بين التكفير والكيماوي.. مَن المُستَهدف مِن تهديد “داعش” لإسرائيل؟

هدّد تنظيم "داعش" بتدشين مرحلة جديدة ستكون البوصلة فيها موجّهةً نحو إسرائيل حسب ما قال المتحدّث الرسمي باسمه. ولا يخرج هذا التهديد عن سياق براغماتية التنظيم وموهبته في ليّ عُنق الأحداث لخدمة أجندته، خاصة أنه صدر قبيل الإعلان عن "صفقة القرن" بساعات قليلة فقط. فما هو المغزى من وراء ذلك؟ وهل تقتصر غاية التنظيم على إحياء ماكينته الدعائية مستغلاً قداسة "بيت المقدس" لترميم قاعدته أم ثمة احتمالات أخرى أشد خطورة قد تهدد بإشعال حرائق التكفير والطائفية في أكثر من مكان من دول الطّوق؟

وصلت سياسة “استجداء الفوضى” التي تتبعها القيادة الجديدة لتنظيم “الدولة الاسلامية” بزعامة أبي ابراهيم الهاشمي القرشي، إلى دهاليز القضية الفلسطينية، بعدما مرّت على ربوع إدلب في سوريا، وأفغانستان وغرب أفريقيا.

ويبدو أن جغرافيا المنطقة بكاملها ستكون مطرحاً لعمليات جسّ نبضٍ دقيقة بغية استكشاف نقاط الضعف والثغرات التي يمكن أن يتسلل منها التنظيم من أجل التمهيد لعودته إلى مسرح الأحداث.

وخلافاً لتوقّعات كثيرة رجحت دخول “داعش” في مرحلة كمون بعد اغتيال زعيمه السابق أبي بكر البغدادي أواخر شهر أكتوبر/تشرين أول من العام الماضي، لم تكدْ تمضي ثلاثة أشهر على حادثة الاغتيال حتى كان التنظيم يضع الخطة الاستراتيجية الأولى في عهد القيادة الجديدة. وتتمثل هذه الخطة في بدء مرحلة جديدة ألا وهي قتال اليهود واسترداد ما سلبوه من المسلمين” حسب ما قال أبو حمزة القرشي في تسجيل صوتي حمل عنوان “دمّر عليهم الله وللكافرين أمثالها”.

وعلى سبيل المقارنة فقد استغرق البغداديّ بعد تقلّده زعامة التنظيم عام 2010 أكثر من عامين قبل أن يعلن في نوفمبر/ تشرين ثاني عام 2012 عن خطّة عمله الأولى التي حملت عنوان “هدم الأسوار”.

ومما له دلالته أن صوتيّة القرشيّ نُشرت يوم الاثنين المنصرم الذي يوافق تاريخه يوم مقتل البغدادي قبل ثلاثة أشهر. لكنّ الأهم أنها جاءت قبل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن صفقة القرن بساعات معدودة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الغاية الحقيقية للتنظيم من وراء اختيار التوقيت وهل تتعلق أولويّته بذكرى زعيمه السابق أم بالحدث الدوليّ الذي كان العالم بانتظاره أم ربما بالاثنين معاً؟.

وقال القرشيّ في تسجيله: “وما نحن إلا قد بدأنا مرحلة جديدة في صراعنا معكم ولا زالت عيون جنود الخلافة في كل مكان على بيت المقدس وإن في قادم الأيام بإذن الله ما يسوؤكم”.

وإذ طلب من “المسلمين في فلسطين وغيرها من البلدان أن يكونوا رأس حربة في قتال اليهود وإفشال مخططاتهم كصفقة قرنهم” فقد خصّ ولايتي سيناء والشام بأمر في غاية الخطورة وهو أن يجعلوا “المستوطنات واسواق اليهود أرضاً لتجربة صواريخكم الكيماوية وغيرها”.

ويأتي هذا الأمر بمثابة إعادة فتح لملف “كيميائي داعش” الذي كان في مراحل سابقة من أخطر الهواجس التي شغلت دول المنطقة والتحالف الدولي. ورغم أنه ساد اعتقاد في عام 2015 أن ضربات التحالف الدولي ردّاً على هجمات “داعش” الكيميائية أدّت إلى شلّ قدراته في هذا المجال، إلا أن العديد من التقارير تحدثت لاحقاً عن عدم دقة هذا التقدير، حتى أن تقريراً لمجلة “نيوزويك” الأميركية عام 2019 ذكر نقلاً عن مسؤولين أكراد أن “علماء داعش المختصين بتطوير أسلحته الكيميائية ما زالوا طلقاء” وأشار المصدر أن بعض هؤلاء موجود في سوريا. ويبدو من كلام القرشيّ أن التنظيم قد استأنف تجاربه لتطوير قذائفه الكيميائية، مع العلم أن جميع الهجمات الكيميائية التي نفذها “داعش” وعددها بالعشرات كانت تتم عبر قذائف بدائية لا تشكل خطراً كبيراً.

ورغم أن وسائل الإعلام تلقفت كلام القرشيّ لإبراز تهديداته ضد الكيان الصهيوني، الذي من دون شكّ سيستغل هذه التهديدات لتعزيز تدخلاته في عدد من الدول المجاورة بذريعة محاربة التنظيم، فإنّ فهم خطة “داعش” ووضعها في السياق الصحيح يتطلبان أخذ كلام القرشي كسلّة واحدة. فهذا الأخير لم يقتصر على تهديد “اليهود” وحسب، بل دعا أيضاً إلى مواصلة القتال ضد “الروافض” “وأهل الردة من السنة”. وكان كلامه واضحاً عندما استدرك أثناء تهديد اليهود مطالباً أتباعه بـ “عدم الالتفات إلى حماس الردة والعمالة ومن هم على شاكلتها من فصائل العار وكلاب إيران وعبيدها”.

يبدو من كلام القرشيّ أن “داعش” استأنف تجاربه لتطوير قذائف كيميائية، مع العلم أن جميع الهجمات الكيميائية التي نفذها كانت تتم عبر قذائف بدائية لا تشكل خطراً كبيراً

وطوال العقود الماضية كانت حركات السلفية الجهادية تتذرع بعدم قدرتها على تنفيذ عمليات داخل إسرائيل بسبب وجود فصائل المقاومة التي كانت- على حد زعمها- تمنعها من القيام بأي عملية. وكان السلفيون يتهمون “حماس” و”حزب الله” وغيرها بأنهم يحرسون حدود الكيان الصهيوني. ويبدو أن هذا المنطق ما زال يحكم عقلية تنظيم “داعش” الذي يكفّر جميع حركات المقاومة بدءاً بـ”حزب الله” وليس انتهاءً بـ”حماس” و”الجهاد الاسلامي”.

لذلك قد تكون أخطر إشارة وردت في كلام القرشيّ ومن شأنها توضيح الغاية الحقيقية للتنظيم من وراء التهديد الظاهري لاسرائيل، هي قوله: ” إننا ندعوكم للالتحاق بأجناد الخلافة الذين يسعون لإزالة الحدود والسدود التي تحول بينهم وبين نزال اليهود”. ويتابع قائلاً “والذين قد عزموا لتحطيم الجيوش وإسقاط العروش التي جعلها الصليبيون لبني إسرائيل حصناً ومِنعة”.

وهكذا يظهر بوضوح أن تهديد إسرائيل على افتراض صدقيته ما هو إلا الهدف البعيد الذي يضعه داعش نصب عينيه أما الهدف القريب فلن يكون سوى حركات المقاومة والجيوش التي تحول بين داعش والوصول إلى هدفه البعيد. لذلك فإن انعكاس التهديدات التي أطلقها القرشيّ لن تكون في الداخل الاسرائيلي، بل على خطوط التماس بينه وبين قوى المقاومة سواء في غزة أو في جنوب لبنان وصولاً ربما إلى درعا السورية.

تهديد إسرائيل ما هو إلا الهدف البعيد الذي يضعه داعش نصب عينيه أما الهدف القريب فلن يكون سوى حركات المقاومة

وقد سبق لتنظيم “داعش” أن نفذ العديد من عمليات تفجير انتحارية سواء في الضاحية الجنوبية لبيروت أو في قطاع غزة كان آخرها في شهر آب من العام الماضي.

وقد تصاعدت حدة الخلافات بين “داعش” و”حماس” منذ عام 2015 عندما أصدرت “ولاية حلب” مقطعاً مصوراً هددت من خلاله بأن غزة ستصبح معقلاً تابعاً للتنظيم.

وأظهرت بعض الوثائق المسربة عدم تسامح قيادة “داعش” مع أي تقارب مهما كان شكلياً مع قيادات وعناصر “حماس”. وتشير وثيقة إلى غضب قيادة التنظيم من قيادي في ولاية سيناء لأنه خاطب أحد قادة حماس بـ “الأخ” وهو ما اعتبره شرعيو التنظيم ولوجاً في باب الكفر لأنه من غير الجائز مؤاخاة الكفار.

وتأكيداً لذلك اعتبر تركي البنعلي الشرعي العام السابق لـ”داعش” (قتل عام 2017) أن التعاون مع “حماس” يدخل ضمن باب جواز الاستعانة بالكفار ضد الكفار وضمن الحدود والتقييدات التي تحكم هذه الاستعانة فقط.

وتشير التجارب السابقة إلى أن العديد من مخططات تنظيم “داعش” كانت تنحرف عن غاياتها وأهدافها المعلنة وتتحول بفعل الاختراقات والتدخلات والضغوط للمضيّ في مسار مناقض تماماً. وتكفي الإشارة إلى أن مقاتلي “داعش” كانوا متواجدين على مدى أعوام على الحدود مع الاحتلال الاسرائيلي في درعا ولم يكن يحول بينهم وبين استهداف إسرائيل اي فصيل من فصائل المقاومة، ومع ذلك لم يحصل أن قام داعش بأي عملية، بل حتى عندما سقطت قذيفة بالخطأ داخل حدود الكيان سارع قياديو “داعش” إلى الاعتذار عن الأمر، حسب ما كشف فيه حينه مسؤول استخبارات إسرائيلي.

وعليه قد تكون الدوافع الداخلية الرامية إلى شدّ عصب مقاتلي “داعش” وتعزيز لحمتهم وترميم بنيته العقائدية من الاسباب الكامنة وراء توجيه البوصلة نحو إسرائيل، لكنّ هذا لا يعني أنه مجرد تهديد شكلي للاستهلاك الداخلي، بل من شأنه في حال توافرت له الظروف المناسبة أن يشكل بدايةً لمرحلة خطيرة من استهداف قوى المقاومة تحت عنوان التكفير والطائفية.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy paid course