتب على عملية من هذا النوع.
ويقول بومان أيضاً إن الحرب أظهرت حجم استهلاك الولايات المتحدة من الأسلحة والذخائر، وأثارت تساؤلات بشأن الكميات المتاحة من الذخائر الهجومية والدفاعية التي قد تحتاج إليها واشنطن في مسارح عمليات محتملة أخرى.
وفي المقابل، تصدر عن إيران إشارات متناقضة؛ فبعض الأطراف، وبينها الحرس الثوري، لا تبدو مستعجلة للمضي قدماً في المفاوضات قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر. في المقابل، تحدث عدد من الشخصيات البارزة داخل المؤسسة الحاكمة الدينية، مراراً في الآونة الأخيرة، عن وطأة الأزمة الاقتصادية وأهمية إحياء المسار الدبلوماسي.
هرمز: ورقة الضغط الإيرانية الأهم
بالنسبة إلى جودت بهجت، أستاذ شؤون الأمن القومي في مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة الدفاع الوطني، ربما يكون أهم تطور خلال الأشهر الستة الماضية هو تحوّل مضيق هرمز إلى أداة المساومة الرئيسية المتبقية في يد إيران، ويقول: «حتى لو جرى توقيع اتفاق موقت، فسيبقى موقتاً، لكنهم سيواصلون في المستقبل التهديد بإغلاق المضيق».
ويمر عبر هذا الممر المائي، في الظروف التقليدية، نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال وغيرهما من السلع الحيوية في العالم. وقد تحول ذلك أيضاً إلى مصدر ضغط اقتصادي على الولايات المتحدة، مع تسبب اضطراب الأسواق العالمية بارتفاع أسعار البنزين.
ولا يتجاوز عرض المضيق نحو 39 كيلومتراً في أضيق نقطة منه. وتطالب كل من إيران وعُمان بالحد الأقصى المسموح به للمياه الإقليمية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، أي 22.2 كيلومتراً، ما يعني عدم وجود مياه دولية في تلك المنطقة.
ومن المفترض أن تضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حق المرور العابر للسفن التجارية وتحظر حصارها. غير أن طهران لم تصادق على الاتفاقية وتقول إنها غير ملزمة بها. كما أن الولايات المتحدة لم تصادق عليها بدورها.
ويرى بهجت أن دول الخليج قد تضغط، في نهاية المطاف، من أجل التوصل إلى ترتيب يعيد الاستقرار، حتى لو أدى ذلك إلى تكريس دور إيراني معين في المضيق، ذلك أن الأولوية بالنسبة إليها هي استعادة الاستقرار الاقتصادي.
أما السؤال الأكثر صعوبة فهو ما إذا كانت واشنطن تستطيع القبول بشكل من أشكال السيطرة الإيرانية أو بحصول إيران على منفعة اقتصادية من هذا الممر المائي.
ويرى بومان أن القضية الحاسمة تتمثل في ما إذا كان قباطنة السفن التجارية وشركات التأمين يعتبرون هذا الطريق آمناً.
وبالتالي، لا تحتاج إيران بالضرورة إلى إغلاق مضيق هرمز بالكامل. فالهجمات الصاروخية أو بالطائرات المسيّرة، حتى لو كانت متقطعة، يمكن أن ترفع تكاليف التأمين وتردع شركات الشحن، فيما تستطيع الهجمات على البنية التحتية في دول الخليج توليد ضغوط إضافية على الدول التي تتعاون مع واشنطن.
وقال بومان: «هذا يحوّل شركاءنا العرب فعلياً إلى أدوات للضغط الذي تمارسه إيران على واشنطن».
يد العون الروسية والصينية لإيران
يتمثل سؤال رئيسي آخر في مدى قدرة شركاء إيران الخارجيين على مساعدتها في إعادة بناء قدراتها.
هنا يُشير بومان إلى شحنات صينية من السلائف الكيميائية، وإلى معلومات روسية متعلقة بتحديد الأهداف ودعم الطائرات المسيّرة، باعتبارها أدلة على تنامي المساعدات. ويقول إن موسكو تدرس احتمال تسليم إيران مقاتلات «سوخوي سو-35»، فيما يمكن لبكين الانتقال من توفير المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى توريد أسلحة وذخائر مكتملة الصنع.
ويضيف أن مستقبل هذا الدعم سيتوقف إلى حد بعيد على تقديرات بكين وموسكو لطبيعة الرد الأميركي المحتمل.
ويقول بومان: «الشيء الأول الذي تخشاه الصين هو العقوبات الثانوية التي تفرضها الولايات المتحدة». وقد ألمح إعلان بيسنت إلى إمكانية اللجوء إلى هذه العقوبات، غير أنها تنطوي أيضاً على خطر رد صيني مضاد، ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى تستعد واشنطن لتصعيد ضغوطها من هذا النوع.
ويرى بومان أن تعافي القدرات العسكرية الإيرانية لا يمكن فصله عن شبكة الدعم الأوسع التي تقف خلف طهران.
وكانت دراسة أشرف عليها بومان قد وثّقت 616 واقعة من وقائع التعاون الأمني بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير 2019 إلى كانون الأول/ديسمبر 2025، شملت مجالات من بينها تطوير الأسلحة ونقلها، والمناورات العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والدبلوماسية العسكرية.
(*) ترجمة بتصرف؛ راجع النص الأصلي بالانجليزية على موقع “أوراسيا ريفيو”.
