“ربيع” العرب في عشريته.. خريفٌ مقيمٌ   

الرابحون من "الربيع العربي"، لم يكونوا العرب، لا أنظمة ولا شعوباً. ما بدا لوهلة، أنه شرارة الإنتقال بالعالم العربي من صحراء الإستبداد إلى واحة الديموقرطية، سرعان ما تحول طوفان دم وحروب أهلية، زالت معه دول وتغيرت جغرافيات وتبدلت تحالفات، لترتسم معادلات جديدة في الشرق الأوسط، ظهرت معها إسرائيل وتركيا وإيران، كثلاث قوى إقليمية تتحكم بمصير المنطقة رُمةً.    

خسر العرب سوريا واليمن وليبيا. ولا يمكن اعتبار العراق بلداً مستقراً مع أن مشكلته سابقة لـ”الربيع العربي”، وحتى تونس التي يعتقد الغرب أنها كانت قصة نجاح للتحول نحو الديموقراطية، كانت البلد الذي صدّر أكبر نسبة من المقاتلين الجهاديين إلى سوريا عقب سقوط ديكتاتورية زين العابدين بن علي، وهي لا تزال تعيش اضطراباً سياسياً واقتصادياً بعد مرور عشرة أعوام على انتفاضتها.

ومصر، التي خطف “الإخوان المسلمون”والجيش ثورتها، لم يدم التعايش بينهما، وعاد الجنرالات إلى الحكم بواجهة عبد الفتاح السيسي.

العالم العربي، الذي تصوّره الغرب ولا سيما الولايات المتحدة، أنه يعيش لحظة أوروبا الشرقية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عقب انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي، تبين أنهم مخطئون في تصورهم. هنا عالم مختلف، لا تزال أسسه الطائفية والقبلية، تمسك بتلابيبه. لا مكان للنموذج الأوروبي الشرقي، ولا للنموذج الأوروبي عموماً الذي استندت ديموقراطياته إلى ثورات 1848.

 في الدول العربية، عندما تزعزعت الانظمة، قفز الإسلام السياسي ليشكّل البديل. “الإخوان” أمسكوا بمصر وليبيا وتونس، وأرسلوا الجهاديين إلى سوريا، بمباركة تركيا، التي راهنت أن لحظتها السياسية قد حانت مع صعود الإسلام السياسي، على أنقاض الانظمة الحاكمة منذ 60 عاماً.

لكن مياهاً كثيرة جرت تحت جسور التحولات الجارية، مع عودة تنظيم “القاعدة” بقوة إلى العراق، مستفيداً من الفوضى في سوريا وفقدان الدولة المركزية سيطرتها على معظم أنحاء البلاد. و”القاعدة”، أفرزت “داعش”، الذي أمسك بمساحة في العراق وسوريا تعادل مساحة بريطانيا، وأعلن قيام “دولة الخلافة”. وبدأ كل شيء ينهار في المنطقة، فسارعت الولايات المتحدة إلى العودة إلى المنطقة، عبر التحالف الدولي عام 2014، وبعد عام من عودة أميركا، دخلت روسيا إلى سوريا لتنقذ النظام من السقوط وتحافظ على آخر معاقلها في المياه الدافئة، لا سيما بعدما وقعت في شرك “خديعة” الغرب بالتدخل الأطلسي في ليبيا عام 2011.

وعلى رغم أن التدخل الروسي والمساندة الإيرانية، مكّنا النظام من السقوط، لكن أميركا لا تزال تحتل منابع النفط السوري، وتركيا تحتل أجزاء من شرق الفرات والشريط الشمالي من الحدود السورية وصولاً إلى ريفي إدلب واللاذقية، مع “إمارة” لـ”القاعدة” في إدلب تحت مسمى “جبهة تحرير الشام”. والأزمة السورية مستمرة، على شكل حرب تجويع من طريق العقوبات الأميركية والأوروبية، ولا يبدو أن حلاً سياسياً في المتناول على المدى المنظور.

 في الدول العربية، عندما تزعزعت الانظمة، قفز الإسلام السياسي ليشكّل البديل. “الإخوان” أمسكوا بمصر وليبيا وتونس، وأرسلوا الجهاديين إلى سوريا، بمباركة تركيا، التي راهنت أن لحظتها السياسية قد حانت مع صعود الإسلام السياسي، على أنقاض الانظمة الحاكمة منذ 60 عاماً

وليبيا، مقسمة فعلياً إلى شرق وغرب، تحكمها فصائل مقاتلة، منها الجهادي ومنها الأقل جهادية، وصولاً إلى بقايا نظام القذافي. وقرار الليبيين، ليس في أيديهم. كان قرارهم قبل عشرة أعوام مصادراً من قبل رجل واحد. اليوم تتقاسم النفوذ في ليبيا، تركيا ومصر وروسيا وفرنسا وإيطاليا ودول خليجية.

اليمن، منقسم بين شمال حوثي وجنوب منقسم بدوره بين أصحاب الحنين إلى الدولة الجنوبية المستقلة وبين من يريدون يمناً واحداً بدعم خليجي، لم يسفر سوى عن إطالة أمد معاناة الشعب اليمني، الذي تحذر الأمم المتحدة، من أن حاله مثل حال سوريا، يواجه الجوع. والنفوذ في اليمن منقسم أيضاً بين إيران والسعودية والإمارات، مع محاولات تركية دؤوبة بحثاً عن موطىء قدم.

ويعيش العراق منذ عام “ربيعاً عربياً” متأخرا، كما يحلو للمعلقين في الغرب أن يصفوا الاحتجاجات التي انطلقت في تشرين/اكتوبر 2019. لكن العراق، الذي يعوم على حقول النفط، عاجز اليوم عن دفع رواتب موظفيه، وقراره تتشارك فيه إيران والولايات المتحدة، بينما لا يبدو أن الديموقراطية الحقيقية ممكنة فيه. و”داعش” وخلاياه النائمة لا تزال تهديداً ماثلاً.

ولبنان، الذي عاش أيضاَ وهم “الربيع” بعد احتجاجات العام الماضي، يصارع خطر “الزوال” بفعل الإفلاس المالي والتناحر على المغانم داخل طبقته السياسية.

وعلى أنقاض العالم العربي، نجحت تركيا في مد نفوذها من شمال العراق إلى شمال سوريا وغرب ليبيا وشرق المتوسط. هي اليوم دولة إقليمية كبرى، يتنافس عليها الغرب وروسيا، لاستقطابها كل إلى جانبه.

لم يكن التطبيع مع إسرائيل، سوى التعبير عن تبدل الأولويات، وعن دخول المنطقة العربية في طور جديد عنوانه، كيف يمكن التصدي لإيران وما اصطلح على تسميته بـ”الهلال الشيعي”

وإيران، برغم العقوبات الأميركية وسياسة “الضغط الأقصى” التي مارسها دونالد ترامب والخسائر الاقتصادية التي تكبدتها وفقدانها قادة أساسيين في المواجهة الباردة مع أميركا وإسرائيل، لا تزال دولة محورية، ومحط أنظار الولايات المتحدة واوروبا من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى.  وهي تملك من النفوذ الإقليمي ما يقلق أميركا وإسرائيل.

إقرأ على موقع 180  عندما نمنا لأوّل مرّة من دون بيروت!

وفي المحصلة، بقيت الممالك العربية بمنأى عن عواصف التحولات، باستثناء البحرين التي سرعان، ما أجهضت حراكها بمساندة السعودية. وهذا ما جعل دول الخليج العربية تتصدر المشهد، بعد فراغ نجم عن تراجع مكانة مصر والعراق وسوريا.

ومع بروز الدور الخليجي، بدأت أولويات الصراع في المنطقة تتغير. وكانت القضية الفلسطينية، أكبر الخاسرين من نتائج “الربيع العربي”.  ولم تعد فلسطين “قضية مركزية”، فقد حجبها النزاع الخليجي مع إيران، وبات التصدي لإيران هو في رأس أولويات معظم العرب.

ولم يكن التطبيع مع إسرائيل، سوى التعبير عن تبدل الأولويات، وعن دخول المنطقة العربية في طور جديد عنوانه، كيف يمكن التصدي لإيران وما اصطلح على تسميته بـ”الهلال الشيعي”.

هذه هي الحصيلة الاستراتيجية لعشرة أعوام من الأنواء السياسية والعسكرية التي عصفت بالمنطقة. فلا شعارات الإصلاح والتغيير، وجدت طريقها الفعلي للتحقق، ولا ما تبقى من أنظمة قادرة على ملء الفراغ السياسي، الذي تتقدم فيه إسرائيل وتركيا وإيران.

أي “ربيع” هذا؟ إنه خريف مقيم!

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  هل يمكن جرّ إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية؟ (1)