بحثاً عن حجي عبدالله… زعيم “داعش” الجديد

تُجمع التوقّعات على أن زعيم "الدّولة الاسلاميّة" (داعش) الجديد أبو إبراهيم الهاشميّ القرشيّ ما هو سوى القيادي المعروف باسم حجّي عبداللّه. لذلك لم يكن مستغرباً أن ينصبّ الاهتمام الإعلامي طوال الأسابيع الماضية على محاولة معرفة الهويّة الحقيقية لهذا الأخير، رغم أن الخيارات تتراوح بين احتمالات قليلة جداً.

تبقى تساؤلا كثيرة من قبيل ماذا كان موقع حجّي عبدالله في الهيكلية القيادية في “الدولة الإسلامية”، وما هي الأدوار التي قام بها، وكيف تخلّص من خصومه حتى استتبّ له أمر التربّع على عرش أخطر تنظيمٍ ارهابيٍّ في العالم؟

ألقاب عديدة لنفس الشخص!

حمل أكثرُ من قياديّ في تنظيم “داعش” لقب “حجي عبدالله” أبرزهم اثنان: الأوّل هو فلّاح حسن المصقلاوي الذي شغل منصب مسؤول ديوان الصحة وكان معروفاً بـ “حجي عبدالله” أو “دكتور عبدالله” وقد قتل في وقت سابق. كذلك حمل نفس اللقب أبو صالح الجزراوي الذي كان يشغل منصب عضو مجلس الشورى في التنظيم، وما زال مصيره مجهولاً وسط أنباء عن احتمال تعرضه للقتل أيضاً ولكن من دون تأكيد.

غير أن “حجّي عبدالله” المقصود لا يمكن أن يكون قد قُتل، كما لا يمكن أن يكون من حملة الجنسية السعودية لا سيما في ظل الترجيحات بأنه هو الذي خلف زعيم “داعش” السابق أبي بكر البغدادي في زعامة التنظيم، وأنه تركماني عراقي بحسب ما كشفت بعض التقارير الإعلامية نقلاً عن مصادر استخباريّة (تقرير “الغارديان” البريطانية).

المفارقة أنّ هذا الاسم لم يكن متداولاً على الصعيد الإعلامي رغم أن المعلومات التي تكشفت عنه لاحقاً، أكّدت إنّه من مؤسّسي “دولة العراق الاسلامية” ومن قدامى أصدقاء البغدادي، حيث نزلا سوياً في سجن بوكا الذي كانت تشرف عليه قوات الاحتلال الأميركي في العراق.

وما أثار الرّيبة هو أن أول ظهور للاسم كان في خبر منسوب لوكالة “أعماق” نُشر في شهر آب الماضي. تحدث الخبر آنذاك (وقد ثبت أنه مزور لم تنشره الوكالة) عن تعيين أبي بكر البغدادي نائباً له هو حجي عبدالله قرداش والمعروف أيضاً باسم أبي عمر التركماني او قرداش. وما ضاعف من هذه الريبة أن العدد 193 من صحيفة “النبأ” الصادر في الشهر ذاته، أشار في ثنايا تقرير عن أبي المثنى الحسيني إلى مقتل أبي عمر قرداش حيث أتبع اسمه بعبارة “تقبّله الله”. لكن الأدهى من كلّ ما سبق أن برنامج مكافآت من أجل العدالة التابع لوزارة الخارجية الأميركية أعلن في الشهر ذاته عن مكافأة مقدارها خمسة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن حجي عبدالله المعروف باسم “أمير محمد سعيد عبدالرحمن المولى”.

وكان من الممكن وضع التضارب السابق في سياق الانقسام الذي كان يشهده ديوان الإعلام المركزي تبعاً للخلافات والصراعات التي كانت تعصف في بنية “داعش” في تلك المرحلة. غير أن القيادي السابق في التنظيم أبا عيسى المصري فجّر مفاجأة كبيرة عندما أكّد (في مطوية حملت عنوان “سلطان باريشا”) وجود شخصية باسم حجي عبدالله قرداش، وذكر أنه ما زال على قيد الحياة إنما من دون رجله اليمنى التي قطعت جراء إصابة، وهو ما اعتبره القيادي سبباً لعدم جواز توليته منصب الزعامة الذي يشترط فيه سلامة الحواس.

ومن المعلوم أن البغدادي وفي إطار إعادة هيكلة التنظيم أواخر عام 2016 عيّن شخصاً يدعى أبا عمر التركماني بمنصب مسؤول ديوان القضاء والمظالم.

ومن خلال البحث، تبيّن أن كتاب “كفّوا الأيادي عن بيعة البغدادي” لمؤلّفه أبي محمد الهاشميّ، القياديّ المنشقّ عن “داعش” ومن أتباع تيار “طلبة العلم”، انطوى على ذكر لشخصية تحمل لقب “حجي عبدالله القرشي”. وأهمّ معلومة وردت في الكتاب هي أن حجي عبدالله هو مؤلف كتاب يحمل عنوان “فقه النوازل” (يبدو أن العنوان الأدق هو “مسائل في فقه النوازل”) وأن الكتاب كان ممنوعاً من التداول بأمر من اللجنة المنهجية آنذاك.

غير أن صاحب قناة “النذير العريان” على “تلغرام” المتخصصة في نشر وثائق مسربة عن تنظيم “داعش” وخلافاته الداخلية، ذكر في تعليق له على إحدى الوثائق أن كتاب “فقه النوازل” هو من تأليف أبي عبدالله القرشي وأشار إلى الأخير على أنه نائب البغدادي. ومن شأن هذه الإشارة أن تُحيي ذكر أبي عبدالله الحسنيّ البغدادي الذي عيّنه مجلس شورى التنظيم في منصب نائب البغدادي وذلك عام 2010 بالتوازي مع تعيين البغدادي نفسه. وقد أشار إليه أبو محمد العدناني في إحدى تسجيلاته الصوتية عام 2014 باعتباره ما زال نائباً للبغدادي. لكن هذا الاسم ظلّ مذّاك خارج التداول الإعلامي، ولم يجر التطرق إليه من قريب أو بعيد حتى أصبح طيّ النسيان تقريباً.

أدوار متصاعدة منذ 2017

كشفت بعض الوثائق المسربة، التي نشرت بعضها قناة “النذير العريان” الأقرب إلى تيار “الفرقان”، وبعضها الآخر “قناة مؤسسة التراث الإعلامي” التابعة لتيار “طلبة العلم”، عن أن حجي عبدالله بدأ يلعب دوراً بارزاً في التنظيم منذ النصف الثاني من عام 2017.

في ذلك الوقت، وحسب ما ذكر موقع 180 في تقرير سابق، قام أبو بكر البغدادي بعزل اللجنةَ المفوّضة التي كان يترأسها حجي عبدالناصر، وعيّن لجنة جديدة برئاسة أبي عبدالرحمن الزرقاوي وانبثقت عن الأخيرة لجنة منهجية برئاسة أبي محمد المصري وهو ما اعُتبر بمثابة انقلاب حقيقي داخل التنظيم لأن المصريّ محسوب على تيار طلبة العلم.

وفي خضمّ نشر حلقات “سلسلة علمية في مسائل منهجية” التي أريد لها أن تعبّر عن المنهج الجديد لتنظيم “داعش”، برز اسم “حجي عبدالله” الذي لم يكتف بالتدخل ووقف بثّ حلقات السلسلة وحسب، بل أصدر أوامر عاجلة باعتقال جميع أعضاء اللجنة المفوضة واللجنة المنهجية. وبالفعل جرى اعتقال كلّ من أبي عبدالرحمن الزرقاوي وأبي محمد المصري مع وضع أسماء أخرى على قائمة الاعتقال أبرزها أوس النجدي حسب وثيقة مسربة من ديوان أمن الحسكة حملت توقيع عمر الفاروق.

وفيما ذكرت شهادات مسربة أن بعض أوامر الاعتقال صدرت عن حجي حامد بصفته “والي الشام” فإن بعضها الآخر وخاصة أمر اعتقال المصري صدر عن حجي عبدالله شخصياً، ولكن لم تذكر الشهادات بأي صفة أصدر هذه الأوامر.

ويبدو أن حجي عبدالله قرّر أن يترأس بنفسه اللجنة المفوضة الجديدة بعد التخلص من أبرز خصومه المناوئين لتيار “الفرقان” الذي يمثله. وقد ثبت ذلك في رسالة نشرها أبو جندل الحائلي وهو رئيس ديوان المظالم السابق ومن أتباع “تيار طلبة العلم”، أشار فيها إلى حجي عبدالله باعتباره كان “رئيس اللجنة المفوضة” أثناء وقوع ما أسماها “مجزرة المستتابين”. وهي مجزرة وقعت في حق مئات العراقيين ممن سبق للتنظيم استتابتهم بسبب تعاملهم مع النظام البعثي السابق، لكنه قبل خسارة ولاية الفرات قرر إعادة تجميعهم والقضاء عليهم إعداماً خشية أن يشكلوا “صحوات” ضده.

وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن حجي عبدالله لعب دوراً كبيراً في تغطية هذه المجزرة وعدم محاسبة المسؤولين عنها خاصة بعد الشكاوى التي تقدم بها ذوي الضحايا.

حجي عبدالله وتركيا

في 23 من شهر آذار/مارس عام 2019 ألقت “قوات سوريا الديمقراطية” على قيادي بارز في تنظيم “داعش” وأحد أعضاء اللجنة المفوضة هو طه عبدالرحيم عبدالله. وقد أدلى الأخير في شهر تشرين الأول/اكتوبر باعترافات منشورة في وسائل الإعلام قال فيها حرفياً: “اعتقد بوجود البغدادي في مناطق إدلب الخاضعة للسيطرة التركية. وتعيين الحاج عبد الله كزعيم جديد للتنظيم يعود لعلاقاته مع الدولة التركية. وبطبيعة الحال هناك أخ للحاج عبد الله يعيش في تركيا وهو عضو في الجبهة التركمانية العراقية. وقد أعاد البغدادي تنظيم أعماله بتعيين الحاج عبد الله كزعيم جديد. ويستخدم الحاج عبد الله اسم “أبو عمر التركماني” أيضاً. واستخدام كلمة “التركماني” هي من أجل إرضاء الدولة التركية والتعمق في العلاقات”، علماً بأن القياديّ لم يكن يعلم أثناء إفادته أن البغدادي قد قُتل.

ولعلّ هذه أول إشارة من نوعها تصدر عن قيادي بارز في التنظيم تثبت أن حجي عبدالله وأبي عمر التركماني هما شخصية واحدة.

ومع ملاحظة التشابه بين إفادة هذا القيادي وما ورد في تقرير صحيفة “الغارديان” من معلومات، فإنه لا يمكن التغاضي عن إصراره الواضح على ربط تركيا بكل ما يجري في التنظيم من تطورات.

تأتي أهمية ذلك وسط تضارب في المعلومات حول علاقة حجي عبدالله بتركيا، فمن جهة ذكرت صحيفة “القدس العربي” في تقرير لها أن الأول قد يكون قام بدور فاعل في مفاوضات مع الجانب التركي من أجل إطلاق سراح الدبلوماسيين الأتراك الذين احتجزهم التنظيم في الموصل عام 2014. ومن جهة ثانية، ذكر حساب “مزمجر الشام” على “تويتر”، والمختص بالتغريد عن أسرار الجماعات الجهاديّة، أن تركيا هي من ألدّ أعداء حجي عبدالله. وللاستدلال على هذه العداوة نسب إليه أموراً جسيمة من قبيل التخطيط لهدم ضريح سليمان شاه في منبج، والوقوف وراء تشكيل ما سُمّي “ولاية تركيا” التي تمّ الإعلان عنها أثناء ظهور البغدادي الأخير في أيلول/سبتمبر من العام الماضي.

لكن اللافت في ما حصل لاحقاً هو أن ولاية تركيا كانت الولاية الوحيدة التي لم تصدر عنها بيعة للزعيم الجديد، بينما تواردت البيعات من مختلف الولايات الأخرى، وهو ما من شأنه أن يضع علامات استفهام كثيرة حول مصداقية المعلومات السابقة، ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات بخصوص حقيقة العلاقة التي ستسود بين تركيا و”داعش” في المرحلة القادمة تحت مظلة قيادته الجديدة.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course