الصين: تشي وتوازنات القيادة.. الحريات والأقليات (4/4)

في الحلقة الأولى، عرضنا لعناصر قوة وضعف الصين على مشارف العام 2020. في الحلقة الثانية، عرضنا للموقع الجيوستراتيجي لدولة كبرى حيث يشي تاريخ الامبرطورية الصينية بإرتباطها بوسط آسيا الذي هو البعد الطبيعي لتمددها. في الحلقة الثالثة، عرضنا لمشروع "طريق الحرير". في هذه الحلقة الرابعة والأخيرة، نعرض لسلوك الرئيس الصيني وميزان القوى داخل القيادة الصينية ولقضيتي الحريات والأقليات.

حدث هذا في شنغاي في 18 كانون الأول/ديسمبر في حرم جامعة “فودان”، إحدى كبرى جامعات الصين: طلاب ينشدون نشيداً يمجد “حرية التعبير”. هذا ليس بثورة، ولكن عشرات الطلاب أرادوا الاحتجاج على “توجه الحزب الحاكم نحو سياسة عبادة الشخص”، والقصد هنا هو تش جينبينغ (Xi Jinping). رئيس الدولة والسكرتير العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الحاكم ورئيس لجنة القوات المسلحة ـ أقوى سلطة منذ تأسيس الجمهورية على يد ماو تسي تونغ. ردّد هؤلاء الطلبة “ديموقراطية حرية أكاديمية حرية التعبير… دون خوف”.

ما هي الشعرة التي قصمت ظهر بعير الصمت؟

لقد صدر عن إدارة تلك الجامعة قرار يقضي بـ”بوضع الجامعة تحت سلطة الحزب الشيوعي”… والهدف، كما ذكر البيان، هو “تقوية المهارات العقلية”، بينما يقول الطلبة إن الهدف هو “خلق فرق من العبيد الطيّعين”.

ولم يتردد مدير تحرير جريدة “غلوبال تايم” ذات النزعة القومية القوية والمقربة من الحكم، في إنتقاد القرار وكتب أن قرار الجامعة “يستفز الشعب”.

بالطبع تأتي هذه القرارات خوفاً من عدوى “الحرية في هونغ كونغ” التي تصل أخبارها إلى “الوطن الأم” برغم حظر الأنترنت والرقابة على مصادر الإعلام الآتي من الخارج.

نعم، باتت هونغ كونغ تسبّب صداعاً للجنة المركزية للحزب الشيوعي وللحكومة في بكين، وبرغم النزعة القومية التي لا شك فيها لدى المواطنين، الذين يؤيدون شعار “نظامان في دولة واحدة”، إلا أن نوعاً من التململ بدأ يتسرب من شقوق الطبقة الحاكمة لأسباب عدة.

منذ وصول تشي إلى الحكم في العام 2013، سعى إلى الإمساك بكافة مقاليد الحكم ووضع شخصيات يثق بها في مفاصل الدولة. يقول البروفسور زانك ليفان (Zhang Lifan) وهو معارض من الداخل ويرفض الخروج من البلاد، إن تشي “يريد أن يصبح إلهاً”، مُتشبّها بما فعله ماو تسي تونغ.

يكفي الالتفات إلى عدد من مظاهر عبادة الشخصية حتى ندرك أن تشي يسعى للتمثل بماو: يعرف الجميع صورة ماو وهو يشير إلى “طريق النجاح” (الصورة رقم 1)، ولم يتردد تشي بتوزيع صورة له في حركة تشبه يد ماو الممدودة نحو.. المستقبل (الصورة رقم 2).

وفي سياق إعادة كتابة التاريخ وكتابة سيرة لتشي تتماشى مع مسعاه لتثبيت حكمه، يشير إلى أنه في مرحلة ما إختبأ في مغارة (الصورة رقم 3) تماماً، كما فعل ماو تسي تونغ وفي غرفة لها ديكور مشابه تماماً لديكور غرفة ماو (الصورة رقم 4) وباتت زيارة الغرفة داخل المغارة من ضمن برنامج الرحلات التعليمية في الصين.

وعلى الصعيد الفكري، باتت نظرية تشي لمستقبل البلاد تشكل المقطع الأول لوثيقة الحزب الشيوعي، ويشار إليها بـ”أفكار تشي جينغبينغ حول الاشتراكية ذات الطابع الصيني”. وقد بادرعدد من الجامعات إلى فرض “ولاء” الطلبة الكامل “لأفكار تشي”.

وفي الصحافة “الممسوكة بيد من حديد”، فإن صورة تشي والحديث عما يفعله من الصباح حتى المساء، تملأ الفضاء الإعلامي المكتوب والمرئى والمسموع. أما في الفضاء الرقمي، فقد انتشر تطبيق يسمح للمتصفحين بمتابعة أخباره لحظة بلحظة، إلى جانب برنامج ألعاب وفوازير على قناة تلفزيونية تدور الأسئلة كلها حول… شخصية تشي بالطبع.

إن تعداد سكان الصين هو مليار و420 مليون نسمة. السؤال هو كيف يستطيع تشي جينغبينغ وفريقه “تدجين” هذا الكم من السكان

إن تعداد سكان الصين هو مليار و420 مليون نسمة. السؤال هو كيف يستطيع تشي جينغبينغ وفريقه “تدجين” هذا الكم من السكان؟ الجواب هو عبر التكنولوجيا!

فقد ‫بدأت الصين استعمال “نظام التقييم الاجتماعي”، وهو عبارة عن برنامج خوارزمي مرتبط بهواتف المواطنين الذكية (سيبلغ عدد المرتبطين به حوالي 800 مليون في العام 2020). وهذا البرنامج الرقمي وظيفته تقييم سلوك المواطنين الاجتماعي ووضع بيانات تشمل كافة النشاطات التي يقومون بها. هذه الهواتف مرتبطة أيضاً بمجموعة هائلة من كاميرات المراقبة المنتشرة في كافة المدن ودساكر الصين.

وحسب هذه البيانات يتم إعطاء تقييم (علامة إجتماعية) لكل مواطن ومواطنة، وهي علامة تتحرك زيادة أو نقصاناً حسب نشاط المواطن. وهذه العلامة تسمح للمواطن (أو تمنعه) من القيام بنشاطات معينة أو الالتحاق بوظائف. وعلى سبيل المثال لا الحصر، منع هذا التطبيق 20 ألف مواطن صيني من السفر للسياحة في نهاية الربيع الماضي. كما أن علامة “سيء” في التقييم المذكور، أدت إلى استبعاد مئات الآلاف من المواطنين من تقديم طلب جوازات سفر أو الالتحاق بوظائف معينة.

هذا التقييم الاجتماعي، الذي لا تخشى السلطات الصينية المجاهرة به بل تتباهى به، يهدف حسب قولها إلى إنشاء ما تسميه “المواطن الصالح”. فالكاميرات تلتقط (تتابع) المواطنين، وبالتالي لا مجال لرمي السجائر أو العلكة على الرصيف، ناهيك عن مخالفات السير، وأي خطأ يرتكب في الشارع تكون الكاميرا بالمرصاد، وتعطي علامة سلبية يسجلها فوراً الهاتف الذكي. وتحسباً لأي تفلت من التقييم، ممنوع على المواطن/المواطنة التجول من دون الهاتف الجوال، فهو بات يشكل بطاقة الدفع وبطاقة الهوية ومفتاح للدخول للمؤسسات الرسمية وإلى عدد كبير من المراكز والمؤسسات التجارية. وبالطبع، فإن كافة المكالمات مراقبة أوتوماتيكياً.

هذا “الكونترول” يلاحق الصينيين أيضاً على شبكات الأنترنت، ومنها مواقع التواصل الاجتماعية، إذ أنه ليس مسموحاً أن يخفي المواطن هويته ويمنع من وضع كلمات سر مشفرة، بل عليه أن يسمح للسلطات والرقابة بالوصول في أي لحظة إلى حاسوبه الشخصي والدخول الى علب بريده الإلكتروني. وكذلك فإن استعمال العملات الإلكترونية (مثل البيتكوين أو أي بلوك تشين) يخضع لتشريعات معقدة جداً وبالطبع يمنع إخفاء الهوية عند تبادل هذه العملات مع الخارج أو في الداخل الصيني.

بات يمكن لتشي أن يتبوأ الرئاسة إلى الأبد… على طريقة ماو تسي تونغ في الصين وكيم إيل سونغ في كوريا الشمالية

خلال المؤتمر العام التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني وقف 2980 عضواً حتى يصفقوا للرفيق الزعيم تشي، ووافقوا من دون أي تردد على تعديل دستوري ألغى مادة حصر ولاية الرئيس بولايتين فقط، وبالتالي، بات يمكن لتشي أن يتبوأ الرئاسة إلى الأبد… على طريقة ماو تسي تونغ في الصين وكيم إيل سونغ في كوريا الشمالية.

من هنا يطرح السؤال نفسه من يستطيع الوقوف في وجه “الامبراطور تشي”؟

والمعروف أن الرئيس الصيني، وبمساعدة رئيس لجنة الانضباط وانغ كي شانغ (Wang Qishan) طهّر الحزب من كافة  الشخصيات التي يمكن أن تشكل معارضة له ضمن الحزب.

وكل طاقم الجيل الثاني للرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين (Jiang Zemin) ومطلق شعار “أسعوا للثروة”، إما تم طرده أو سجنه بحجة محاربة الفساد. النموذج هو رئيس الوزراء السابق هو جينتاو (Hu Jintao ـ 2002 2012)، فقد إرتبط اسمه بالعديد من الشركات الضخمة، ما يمكن أن يفسح في المجال أمام ملاحقته بتهم فساد. هكذا، يستعمل تشي شعار محاربة الفساد للتخلص من كل معارضيه، ويطلق المواطنون الصينيون على عملية تصفية المعارضين تحت هذه التهم صفة “الصيد”، فإذا كان مركز المتهم كبيراً يكون “صيد نمر”، وإذا كان من صغار الموظفين يكون “صيد ذباب”. ويتناقل الصينيون الحديث عن سجون في العاصمة مليئة بـ”النمور”، بينما يسجن “الذباب” في المناطق النائية.

هل من الممكن أن تأتي النقمة من الشعب؟

  • من الصعب جداً أن يتحرك المواطنون لأسباب عديدة: الطبقتان المتوسطة والفقيرة مستفيدتان من النمو الاقتصادي الذي شهدته الصين في العقود الأخيرة، وهي مراقبة بشكل عنيف.
  • الطبقة الغنية من صناعيين وكبار التجار لم تتأثر حتى الآن بالحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، وهي مراقبة بشكل لصيق من قبل أعضاء في مجالس الإدارة تم فرضها بالقوة وعلى رؤساء الشركات. كما أن الديون المترتبة عليها للمصارف تمنعها من التململ، فضلاً عن أن تهمة الفساد يمكن أن تتحرك عند أول محاولة لمعارضة تشي وأفضل مثال ما أصاب صن زينكشاي (Sun Zhengcai) الذي كان أعلى موظف في الدولة وتم اتهامه بقبول رشوة بـ 25 مليون دولار (تمت إزاحة ما يزيد عن 1000 موظف من كبار الموظفين منذ وصول تشي إلى الحكم).
  • قد يأتي الخطر على سياسة تشي جراء تحرك الأقليات وخصوصاً أقلية الأويغور المسلمة في مقاطعة تركستان الشرقية (شينجيانغ). وكما بات معروفاً، فإن السلطات الصينية تسجن ما يزيد عن مليون أويغوري في مخيمات تصف المنظمات الإنسانية ظروفها بالمزرية ولا تتردد الأمم المتحدة في وصف هذه الأعمال بجرائم ضد الإنسانية. وتقول السلطات الصينية بأن هذه المخيمات هي مراكز تدريب مهني وتبرر تصرفاتها بأنها لمحاربة الإرهاب.
  • بدأت جماعات مسلحة بالتصدي لقوى الأمن الصينية في مقاطعة تركستان الشرقية (شينجيانغ) الشاسعة، خصوصاً أن السلطات عمدت إلى إلغاء القوانين الخاصة بالإدارة الذاتية في المقاطعة، ما سمح لها بتوطين سكان من إتنية الـ”هان” الذين يشكلون 80 في المئة من سكان الصين، بينما يبلغ عدد الأويغور حدود الـ 22 مليون نسمة بينما تحتل مقاطعتهم الغنية 20 في المئة من مساحة البلاد.

أفضل مثال على بداية هذا الانشقاق في القيادة هو تسريب 400 صفحة من مداخلات في اللجنة المركزية تحلل سياسة المعاملة القاسية التي يلقاها الأويغور

لا يأتي الخطر على حكم تشي، عبر ثورة المسلمين في المقاطعة، ولكن يمكن “استعمال هذه السياسة” التي تندد بها دول العالم، من قبل بعض السياسيين المقربين من تشي وهم من الفئة التي لا تبدو مرتاحة للتوجه الديكتاتوري للرئيس. أفضل مثال على بداية هذا الانشقاق في القيادة هو تسريب 400 صفحة من مداخلات في اللجنة المركزية تحلل سياسة المعاملة القاسية التي يلقاها الأويغور وتبحث كيفية التصدي للانتقادات العالمية التي خدشت صورة الصين الحديثة. وتتحدث بعض المصادر التي ترتبط بأكاديميين صينيين عن تخوف لدى بعض أعضاء المكتب السياسي من ردات فعل الأقلية المسلمة وتجاوب المسلمين عبر الحدود في باكستان وأفغانستان، ما يمكن أن يقود إلى عنف وإرهاب في تلك المناطق التي تمر بها “طريق الحرير” والتي استثمرت فيها الصين ما يزيد عن 66 مليار دولار (الصين ما وراء طريق الحرير4/3).

  • بعض التغييرات في الهيكلية النقدية وإدارة المصارف استفزت بعض أعضاء المكتب السياسي إذ أن تشي فرض ليو هي (Liu He) محل زوو كزياوتشان (Zhou Xiaochuan) على رأس البنك المركزي في الوقت الذي تحتد الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.
  • بدأ الوضع في هونغ كونغ يثير قلقاً لدى بعض الأوساط السياسية الصينية ولا يتردد البعض في القول “إن تشي وقراراته قتلت الدجاجة التي تبيض ذهبا”، إذا أن تراجع الاستثمارات في هونغ كونغ التي كانت واجهة الصين في عالم المال، بدأ يؤثر على تدفق الاستثمارات إلى الصين، كما أن العديد من الأثرياء الصينيين بدأوا بنقل أموالهم من هونغ كونغ إلى لندن.

من هنا يرى بعض من يعملون في الظل أن تضافر الانتقادات بشأن هونغ كونغ والأويغور يمكن أن يقود واشنطن لاستعمال ما يسميه البعض “سلاح الدمار الشامل المالي”، أي منع الصين من استعمال شبكة سويفت (swift) للتبادل التجاري، ما يعني محاصرة تصديرها واستيرادها، أي خنق اقتصادها الذي برغم ضخامته ما زال غير قادر على التحليق من دون شبكة العولمة التي تمسك بها الولايات المتحدة والغرب.

(*) كاتب وباحث متخصص بالشؤون الآسيوية في معهد الدرسات والثقافات الشرقيةInalco-Paris 

إقرأ أيضاً:

الصين 4/1: اقتصاد الصين نقاط الضعف والقوة

الصين 4/2: الجيوستراتيجيا في محيط الصين

الصين 4/3: ما وراء طريق الحرير

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy course