باكستان بين إيران والهند.. لعبة المحاور في زمن الحرب

خلال الأسبوع الماضي، برزت باكستان كوسيط في الحرب التي تشنها أميركا وإسرائيل على إيران، وهذه هي المرة الأولى التي تلعب فيها باكستان دورًا بهذا الحجم في قلب الخليج العربي. السؤال: هل هذا الدور مدفوع باتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان التي تنص على التزام كلا البلدين بالتعامل مع أي عدوان ضد أحدهما بوصفه عدوانًا ضد البلدين، مع التذكير بأنّ إسلام آباد التزمت الصمت عندما انهالت الصواريخ والطائرات المسيّرة على حليفتها الرياض التي لم تستنجد علناً بحليفتها الآسيوية.

من أجل محاولة فهم تحركات إسلام آباد الحالية على خط الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، لا بد من النظر إلى ما هو أبعد من المشهد الذي رسمه دونالد ترامب ومشهدية تبادل الصواريخ والقنابل.

ثمة ثلاثة عناصر تحدد الجغرافيا السياسية الباكستانية، أولها الجغرافيا؛ ثانيها الدين؛ ثالثها الهند الخصم التاريخي اللدود.
جغرافيًا، تقع باكستان بعيدًا عن شبه الجزيرة العربية، لكنها تشترك في حدود برية مع إيران بطول 930 كيلومترًا، كما تطل على بحر العرب عند مدخل مضيق هرمز.

دينيًا، يعيش قسم من شعب البلوش في باكستان (يُقدَّر بنحو 40 مليون نسمة من أصل 250 مليونًا) في مناطقهم القريبة من الحدود مع إيران، كما تسعى حركة تاريخية إلى توحيد البلوش الإيرانيين مع البلوش الباكستانيين لإنشاء دولة موحدة تضم جميع البلوش. وتضم باكستان ثاني أكبر عدد من الشيعة (أكثر من 25 مليونًا) في العالم بعد إيران، وهو ما يشكّل أحد عوامل كبح قرار إسلام آباد.

بدورها، تُعزّز الهند علاقاتها مع إسرائيل، وتقترح مشروع الممر الاقتصادي («طريق التوابل») بين الهند ودول الخليج والشرق الأوسط وأوروبا. الممر عبارة عن مبادرة أطلقتها الولايات المتحدة في مواجهة الصين وكبح توسعها في منطقة حيوية للمصالح الأميركية، وذلك من خلال تجاوز باكستان، الدولة القريبة والمقربة من الصين. سيربط مشروع الممر الهندي الطموح دولًا مثل فييتنام وتايلاند وميانمار وبنغلاديش بخطوط سكك حديدية، ويمكن استخدام هذه الخطوط عبر الهند لنقل البضائع إلى أوروبا عبر ميناء موندرا.

ولا يقتصر مشروع «طريق التوابل» الجديد على تجاوز باكستان فحسب، بل يتجاوز أيضًا مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، الحليف المقرب من إسلام آباد.

ويثير “الممر الهندي” قلق تركيا أيضًا. فقد انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المشروع، متهمًا إياه بتجاوز تركيا، واقترح مسارًا بديلًا: «مشروع ممر التنمية العراقي». يهدف هذا المشروع إلى ربط الخليج العربي بأوروبا عبر السكك الحديدية والطرق البرية مرورًا بالموانئ العراقية، ولا سيما ميناء الفاو الكبير وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا.

وهكذا نرى تحالفًا يضم الولايات المتحدة وإسرائيل والهند من جهة، وباكستان وتركيا والسعودية من جهة أخرى… بينما تحاول إيران الاستفادة من هذا التوازن المركّب. وهنا يبرز دور مصر، التي بذلت جهودًا حثيثة خلال الأسبوع الماضي للحد من تداعيات الصراع في منطقة الخليج. ونرى أن إسلام آباد باتت على وشك المساهمة في تشكيل محور إسلامي سني إقليمي مهم مع الثلاثي السعودي–التركي–المصري.. وحتماً سيكون له ممره العراقي السوري.

ولا يمكن وضع هكذا محور إسلامي سني إلا في خانة الرد على تنبؤات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل شهرين، حين تحدث عن تحولات جيوسياسية في سياق الحرب ضد إيران. وقد أكد بشكل خاص أن الهند والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل شكّلت محورًا قويًا وموحدًا لمواجهة الكتلة الإسلامية التي كانت إسلام آباد تسعى لتشكيلها.

علاوة على ذلك، لم يكن أحد يتوقع أن تتحالف باكستان مع إسرائيل والولايات المتحدة ضد دولة مسلمة مجاورة بحجم إيران، بغض النظر عن أي اتفاقيات قد تكون وقعتها مع السعودية أو غيرها من الدول، نظرًا للمخاطر التي قد يشكلها ذلك على أمنها القومي.

لكن في الواقع، بعد أسبوع واحد فقط من بدء الحرب على إيران، أقدم الجنرال «عاصم منير»، رئيس أركان الجيش الباكستاني وزعيمها الفعلي (استقبله ترامب في البيت الأبيض وأثنى عليه كثيراً)، على خطوة غير مألوفة تمثلت في استدعاء أبرز رجال الدين الشيعة في البلاد وأمرهم بالتزام الصمت، محذرًا إياهم من أي دعم لإيران. غير أنّهم، ما إن غادروا الاجتماع، حتى أعلنوا دعمهم لطهران، مسلطين الضوء على مخاطر أي مواجهة باكستانية، ولو غير مباشرة، مع إيران. وكان لافتاً للانتباه أن طهران تعمدت مكافأة إسلام آباد على مواقفها المتوازنة، وذلك بالسماح لعدة ناقلات نفط بالمرور في أعقاب السماح لناقلات ثلاث إلى إندونيسيا (دولة إسلامية كبرى أيضًا).

ويسعى الباكستانيون إلى استغلال الحرب ضد إيران لعقد تحالفات في مواجهة الهند وحليفتها إسرائيل. ولا شك أن صعود القوى الإسلامية في محيط باكستان له دلالة بالغة، إذ يهدف إلى إرساء توازن قوى في مواجهة الهند وإسرائيل.

وفي باكستان، يُعرب المسلمون السنة أيضًا عن دعمهم لإيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة. وهذا ما يُفسّر توجه زعماء القبائل البشتونية (الذين يبلغ عددهم نحو 40 مليون نسمة في باكستان) إلى القنصلية الإيرانية في بيشاور، في بادرة تضامنية مع إيران. وقال هؤلاء للقنصل الإيراني: “إذا أعطيتمونا الأمر، فإن ملايين البشتون مستعدون للجهاد إلى جانب إيران ضد الكيان الصهيوني”.

إقرأ على موقع 180  حي الشيخ جرّاح أضعفنا.. لكنه حامينا وحارسنا الأخير

يقودنا ذلك للقول إن باكستان، بامتلاكها القنبلة النووية، وتركيا، العضو في حلف “الناتو” والتي تمتلك صناعة أسلحة متطورة للغاية، مدعومتين بالموارد المالية السعودية، ليس من مصلحتهما كدولتين إسلاميتين سنيتين السماح بتمرير رؤية نتنياهو لما يُسمى “الشرق الأوسط الجديد”، وهي رؤية توسعية لم تستثنِ حتى السعودية في بعض الأطروحات الإسرائيلية. وتلتقي باكستان مع تركيا ومصر بأن نتنياهو لن يسمح باستقرار دول إسلامية قوية مثل هذه الدول، وثمة من يذهب أبعد من ذلك بالتحذير من أن خطة نتنياهو الأصلية ما بعد اسقاط النظام الإيراني هي التفرغ لهذه الدول الثلاث لإضعافها وإخضاعها لمشروع “إسرائيل الكبرى”. هذه الفرضية حاول وزير الدفاع التركي يشار غولر دحضها بقوله إن هذا الخطر “ضئيلٌ جدًا”، مع أنه لم يستبعد التصعيد بين أنقرة وتل أبيب، ولذلك أكد على إنشاء قنوات اتصال بين الجانبين. لكن الوزير غولر لم يتردد في القول: “نحن نرفض الهجمات التي تشنها حكومة نتنياهو على الدول المجاورة”، وأضاف: “من المعروف أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط قد أثر بشدة على العلاقات بين تركيا وإسرائيل في السنوات الأخيرة”.

وإذا كانت دول مثل تركيا ومصر وباكستان تحاول لعب دور الوسيط في حرب لم تقترب من حدودها للأسبوع الخامس على التوالي، فما هي مصلحة السعودية في المشاركة في اجتماع إسلام آباد؟

يقول دبلوماسيون عرب إن السعودية شاركت في اجتماع إسلام آباد ليس كوسيط ديبلوماسي، بل كدولة لديها مصلحة مباشرة في منع انفجار إقليمي شامل، وهذا لسان حالها في كل الفترة الماضية، حتى عندما زار وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان واشنطن في شهر شباط/فبراير الماضي، أبلغ الإدارة الأميركية أن الرياض لا تشجع على خوض أي معركة ستكون نتيجتها جعل النظام الإيراني أقوى من أي وقت مضى، بينما مصلحتها تكمن في توطيد ركائز الإستقرار الإقليمي حماية لأمنها القومي ونفطها ومصالحها ورؤيتها، وهذا لسان حالها منذ توقيع “اتفاقية بكين” في مطلع العام 2023.

وماذا عن “اتفاقيات أبراهام” الشهيرة؟

في العام 2024، أكدت السعودية أنها لن تعترف بإسرائيل من دون الإقرار بقيام دولة فلسطينية، وأدانت بشدة “جرائم الاحتلال الإسرائيلي” ضد الشعب الفلسطيني. وفي بيان له، صرّح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قائلًا: “لن تتوقف المملكة عن العمل الدؤوب من أجل إقامة دولة فلسطينية…”، في إشارة إلى شروط الاندماج في “اتفاقيات أبراهام”.

والآن، وبعد أن زجّت إسرائيل بالسعودية (وترامب، مُروّج هذه الاتفاقيات) في الصراع، لن يكون الحديث عن التطبيع السعودي الإسرائيلي سهلاً كما يعتقد كثيرون. من هنا ينبغي تفسير تصريحات ترامب غير اللائقة تجاه بن سلمان كدليل على تضاؤل فرص التوصل إلى أي اتفاق. وعلاوة على ذلك، في اليوم السابق لتصريحات ترامب التي تجرّأ فيها لفظيًا على ولي العهد السعودي، نفت الرياض دعوتها إلى استمرار الحرب، بعكس ما تُصرّح به الإمارات في العلن أو من تحت الطاولة.

(*) بالتزامن مع “أخباربووم

Print Friendly, PDF & Email
بسام خالد الطيّارة

كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": هل تحتمل إيران عواقب تأجيل الإتفاق النووى؟