الرابط الأعمق لا يكمن في الشعارات وحدها، بل في تقليد سياسي وثقافي يرى الشارع ساحةً للمشاركة في صناعة القرار، وأحياناً بديلاً عن المؤسسات حين تفقد ثقة المواطنين. غير أن ما تغيّر بصورة جذرية هو المرجعية الفكرية وأدوات التعبئة. فمن عصر فلاسفة التنوير الذين أسهمت أفكارهم في تهيئة المناخ الفكري لثورة 1789، وفي مقدمهم روسو وفولتير ومونتسكيو، إلى انتفاضة 1968 التي مزجت النزعات الماركسية والتحررية بشعارات من قبيل «ممنوع المنع» و«كن واقعياً واطلب المستحيل»، وبرز خلالها دانيال كوهن بنديت، وصلنا إلى عصر تتراجع فيه القيادات التقليدية والأيديولوجيات الجامعة، فيما تتقدم الخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي إلى قلب التعبئة السياسية.
لم يعد الفيلسوف وحده يكتب الأفكار التي تسبق الحشود، ولا الحزب يحتكر صياغة مطالبها؛ فقد أصبحت منصات مثل “واتساب” و«فيسبوك» و«تيك توك» و«إكس» جزءاً من البيئة التي يتشكّل فيها الغضب ويتسع وينتقل من الشاشة إلى الشارع.
هذه محاولة لفهم كيف انتقل الاحتجاج الفرنسي من أداة ساهمت في إعادة تشكيل الجمهوريات والمؤسسات إلى ظاهرة باتت تتأثر أيضاً بصراعات القوى الكبرى والحروب الرقمية، في عالم تتآكل فيه بعض قواعد النظام الدولي، وتتسارع فيه التحولات التكنولوجية إلى حدّ يثير التساؤل عن قدرة المجتمعات على التحكم بمصيرها.
ما الذي يجمع الثورات الفرنسية؟
يمكن تحديد خمسة خيوط تاريخية تصل بين محطات الاحتجاج الفرنسي، على اختلاف ظروفها.
أولها الصراع المتكرر بين المركزية السياسية والنخب الحاكمة من جهة، والشارع الغاضب من جهة أخرى. فمن الملكية الفرنسية عشية ثورة 1789، إلى السلطة الديغولية ذات الطابع الأبوي عام 1968، وصولاً إلى التكنوقراطية المرتبطة بعهد إيمانويل ماكرون، يتكرر الشعور بأن النخبة الباريسية انفصلت عن قطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما ما يُعرف بـ«فرنسا العميقة».
ثانيها الميل إلى التغيير عبر الصدمة والمواجهة، لا عبر الإصلاح التدريجي وحده. وعلى خلاف الصورة الشائعة عن النموذج البريطاني الأكثر ميلاً إلى التسويات المؤسسية، يحتفظ التاريخ الفرنسي بمحطات كبرى من الانفجار الاجتماعي والسياسي: إسقاط الملكية، والإضراب العام في أيار/مايو 1968، وإغلاق الطرق والساحات خلال احتجاجات «السترات الصفراء».
ثالثها هو رومانسية المتراس بوصفه رمزاً للتمرد. فقد احتفظت الذاكرة السياسية والثقافية الفرنسية بصورة المواطن الذي يخرج إلى الشارع ليعترض على السلطة، حتى غدا الاحتجاج جزءاً من الهوية الجمهورية، وإن اختلف الفرنسيون في تفسير شرعيته وحدود العنف الذي قد يرافقه.
رابعها يتمثل في التوتر بين الفوضى والنظام. فالسلطة قد ترى في الاحتجاج تهديداً للمؤسسات والاستقرار، كما تجلّى في استخدام تعبير «الفوضى” في سياق أحداث 1968، فيما يرى المحتجون في تحركهم تعبيراً عن إرادة شعبية جرى تجاهلها.
خامسها، أن الدولة الفرنسية، مهما بدت قوية ومركزية، وجدت نفسها مراراً مضطرة إلى تقديم تنازلات أمام التعبئة الاجتماعية. لكنّ الاحتجاج لم يؤدِّ دائماً إلى تغيير جذري، ولم تكن نتائجه بالضرورة مطابقة لأهداف الذين أطلقوه.
أوروبا أمام مأزقها الجيوسياسي
هل تتحول أوروبا تدريجياً إلى متحف جيوسياسي، تحتفظ فيه القارة بتاريخها ومؤسساتها وقيمها، بينما تتراجع قدرتها على التأثير في التحولات الكبرى؟
هذا السؤال يعيد إلى الذاكرة تحذيرات عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، أحد أبرز نقاد العولمة النيوليبرالية، الذي دافع عن الخدمات العامة والحقوق الاجتماعية، وحذّر من إخضاع المجتمعات لمنطق السوق وتآكل قدرة السياسة على حماية الإنسان.
لم يكن بورديو يرفض التعاون الدولي أو التحولات الاقتصادية من حيث المبدأ، بل كان يدعو إلى مقاومة الهيمنة الاقتصادية العابرة للحدود، وإلى بناء أشكال جديدة من التضامن والتنظيم قادرة على مواجهة اختلال موازين القوة.
غير أن أوروبا وجدت نفسها، خلال العقود الأخيرة، أمام أزمات متراكبة. فألمانيا، التي بنت جزءاً مهماً من قوتها الاقتصادية على الصناعة والتصدير والطاقة الروسية الرخيصة، استفادت أيضاً من المظلة الأمنية الأميركية والسوق الصينية. ومع اضطراب هذه المعادلة، ظهرت هشاشة نموذجها الاقتصادي والاستراتيجي.
أما الاتحاد الأوروبي فيواجه تحدياً إضافياً في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. وبرغم وجود شركات أوروبية تطوّر نماذج متقدمة، فإن القارة لا تزال تواجه فجوة واسعة في حجم الاستثمار والبنية التحتية والحوسبة مقارنة بالولايات المتحدة والصين.
المشكلة ليست في غياب الابتكار الأوروبي، بل في قدرة أوروبا على تحويل البحث العلمي والتنظيم القانوني إلى قوة صناعية وتكنولوجية مستقلة نسبياً. فهي تضع معايير لحماية البيانات وتنظيم الذكاء الاصطناعي، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن تتحول إلى سوق واسعة تعتمد على منصات وبنى تكنولوجية تسيطر عليها شركات أجنبية.
وبدلاً من أن يؤدي هذا التحدي إلى تعميق التكامل الأوروبي، تتقدم في دول عدة نزعات شعبوية وسيادية تضع المصالح الوطنية المباشرة في مواجهة المشروع الأوروبي المشترك.
وهكذا تواجه القارة مفارقة قاسية: فهي تحتاج إلى مزيد من الوحدة كي تحافظ على وزنها العالمي، بينما تدفع أزماتها الداخلية قطاعات من مجتمعاتها إلى التشكيك في جدوى هذه الوحدة.
المسؤولية الأخلاقية
معظم البشر، أفراداً وجماعات، يتركون وراءهم كل يوم آثاراً رقمية تتحول إلى بيانات تُجمع وتُحلّل وتُستخدم للتنبؤ بسلوكهم والتأثير فيهم. وباتت المنصات تعرف الكثير عن اهتمامات البشر ومخاوفهم وعاداتهم، إلى حدّ يجعل استعارة «مزارع التدجين الرقمي» أقرب إلى وصف نقدي لعلاقة غير متكافئة بين الإنسان والأنظمة التي تنظّم انتباهه.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، يتسع هذا الاختلال. فالأنظمة الجديدة لا تكتفي بعرض المعلومات، بل تستطيع إنتاج النصوص والصور والأصوات، وتقديم المشورة، والمشاركة في اتخاذ قرارات متزايدة التعقيد. وقد يصبح الإنسان أكثر اعتماداً عليها، حتى في المسائل التي كان يعتبرها شأناً شخصياً أو أخلاقياً أو وجودياً.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: هل يمكن أن تتحول الأنظمة الذكية إلى مرجعيات تمنح الإنسان أجوبة جاهزة عن أسئلة المعنى والهوية والسلوك، فتؤدي عملياً بعض الوظائف التي أدّتها الفلسفة والمؤسسات الثقافية والدينية؟
الخطر ليس أن تصبح الآلة إلهاً بالمعنى الحرفي، بل أن يتعامل معها الإنسان بوصفها سلطة معرفية لا تُساءل، لأنها قادرة على إنتاج الإجابات بسرعة وإقناع، ولأنها تبدو أحياناً أكثر يقيناً مما تسمح به المعرفة نفسها.
عندئذ قد تتراجع قيمة السؤال أمام وفرة الإجابات، وتُختزل التجربة الجمالية في محتوى توليدي مصمم لمجاراة الأذواق، ويغدو الانتباه البشري مورداً اقتصادياً تتنافس عليه المنصات.
غير أن المشكلة لا تكمن في الآلة وحدها، بل في الإنسان الذي يصممها ويوجّه استخدامها، وفي الطمع الذي يدفع إلى تحويل كل قدرة جديدة إلى وسيلة للربح أو السيطرة أو التفوق العسكري.
فالإنسان البيولوجي على كوكب الأرض يمتلك اليوم وسائل هائلة لتسريع تقدمه، لكنه يمتلك أيضاً أدوات غير مسبوقة لتدمير نفسه. ولا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى إعلان حرب على البشرية كي يصبح جزءاً من الكارثة؛ يكفي أن تُوظَّف قدراته في سباقات التسلح والحروب، وفي تطوير المسيّرات الذاتية وأنظمة الاستهداف، وفي توسيع قدرة الدول والجماعات على ممارسة العنف.
من هنا نصل إلى السؤال الذي ينبغي أن نراهن عليه: ما الذي تبقّى من مسؤوليتنا الأخلاقية داخل “مزارع التدجين الرقمي”، وكيف نحتفظ بإنسانيتنا في مواجهة أنظمة تتزايد قدرتها على تشكيل وعينا وسلوكنا؟
قد لا يكون الرهان الواقعي على تغيير النظام العالمي كله دفعة واحدة، بل على نوع من المقاومة السيزيفية الواعية، بالمعنى الذي تحضر فيه أسطورة سيزيف عند ألبير كامو: أن نواصل الفعل برغم إدراكنا صعوبة المهمة، وأن نرفض الاستسلام للعبث حتى حين لا نملك ضمانة الانتصار.
أن نصرّ على الصدق في زمن الزيف الرقمي، وعلى التضامن الإنساني المباشر في زمن العزلة الافتراضية. وأن نحتفظ بالحق في الخطأ والكسل والحزن والعفوية غير المبررة، وفي كل ما يمنح الحياة كثافتها الإنسانية ولا يمكن اختزاله في مؤشرات الأداء والبيانات.
ربما تبدأ الخطوة اليومية البسيطة للخروج من المزرعة باتفاق أخلاقي: ألّا نتقاتل داخل هذه المزارع، بل أن نفكّر كيف نخرج من هيمنتها.
ويكون ذلك عبر ما يمكن تسميته «صوم الانتباه الاستراتيجي»: الامتناع الواعي عن الجدالات التي تغذيها الخوارزميات، واستعادة الزمن الإنساني بساعة يومية واحدة بعيداً عن الشاشات، في قراءة ورقية أو لقاء وجهاً لوجه، وتحويل المنصة الرقمية من فضاء للاستهلاك والاستقطاب إلى جسر لبناء علاقات حقيقية خارجها.
إنها محاولة لاستعادة السيطرة على الانتباه قبل الادعاء بالقدرة على السيطرة على العالم.
