“الثلاثي” الأميركي-السعودي-الإسرائيلي.. دونه نتنياهو أيضاً! 

تعمل إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تحت ضغط عامل الوقت من أجل التوصل إلى الاتفاق الثلاثي، الذي يشمل ضمانات أمنية للسعودية ضمن مسار أوسع يوصل إلى التطبيع بين الرياض وتل أبيب، ووقف الحرب في غزة وفتح أفق سياسي أمام الفلسطينيين.

بعد زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان إلى السعودية، في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أشيعت أجواء تفاؤلية بقرب التوصل إلى الاتفاق الأمني الأميركي – السعودي “في غضون أسابيع”، وفق ما صرّح وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن خلال جلسة استجواب في الكونغرس. عملياً، يُريد بايدن تقديم الاتفاق الثلاثي في حملته الانتخابية، على أنه انجاز متعدد الأبعاد:

البعد الأول، يحد من نفوذ الصين في الشرق الأوسط، كونه يطلب من السعودية وقف شراء الأسلحة من الصين والحد من الاستثمارات الصينية في المملكة، وأيضاً وقف تزود الرياض من الصين بأسلحة متطورة وبمفاعل نووي للأغراض السلمية والتعاون في مجالات الذكاء الإصطناعي.

البعد الثاني، يتضمن قبول السعودية بالتطبيع على طريق “دمج” إسرائيل في المنطقة.

البعد الثالث، يتضمن وقف حرب غزة واقناع تل أبيب بسلوك مسار سياسي في المنطقة، يُفضي إلى “حل الدولتين”.

لخّص بلينكن الوضع على النحو الآتي: “من أجل المضي قدماً في التطبيع، أوضحت السعودية أنه حتى مع اكتمال الاتفاقات بيننا، يتعين تحقيق شيئين: إحلال هدوء في غزة، وطريق موثوق به يقود إلى قيام دولة فلسطينية”.

على أن الكلمة الأخيرة لوضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ، تبقى مرهونة بموافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عليه. وفي هذا الصدد، يقول السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة إيتامار رابينوفيتش: “إنه بالنسبة لأي رئيس للوزراء في إسرائيل غير نتنياهو، فإن العرض الأميركي مُغرٍ”. أما في حالة نتنياهو، يستطرد رابينوفيتش، فإن انتهاء الحرب في غزة سيؤدي إلى تحقيق رسمي في المسؤولية عن إخفاق 7 تشرين الأول/أكتوبر ومواجهة رئيس الوزراء الإسرائيلي باتهامات احتيال وفساد. ومعلوم أن كل هذا قد يقوده إلى السجن!

وفي الأيام الأخيرة، دأب نتنياهو على التأكيد بأن كل تقارير الأجهزة الأمنية قبل حرب 7 تشرين الأول/أكتوبر، كانت تؤكد أن “حماس” مردوعة، وليست في صدد شن أي هجوم. وهو بذلك يستبق أي تحقيق رسمي يدفع في اتجاهه رئيس الأركان الجنرال هرتسي هاليفي.

جرعة الدعم الجمهورية، تجعل نتنياهو في موقع أفضل لمقاومة طلبات بايدن الإسراع في الموافقة على الاتفاق الثلاثي، والتمهل في انتظار نتائج الانتخابات الأميركية. ونتنياهو واثق من أن ترامب، الذي لا يؤمن بحل الدولتين، سيكون أكثر تسامحاً معه في عودة الاحتلال إلى غزة بشكل دائم، والمضي في إجراءات لضم الضفة الغربية، أملاً في تصفية القضية الفلسطينية

وطالما أن نتنياهو يرفض وقف الحرب، فإن الطريق لن يكون مفتوحاً أمام الاستراتيجية الأميركية لإعادة ترتيب الشرق الأوسط بعد غزة، وبناء ائتلاف مناهض لإيران ويحد من نفوذ الصين وروسيا. ويرى كاتب العمود في صحيفة “النيويورك تايمز” روجر كوهين “أن قرار نتنياهو، مع مصيره السياسي والقضائي على المحك، بإطالة أمد الحرب والامتناع عن وضع خطة لليوم التالي لغزة، يأتي بثمن باهظ”.

في سياق غير بعيد، كشفت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية عن إجتماع غير معلن لجنرالات إسرائيليين في الآونة الأخيرة، خلص إلى أن رفض نتنياهو لوقف اطلاق النار، يُهدّد بتبديد ما سموه “مكتسبات إسرائيل خلال الحرب”.

وكان هذا من العوامل التي أفضت إلى خروج وزير الدفاع يوآف غالانت والوزير في مجلس الحرب زعيم “حزب الوحدة الوطنية” بيني غانتس عن صمتهما والمطالبة باستراتيجية واضحة لليوم التالي في غزة. والتضامن الذي برز مع نتنياهو بعد طلب المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية كريم خان باصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، لن يعدو كونه تضامناً وقتياً وعابراً.

عاملٌ جديدٌ دخل على خط العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، بعد استقبال نتنياهو، الأسبوع الماضي، وفداً يُمثّل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، برئاسة آخر مستشار للأمن القومي في عهده، روبرت أوبراين. والخميس، أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي الجمهوري مايك جونسون الموالي لترامب، أنه سيوجه الدعوة “قريباً” لنتنياهو كي يلقي كلمة أمام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس.

معاودة الاتصالات بين فريق ترامب ونتنياهو بعد فترة جفاء امتدت أكثر من ثلاثة أعوام، جعلت بايدن أكثر تساهلاً بالنسبة للهجوم الإسرائيلي على رفح، وغابت لغة التحذيرات من مغبة الحاق الأذى بالمدنيين، وسارع البيت الأبيض إلى التنديد بالمحكمة الجنائية الدولية، وبقرار إسبانيا وإيرلندا والنروج الاعتراف بدولة فلسطين، على اعتبار أن ذلك لا يساعد الجهود المبذولة لوقف النار وإطلاق الأسرى لدى “حماس”.

لا ريب في أن جرعة الدعم الجمهورية، تجعل نتنياهو في موقع أفضل لمقاومة طلبات بايدن الإسراع في الموافقة على الاتفاق الثلاثي، والتمهل في انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. ونتنياهو واثق من أن ترامب، الذي لا يؤمن بحل الدولتين، سيكون أكثر تسامحاً معه في عودة الاحتلال إلى غزة بشكل دائم، والمضي في إجراءات لضم الضفة الغربية، أملاً في تصفية القضية الفلسطينية.

إقرأ على موقع 180  حراكُ الجامعات الأميركية.. مهمٌ ولكن!

وحتى لو بقي بايدن لولاية ثانية، فإن نتنياهو قادر على انتزاع المزيد من التنازلات منه، بحيث لا يكون شرط التطبيع مع السعودية، التزاماً بوقف نهائي للحرب أو بفتح المسار السياسي أمام الفلسطينيين. ويُكرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الدول العربية يجب أن تكون ممتنة له، لأنه يحارب “حماس” المتحالفة مع إيران، وبأن هدفه المعلن بالقضاء على الحركة، يحجم النفوذ الإيراني في عموم المنطقة.

ليس نتنياهو في عجلة من أمره للبت باعطاء جواب على الاتفاق الثلاثي. والوزيران المتشددان في حكومته إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وهما مظلة الأمان لبقاء نتنياهو في الحكم، يريان أن اتفاق التطبيع لا يستحق الدخول في نقاش حول إقامة دولة فلسطينية. وبحسب استطلاع لـ”منتدى الديموقراطية الإسرائيلي” في شباط/فبراير الماضي، تبين أن 60 في المئة من الإسرائيليين اليهود يعارضون قيام دولة فلسطينية. ووفق استطلاع للجامعة العبرية في القدس أجري الشهر الماضي، فإن 37 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون ضم الضفة وعودة الاستيطان إلى غزة.

وهذا ما يجعل زعماء إسرائيل وفي مقدمهم نتنياهو، يؤيدون التطبيع ويعتبرونه مكسباً، لكنهم غير مستعدين لدفع ثمن بحجم قيام دولة فلسطينية. ولا يوجد استعداد حتى للقبول بتعهد مبهم نحو فتح المسار السياسي.

وقبل خمسة أشهر من الانتخابات الرئاسية الأميركية، يتريث نتنياهو في تقديم رد إيجابي على الاتفاق الثلاثي، إلا إذا حصل التطبيع من دون مقابل، مع ضمانات ببقائه السياسي!

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  ما بين الروسوفوبيا والروسوفيليا | ليمان نموذجاً